عمرانيات

مدونة تهتم بقضايا العمران الإنساني بالبحث والترجمة الزائر الكريم: تفضل بزيارة مدونتي الأخرى Mnzoor.blogspot.com Alkasd.blogspot.com

الأربعاء، يونيو 21، 2006

الفكر السياسي الإسلامي مجالاً للمعرفة

  • Alkasd my other blog
  • عملية تعريف الفكر السياسي الإسلامي ليس عملية موضوعية بشكل مطلق فهو كغيره من الحقول المعرفية الاجتماعية يصعب تحديده وضبطه اسماً ومسماً ضبطاً جامعاً مانعاً نظراً لما يكتنف هذا التعريف من صعوبات منها:
    - أنه حقل معرفي ينطوي على دلالات معرفية هي خلاصة مفهوم مركب من ثلاثة مفاهيم فرعية : الموصوف وهو الفكر والصفتان له :السياسي والإسلامي وكل مفهوم منها تختلف تعريفاته بقدر ما تتشابه وتتنافر بقدر ما تتجاذب
    - يضاف لهذا أن علوم الأمة بحكم علاقتها التكاملية تتأبى على وضع الفواصل القاطعة والجامعة بصورة يصعب معها الادعاء باستئثار علم معين واختصاصه بموضوع معين بشكل مطلق وإذا كان الفكر لابد له من مفكرين فإن كثيراً من شوامخ الفكر السياسي الإسلامي كانت لهم إبداعاتهم وريادتهم في علوم أخرى بصورة يصعب أن نشدهم إلى هذا الحقل ونخصهم به فقد كانوا دائمأ يوصفون بالفلاسفة والفقهاء والمحدثين
    - ويستدعي هذا ضرورة ضبط العلاقة بين مفهومي الشرع والفقه وبين مفهوم الفكر عامة والفكر السياسي خاصة لما لذلك من أثر على تحديد حقل الفكر السياسي افسلامي ضيقاً واتساعاً
    إن الفكر السياسي الإسلامي يصعب فهمه حقلاً معرفياً دون فهمه مصطلحاً معرفياً سياسياً مركباً لابد من فهمه من خلال التوقف عند كل مفردة من مفرادته الثلاث لمعرفة كيف تأتلف وتتكامل لتكون المفهوم فيه (أي الفكر)
    فالفكر كما يقول اللغويون مقلوب عن الفرك لكن الفرك للأمور الحسية والفكر هو للأمور المعنوية لكن لما كانت الألفاظ تنطلق من المحسوس للمجرد فإن يمكن ملاحظة معنى التدقيق في الكلمتين ويقولون فكر يفكر بالتشديد وهو يعني إعمال الخاطر في موضع معين بما يستتبعه من التدبر والنظر والاعتبار وغير ذلك من عمليات ذهنية وعقلية تجريدية ولم ترد مادة فكر بصيغة الاسم في القرآن الكريم ولكنها جاءت بصيغة الفعل والفعل لغة هو مادل على حدث وذات فحينما يقال يفكر فهي كلمة تدل على حدث هو الفكر وتدل على الذات الفاعلة لهذا الحدث التي تسمى بالمفكر كما أنها لابد أن تدل على مفعول هذا الفعل وهو مفعول الفعل ذاته الذي تعلق به هذا الفعل ويستدل من استخدام القرآن الكريم لكلمة فكر بصيغة الفعل أنه يعني في المقام الأول هذا العمل الذهني العقلي الذي يسمى بالفكر إنما هو عمل مرتبط بذات فكلما وجد فكر وجد مفكر والفكر لايكون فيما لا طائل من ورائه وإنما ينبغي أن يكون له موضوع يدور حوله هذا الفكر والفكر بهذا هو خاصية من خواص الإنسان لا يشترك معه فيها مخلوق آخر ولا يطلق الفكر إلا على العمليات الذهنية التي يقوم بها افنسان أما الحيوانات فإن المظاهر الموجودة لديها التي تشبه عملية الفكر عندها فلا تسمى فكراً بل تسمى التوجيه الغريزي لذلك كان المناطقة يعرفون الإنسان بأنه حيوان ناطق أي مفكر وقد تناول العديد من كتب التراث مفهوم الفكر وهي تشير إليه إجمالاً على أنه اسم لعملية تردد القوى العاقلة المفكرة في الإنسان سواء أكان قلباً أو روحاً أو ذهناً بالنظر والتدبر لطلب المعاني المجهولة من الأمور المعلومة أو الوصول إلى الحكام أو النسب بين الأشياء كما قيل أن الفكر هو إحضار معرفتين في القلب ليستخرج منها معرفة ثالثة أي تهيئة مقدمتين للوصول منهما إلى النتيجة أما قاموس وبستر فيعرف الفكر بأنه الأراء والمبادئ والأفكار السائدة لدى مجموعة بشرية معينة خلال فترة زمنية معينة فالمقصود هنا الأمم والشعوب التي يتكون لديها عبر سنين حياتها الطويلة أراء وأفكار ومبادئ إزاء الكون والإنسان والحياة ما الفكر السياسي إلا تلك الفكار والمبادئ التي تخص حياتها السياسية ويميز البعض بين الفكر والتفكر باعتبار أن الفكر عملية عقلية فطرية في الإنسان في حين أن التفكير عملية تنطوي على بعد إرادي يمكن للإنسان استدعاؤها والتحكم فيها وبهذا المعنى يكون أصدق في التعبير عما أنتجه العقل السياسي المسلم فهو كان تفكراً كما يتضح من سياقاته التاريخية وخاصة من قبل العلماء الذين كانت لهم مناهجهم ومعاكهم الفكرية لكن لصعوبة التحقق من هذا الفصل بين التفكر والفكر فليس لنا إلا المحصلة النهائية من الفكر المودع في كتاباتهم
    كما يثير آخرون العلاقة بين الفكر السياسي الإسلامي والأفكار السياسية الإسلامية وهي علاقة الأبوة بالبنوة فكما يقول ابن منظور بنات الفكر أي النتاج العام له وخلفه وربما تظهر أهمية هذه التفرقة عند الحديث عن مرجعية الفكر والجانب الذاتي والموضوعي فيه .
    أما وصف السياسي فهي صفة مانعة لكل فكر غير سياسي تحدد الفكر بما كان له صلة بالظاهرة السياسيةأخذاً في الاعتبار تميز فهم السيا سي في الأصول والخبرة الإسلامية والراجح أن كلمة السياسة عربية الأصل فالسياسة هي فعل السائس ويقال هو يسوس الدواب إذا قام عليها وعلى راحتها والوالي يسوس رعيته والسياسة أيضاً هي الرياسة وهي ترويض الأمر وتذليله ومن ثم فإن معناها في اللغة يتطابق مع معناها الاصطلاحي بأنها القيام على الأمر بما يصلحه القيام بما يشمله من معاني الحفظ والرعاية والصيانة والأمر بمعنى مطلق الأمر سواء في الفرد والجماعة والصلاح الذي يشير للغاية التي تبرر الوجود الجماعي في هيئة اجتماعية فالسياسة كما قال التهنوي في كشاف اصطلاحات الفنون مصدر ساس واساس الوالي الرعية أي أمرهم ونهاهم فالسياسة إصلاح الخلق بإرشادهم إلى الطريق المنجي في الدنيا والآخرة والسياسة المدنية من أقسام الحكمة العملية وتسمى الحكمة السياسية وعلم السياسة وسياسة الملك والحكمة المدنية وهي علم تعلم منه أنواع الرياسة والسياسات الاجتماعية المدنية وأحوالها وموضوعه المراتب المدنية ويذكر المقريزي في خططه أن السياسة من ساس الأمر سياسة بمعنى قام به ... ثم رسمت بأنها القانون الموضع لرعاية الآداب والمصالح وانتظام الأحوال والسياسة نوعان سياسة عادلة تخرج الحق من الظالم الفاجر فهي من الأحكام الشرعية والنوع الآخر سياسة ظالمة فالشريعة تحرمها وهنا إشارة مهمة إلى تمييز التراث السياسي بين السياسة الشرعية وغيرها فيقصد بالسياسة الشرعية تدبير مصالح العباد على وفق الشرع كما عبر البعض عن السياسة بالعلم المدني وبوصف السياسة المدنية كما في رسالة الفارابي حيث يدور معنى السياسة حول تدبير المور والتعامل معها من منطلق الحكمة المصلحة والمصلحة تقضي بإصلاح ما فسد والمحافظة على ما هو سليم فالسياسة هنا هي السياسة الفاضلة التي يحقق السائس عن طريقها نوعاً من الفضيلة لا يتحقق إلا بها فتلك هي الفضيلة العظمى التي تنال عن طريقها السعادة في الدنيا والآخرة وهي الشرعية أو العادلة أما غير هذه من السياسات فلا يطلق عليها لفظ سياسة إلا من باب الاشتراك في اللفظ دون المعنى وبذلك تدور السياسة في فلك واحد مع الدين والأخلاق في شمول لا يعرفه فهوم السياسة الغربي فوصف الفكر بأنه سياسي يجعله متعلقً بالظاهرة السياسة بالوصف السابق لها لذلك إن كا التأليف المستقل في السياسة قد تأخر فإن مبحث الإمامة بما تنطوي عليه من أبعاد ينية ودنيوية كان من المباحث الهامة والأولى في الفكر السياسي الإسلامي
    أما وصف الإسلامي فتأتي أهمية تحديده من أنه برغم تخصيصه لمفهوم الفكر السياسي فإنه مفهوم إشكالي يثير معيار الحكم على فكر ما بأنه إسلامي لأن كلمة إسلامي قد تستخدم لوصف أفكار وممارسات لا ينطبق عليها هذا الوصف .
    ولما كان الإسلامي نسب لإلى أسلم أي انقاد وأخلص الدين لله تعالى وأسلم أمره إلى الله أي فوضه ورضي بحكمه فإن الإسلامي في صورته المثلى ما كان هدفه وغايته وسلوكه منهجه متوافقاً مع الأصول الإسلامية الجمع عليها القرآن والسنة فهناك أحداثفي التاريخ الإسلامي تتناقض مع هذه الأصول ولكنها قد تنسب إلى الإسلام بعتبار أنها وقعت في دولة الإسلام أو في حضارة الإسلام وكذلك الفكار المنسوبة إلى مفكرين مسلمين بعتبار الديانة لكنها تتضمن خروجاً على أصول الإسلام كأفكار بعض الفلاسفة فالفكر السياسي الإسلامي لابد أن تكون مرجعيته افسلام معبراً عنه بالقرآن والسنة
    الخلاصة:
    إن الفكر السياسي الإسلامي هو ذلك النشاط العقلي الذي يضم الآراء والمبادئ والأفكار لمجموعة بشرية معينة هم "المسلمين" منذ أن نشأ لهم مجتمع سياسي وتكونت للإسلام دولة منذ عهد النبي (ص) حتى عصرنا الحالي بما يعني أن هذا الفكر له مراحله وله تاريخ يشمل هذه المراحل ويضم الكتابات حول الأفكار والمبادئ والنظريات التي تخص حياة وأهداف المسلمين السياسية والقواعد التي تحكم وتنظم وما يطلق عليه سياسي ويخص المسلمين كأمة و مجتمع سياسي

قراءة في مفهوم العقل في الفكر الإسلامي

  • Alkasd my other blog
  • "... فإن قلت: فما بال أقوام يذمّون العقل والمعقول؟ فاعلم أن السبب فيه أن الناس نقلوا اسم العقل والمعقول إلى المجادلة والمناظرة بالمناقضات والإلزامات وهو صنعة الكلام، فلم يقدروا على أن يقرروا عندهم أنكم أخطأتم في التسمية إذا كان لا ينمحي عن قلوبهم بعد تداول الألسنة به ورسوخه في القلوب، فذموا العقل والمعقول وهو المسمى به عندهم... فأما نور البصيرة التي بها يعرف الله تعالى ويعرف صدق رسله فكيف يُتصور ذمه وقد أثنى الله تعالى عليه؟ وإن ذُم فما الذي بعده يحمد؟ فإن كان المحمود هو الشرع، فبما علم صحة الشرع؟ فإن علم بالعقل المذموم الذي لا يوثق به فيكون الشرع أيضاً مذموماً ولا يلتفت إلى من يقول: أنه
    يُدرَكُ بعين اليقين ونور الإيمان لا بالعقل. فإنا نريد بالعقل: ما يريده بعين اليقين ونور الإيمان، وهي الصفة الباطنة التي يتميز بها الآدمي عن البهائم حتى أدرك بها حقائق الأمور. وأكثر هذه التخبيطات إنما ثارت من جهل أقوام طلبوا الحقائق من الألفاظ فتخبطوا فيها لتخبط اصطلاحات الناس في الألفاظ."
    حجة الإسلام الغزالي

    الباحث في مفهوم العقل والنزعة العقلية في الفكر الإسلامي يتنازعه اقتناع وهاجس اقتناع بأهمية استعادة العقل لتجاوز أزمة المسلمين الحضارية وهاجس الانزلاق لاجترار الثنائيات المتكررة في الفكر الإسلامي من قبيل العقل والنقل وأهل الرأي وأهل الحديث وعقل أم عقلانية لكن عمق الأزمة التي تكتنف وجود المسلمين في العالم المعاصر يوجب إعادة اكتشاف المفهوم في سياقه الحضاري الإسلامي.
    اللغة وعاء الفكر وأداة التوصل الحضاري، لذلك يصبح التحديد اللغوي للمفهوم أول خطوة في تبين موقعه من منظومة الفكر، ولغويا أصل العقل من "عقل": العين والقاف واللام أصلٌ واحد منقاس مطرد ، يدلُّ عُظْمُهُ على حُبْسة في الشيء أو ما يقارب الحبسة. من ذلك العقل، وهو الحابس عن ذميم القول والفعل. والعقل: الحِجْرُ والنُّهَى، ضدُّ الحُمْقِ. رجلٌ عاقلٌ وهو الجامع لأمره ورأيه، مأخوذ من عَقَلْت البعيرَ إذا جمعت قوائمه. والعقلُ: التثبُّت في الأمور. والعقل: القلبُ، والقلبُ العقلُ، وسُمِّيَ العقلُ عقلاً لأنه يَعقِلُ صاحبَهُ من التورط في المهالك، أيْ يحبسه. وقيل: العقل هو التمييز الذي يميز الإنسان من سائر الحيوان. ويقال: لفلان قلبٌ عقولٌ، ولسان سئول. وقلبٌ عقول: فَهِمٌ؛ وعَقَلَ الشيءَ يَعقِلُهُ عَقلاً: فهِمَهُ. والعقلُ مطلَقٌ لِقوَّةٍ بها يكون التمييز بين القُبح والحُسْن، ولمعانٍ مجتمعة في الذهن.
    ومما سبق يمكن الخلوص إلى أن المعنى اللغوي لكلمة «عقل» يدور المعنى اللغوي لكلمة «عقل» في أغلب المعاجم العربية ـ وأيضاً غير العربية ـ حول معان، هي: الربط، والضبط والإمساك، والحفظ وهذا هو المعنى الحسي المادي للكلمة وكثير من جزئياته تتوفر في العقل البشري، فهو يحفظ صاحبه، ويمنعه مما يضره، وبه يضبط أموره ويفهمها، ويميز بين السقيم والسليم وقد اختلف الناس في تحديد مكان العقل في الجسم، أهو في الرأس ؟ أم في القلب ؟ أم في سائر الجسد ؟. ومن مترادفات العقل: الحِجر، ويسمى العقل حِجْرًا لكونه يمنع صاحبه من ارتكاب ما يقبح وتضر عاقبته. وأيضا من أسماء العقل: النُهية، والجمع نهى.
    وعند ابن منظور: النهى: العقل- يكون واحدا وجمعا، والنُّهية: العقل بالضم، سميت بذلك لأنها تنهى عن القبيح. وفلان ذو نهية أي ذو عقل ينتهي به عن القبائح ويدخل في المحاسن.
    وقال بعض أهل اللغة: ذو النهية الذي ينتهي إلى رأيه وعقله. ومن مترادفات العقل في مختار الصحاح: القلب، وهو كذلك في الاستخدام القرآني. ومن أسماء العقل الفؤاد. وقد يعبر عن القلب بالفؤاد. ويسمى العقل لبا؛ لأنه الذي يعلم الحق فيتبعه، فلا يكون للرجل لب حتى يستجيب للحق ويتبعه.
    أما كتاب الله العزيز فقد اهتمّ اهتماماً بالغاً بالعقل، فالكثير من الآيات الكريمة تحضُّ المسلم على اكتشاف حقائق الوجود، والتفاعل معه، والإفادة منه بإعمال العقل: (أفَلا يَنْظرونَ إلى الإبلِ كَيفَ خُلِقَتْ وإلى السَّماءِ كَيفَ رُفِعَتْ وإلى الجِبالُ كَيْفَ نُصِبَتْ وإلى الأرضِ كَيفَ سُطِحَتْ ). (أفَلَم يَسِيرُوا فِي الأرضِ فَتَكُونَ لَهُم قُلوبٌ يَعقِلُونَ بِها ). (أَلمْ يَنْظُروا في مَلَكُوتِ السَّمواتِ والأَرضِ وَما خَلَقَ اللهُ من شَيء ) .(أَوَلَمْ يَنْظُروا إلى الأَرض كَم أنبَتنا فيها من كلِّ زَوج كَريم ). كما وجه القرآن النظر إلى استخدام العقل في الوصول إلى " الحقيقة " فقد دعا بطريق مباشر وغير مباشر إلى تعظيم العقل والرجوع إليه. ويحرص القرآن على تأكيد هذا المعنى حتى إنه ليكرر هذه الدعوة بشكل يلفت النظر ويثير الاهتمام، ويشير القرآن إلى العقل ومعانيه المختلفة ومشتقاته ومرادفاته في نحو ثلاثمائة وخمسين آية مستخدماً لذلك كل الألفاظ التي تدل عليه أو تشير إليه من قريب أو بعيد من " التفكير" و " القلب" و "الفؤاد" و " اللب" و"النظر" و "العلم " و " التذكر" و "الرشد " و " الحكمة " و " الرأي " و "الفقه" إلى غير ذلك من الألفاظ التي تدور حول الوظائف العقلية على اختلاف معانيها وخصائصها وظلالها مما يعتبر إيحاءات قوية بدور العقل وأهميته بالنسبة للإنسان. ولا يأتي تكرار الإشارة إلى العقل في القرآن الكريم بمعنى واحد من معانيه بل بكل المعاني التي تشمل وظائف الإنسان العقلية على اختلاف أعمالها وخصائصها وتتعمد التفرقة في الآيات الكريمة بين هذه الوظائف والخصائص مواطن الخطاب ومناسباته، فلا ينحصر خطاب العقل في العقل الوازع ولا في العقل المدرك ولا في العقل الذي يناط به التأمل الصادق والحكم الصحيح، بل يعم الخطاب في الآيات القرآنية كل ما يتسع له الذهن الإنساني من خاصة أو وظيفة، على كثرتها إذ هي جميعاً مما يمكن أن يحيط به العقل الوازع والعقل المدرك والعقل المفكر الذي يتولى الموازنة والحكم على المعاني والأشياء.
    ويلاحظ أن كلمة العقل ترد دائما في القرآن الكريم بصيغة الفعل( أفلا يعقلون ) بما تنطوي عليه من معاني النشاط أو العملية. فالعقل في القرآن الكريم لم يذكر كاسم ، أو كشئ مجرد أو معرف بالألف واللام ،) وكأن الخالق ينبه إلى أن هذا الأمر تقوم عليه أمور ثلاثة : عقل مجرد ولكنه قوة يعقل بها فلا بد لها من شخص يحملها ، فكأنها عرض باصطلاح الفلاسفة والمناطقة يحتاج إلى جوهر وهو الذات وتحتاج إلى وعاء زمني فيعبر عنها بعقل ويعقل إلى غير ذلك . وهذا الأمر لا ينظر إليه على أنه غاية في ذاته بقدر ما ينظر إليه على أنه حركي وربما كان في ذلك إشارة لعدم إثبات ذاتية ثابتة ومطلقة للعقل أو اعتباره مرجعية مكتفية بذاتها.
    كما ربط القرآن الكريم قضية الانفتاح على الرسالة وأهدافها بالقوى العقلية التي حباها الله تعالى للإنسان فجعل العقل مناط التكليف: قال الآمدي: "اتفق العقلاء على أن شرط المكلف أن يكون عاقلاً فاهماً للتكليف، لأن التكليف خطاب، وخطاب من لا عقل له ولا فهم محال كالجماد والبهيمة، ومن وجد له أصل الفهم لأصل الخطاب دون تفاصيله من كونه أمراً ونهياً ومقتضياً للثواب والعقاب، ومن كون الآمر به هو الله تعالى وأنه واجب الطاعة، وكون المأمور به على صفة كذا وكذا كالمجنون والصبي الذي لا يميز، فهو بالنظر إلى فهم التفاصيل كالجماد والبهيمة بالنظر إلى فهم أصل الخطاب، ويتعذر تكليفه أيضاً".
    لقد صادق القرآن من جهات مختلفة على حجية العقل. و أشير إلى مورد واحد فقط من ستين إلى سبعين آية من القرآن إلى هذه المسألة وهي: إننا عرضنا هذا الموضوع لتعقلوا (ويتدبروا) فيه.وعلى سبيل المثال من إحدى التعابير العجيبة للقرآن،قوله تعالى (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ)) (الأنفال/22)، فغرض القرآن من الصم والبكم بطبيعة الحال ليس الصمم والبكم العضوي، بل، يقصد الأشخاص الذين لا يريدون أن يستمعوا الحقيقة، أو أنهم يسمعونها ولا يعترفون بألسنتهم. فالأذن التي تعجز عن سماع الحقائق وتستعد فقط لسماع والأراجيف أن هذه الأذن صماء من وجهة نظر القرآن. واللسان الذي يستخدم فقط في بث الأراجيف، يعتبر لسانا أبكما القرآن وهم "لا يعقلون" هم الذين لا ينتفعون من أفكارهم، يعتبر القرآن مثل هؤلاء الأشخاص - الذين لا يحق أن يطلق عليهم اسم "الإنسان" بالحيوانات ويخاطبهم بالبهائم. وفي آية أخرى ‎،وفي سياق عرض مسألة توحيدية،يقول الله تعالى: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ) (يونس/100)، ويعقب القرآن على هذه المسألة التي تهز الإنسان حقيقة، بقوله: وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ) ففي هاتين الآيتين يدعو القرآن إلى التعقل بالدلالة المطابقية كما في اصطلاح المنطقيين أي أن يدل اللفظ على تماما معناه كما يدعو القرآن إلى التعقل بالدلالة الإلتزامية: حيث يدل اللفظ فيها على موضوع غير معناه (الظاهري)مثلا يطلب من الخصم إستدلالا عقليا: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ... ) (البقرة/111) يريد أن يوضح بالدلالة الالتزامية هذه الحقيقة، وهي أن العقل حجة وسند، أو أنه يرتب قياسا منطقيا لإثبات وحدة واجب الوجود، بقوله: ((لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا)) (الأنبياء/22) هنا يرتب القرآن قضية شرطية، يستثني فيها المقدم ولا يذكر التالي.
    وقد أقر القرآن الكريم نظام العلة والمعلول فذكر المسائل في علاقاتها العلية. يعتقد بأصالة العقل أنه إن علاقة العلة والمعلول وأصل العلية أساس للتفكرات العقلية برغم من أن القرآن هو من عند الله تعالى خالق نظام العلة
    فعلى سبيل المثال يقرر القرآن الكريم: ((...إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)) (الرعد/11). فلا شك أن كل المصائر بإرادة الله، ولكن الله لم يفرض المصير على البشر بل إن للمصائر نظاما أيضا، وأن الله لا يغير مصير أي مجتمع عبثا، ، إلا أن يغيروا بأنفسهم ما يرتبط بهم من أنظمة أخلاقية واجتماعية وكل ما يتعلق بواجباتهم الفردية. ومن طرف آخر يرغب القرآن المسلمين بمطالعة أحوال وأخبار الأمم السالفة، لكي يعتبروا منها تذكيراً، بأن هناك أنظمة موحدة، تحكم مصائر الأمم، وبهذا الترتيب لو تشابهت ظروف مجتمع ما مع ظروف مجتمع آخر، فإن مصير ذلك المجتمع ينتظر المجتمع الآخر.
    ويذكر القرآن فلسفة للأحكام والقوانين، بمعنى أن الحكم الصادر معلول لهذه المصلحة. يقول علماء الأصول: بأن المصالح والمفاسد، تقع في مجموعة علل الأحكام، مثلا يقول القرآن في آية: (أَقِيمُوا الصَّلاَةَ...)، وفي آية أخرى يذكر فلسفتها: (الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ...) (العنكبوت/45). يذكر الأثر الروحي للصلاة، وأنها كيف ترفع الإنسان ويسبب هذا الاعتلاء ينزجر الإنسان وينصرف عن الفواحش والآثام. وعندما يذكر القرآن الصوم ويأمر به، يتبع ذلك بقوله: ((كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ ... لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) (البقرة/183) وهكذا في سائر الأحكام، مثل الزكاة والجهاد و...، حيث يوضح في كل منها من الناحيتين الفردية والاجتماعية. ويطلب من الإنسان أن يتدبر فيها ليتضح له واقع الأمر، ولا يتصور أن هذه الأحكام مجرد مجموعة من رموز تفوق فكر الإنسان.
    وعلى جانب آخر ًناضل القرآن أعداء العقل فهاجم أسرى التقاليد المنحرفة، وعاب على المتحجّرين جمودهم قال تعالى في كتابه العزيز: (قالوا: بَل نتَّبعُ ما ألفَيْنا آباءَنا أوَ لو كانَ آباؤهُم لا يعقِلونَ شيئاً ولا يَهتَدون ) . إنْ يَتَّبِعونَ إلاّ الظَّنَّ، وإنَّ الظَّنَّ لا يُغني من الحقِّ شيئاً ). (وَلَقَد أضَلَّ مِنكُم جبِلاًّ كثيراً أفَلَمْ تَكونوا تَعقِلون) وحفظ القرآن الكريم العقل فحرم كل ما من شأنه إفساد العقل وإدخال الخلل عليه، سواء كان مفسدات حسية كالخمور والمخدرات وما شابهها والتي تؤدي إلى الإخلال بالعقل بحيث يصبح الإنسان كالمجنون الذي لا يعرف صديقاً من عدو ولا خيراً من شر، أو مفسدات معنوية: تعطل العقل عن لتفكير السليم سواء كانت تسلط سلطة التقليد أو سلطة الحكم أو سلطة الميول والأهواء أو الانسياق وراء المجموع وتسطيح الإنسان بالاستهلاك والإعلام ليصبح ذي بعد واحد فيصبح عقله كأنه معدوم بالمرة.
    أما السنة النبوية الشريفة وهي المصدر المرجعي الثاني للفكر الإسلامي فلم يرد فيها لفظ العقل إلا في حديث النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ إلى النساء عندما قال: «... ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن؟ قلن وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله ؟ قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل ؟ قلن: بلى، قال: فذلك من نقصان عقلها أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم ؟ قلن: بلى، قال: فذلك من نقصان دينها » رواه الشيخان، واللفظ للبخاري
    ويتداول الناس أحاديث كثيرة مفادها أن العقل أول المخلوقات و«لا أصل لشيء منها، وليس في رواتها ثقة يعتمد» . وقد نص ابن تيمية على أن حديث «أول ما خلق الله العقل» كذب موضوع ، وعلى الرغم من ذلك يصرّ البعض على أن أحاديث العقل كلها صحيحة، لأن علماء الفقه من السنة قد بالغوا في حملتهم على أحاديث العقل، خوفاً من أن ينساق الناس خلف العقل وحده ويرون أن تلك الأحاديث تتفق مع روح الآيات القرآنية، وتشرحها بطريق غير مباشر ويسوقون عدداً من الملاحظات يؤيد ون بها رأيه، ولكنها لا تستقيم في دفع الوضع، أو الضعف على الأقل عن تلك الأحاديث. لكن الراجح أن السنة الشريفة وإن لم يصح فيها أحاديث كثيرة جاءت بلفظ العقل، إلا أنها لا تتجاوز المفهوم القرآني، فهي تجعل العقل الذي هو مناط التكليف أساساً في القيام بالواجبات والانتهاء عن المحرمات، وهذا مستفاد من حديث «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتّى يستيقظ، والمجنون حتّى يفيق، والصغير حتّى يبلغ» فالمجنون الذي فقد عقله، ولم يعد يفرق بين الصواب والخطأ، سقط عنه التكليف، وأقواله وأفعاله لا يتعلق بها حكم شرعي، ولا ثواب ولا عقاب. وهنا تأكيد على العقل النظري، أو المطبوع الذي يتميز الإنسان بوجوده عن سائر المخلوقات أما حديث «ما رأيت من ناقصات عقل ودين.. » فيدل على أن عقل المرأة فيه نقص عن عقل الرجل في بعض الوظائف كالتذكر ـ مثلاً ـ فالحديث يشير إلى أن شهادة المرأتين تعادل شهادة رجل واحد وقد علل ذلك بأن المرأة سريعة النسيان، فتذكرها الأخرى كما في آية الدين (أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى أما العقل من حيث هو مناط التكليف فلا خلاف في أنّه غير مراد في هذا الحديث، وإلا لما خوطبت المرأة بالشرع كما في حديث رفع القلم.
    لكن هذا لا يمنع من إيراد طرف من هذه الأحاديث الضعيفة والموضوعة لدلالاتها على مكانة العقل في الثقافة الإسلامية ومن هذه الأحاديث ما ورد عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (ع) قال: لمّا خلق الله العقل استنطقه ثمّ قال له: أقبل فأقبل، ثمّ قال له: أدبِر فأدبَر، ثمّ قال: وعزَّتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحبُّ إليَّ منك ولا أكملتك إلاّ فيمن أحبُّ أما إنّي إيّاك آمر وإيّاك أنهى وإيّاك أُعاقب وإيّاك أُثيب». عن أحمد بن إدريس عن محمد بن حسان عن أبي محمد الرازي، عن سيف بن عميرة، عن إسحاق بن عمار قال: قال أبو عبدالله (ع): من كان عاقلاً كان له دين، ومن كان له دين دخل الجنّة». وعن أبي جعفر (ع) قال:«إنّما يداقُّ الله العباد في الحساب يوم القيامة على قدرما آتاهم من العقول في الدُّنيا».
    وبناء على هذا اهتمام الوحي قرآناً وسنة بالعقل كان العقل طريقاً للإيمان فلا يقبل إيمان عن عدم اقتناع أو تقليد وارتفع التفكير ليصبح فريضة إسلامية في أمور الدين وغيرها وهو ما يشار إليه بالاجتهاد أو الاستدلال الفقهي العقل بما يملك من طاقات إدراكية أودعها الله فيه ذات دور مهم في الاجتهاد والتجديد إلى يوم القيامة؛ وذلك بالنظر إلى انقطاع الوحي فالعقل له دور في استـقراء الجزئيات والأدلة التفصيلية التي يجمعها مفهوم معنوي عام باعتباره مبنى من مباني العدل، وهى الأصول الكلية، والقواعد العامة التي تستـشرف مقاصد ومصالح إنسانية مادية ومعنوية يعبر عنها بالحاجات والمطالب، والعقل يرد الفروع والجزئيات التي تنزل في الواقع، وليس لها نص إلى الأصول والكليات المنصوصة من خلال ما عُرف بالقياس وغيره. والعقل يقيم النظم والمؤسسات التي يتذرع بها لتحقيق هذه الكليات والأصول والقواعد العامة في الواقع المتغير، وإلا فإن هذه الكليات والأصول من حيث ذاتها لا تحقق لها في الخارج إلا عن طريق تلك النظم التي يؤسسها النظر العقلي. ومن ثم كان العقل أداة وصل الدين بقضايا الواقع.
    إنّ العقل الإسلامي حين يطرح العديد من الصور التطبيقية للشريعة الإسلامية عبر الزمن، أو حين يستنبط الحـلول لمشاكل الإنسان المستجدّة فإنّما يمارس دور المكتشف للأحكام والمفاهيم فحسب، لأ نّه يتعامل مع نصوص شاملة لجميع جوانب الحياة الإنسانية، الأمر الذي يمارسه الفقهاء المجتهدون دون سواهم، حيث أنّ المجتهد في الوعي الإسلامي إنّما يمارس دور المكتشف للحكم الشرعي الموجود بين ثنايا الكتاب العزيز وسنّة المعصوم (ع) وعليه فحسب أن يبذل وسعه ـ وفقاً لأسس وشروط معيّنة ـ لاستحصال الحكم أو المفهوم ذي الطبيعة الشرعية. ومهمة المجتهد حين تأخذ هذه الأبعاد، فإنّ ذلك ناجم عن روح الشمول التي تمتاز بها شريعة الله الخاتمة لكلّ مشاكل الإنسان الحياتية، وإن دور الاجتهاد في الشريعة الإسلامية بما تشمله من أحكام شرعية ومفاهيم ومبادئ العامة والصور التطبيقية للشريعة عبر العصور يشير للأهمية البالغة التي يوليها الإسلام للعقل المسلم ومدى الثقة التي يمنحها إياه بناءً على التزامه بمنهج قويم في وسائله ومتبنّياته ومنطلقاته.
    وقد تعددت التعريفات الاصطلاحية للعقل تعدداً كبيراً تبعاً لكثرة المتحدثين في ذلك من الفلاسفة وأهل الفرق المختلفة فجاء كل تعريف حاملاً معتقد قائله، ومن أشهر تعريفات العقل قول البغدادي:
    "إن الذي أُشيرَ إليه باسم العقل في اللغة العربية إنما هو العقل العملي من جملة ما قيل. وجاء في لغتهم من المنع والعقال فيقال: عقلت الناقةَ. أي منعتها بما شددتها به عن تصرفها في سعيها. فكذلك العقل العملي يعقل النفس ويمنعها عن التصرف على مقتضى الطباع".
    ويقول يعقوب بن إسحاق الكندي (7): "العقل: جوهر بسيط مُدرِكٌ للأشياء بحقائقها".
    ويقول أبو النصر الفارابي: "العقل: ليس هو شيئاً غير التجارب. ومهما كانت هذه التجارب أكثر، كانت النفس أتم عقلاً" .
    ويقول سيف الدين الآمدي: "قد يُطلق العقل على ما حصَّله الإنسان بالتجارب ــ ويسمى العقل التجريبي ، وعلى صَحَّة الفطرة الأولى، وعلى الهيئة المستحسنة للإنسان في أفعاله وأحواله". ويقول بعض الفلاسفة:
    "إن العقل اسم مشترك يقال على معنيين: أحدهما ما تشير به الفلاسفة إلى أنه أول موجود اخترعه الباري عزَّ وجل ، وهو جوهر بسيط روحاني محيط بالأشياء كلها إحاطة روحانية. والمعنى الآخر ما يشير به جمهور الناس إلى أن قوة من قوى النفس الإنسانية التي فِعْلها التفكر والروية والنطق والتمييز والصنائع وما شاكلها".
    ويقول الأشعري: "البلوغ هو تكامل العقل، والعقل عندهم هو العلم، وإنما سمي عقلاً لأن الإنسان يمنع به عما لا يمنع المجنون نفسه عنه، وأن ذلك مأخوذ من عقال البعير، وإنما سمي عقاله عقالاً لأنه يُمنَع به".
    يقول د. عبد الرحمن بدوي: {العقل: مَلكةُ إدراكِ ما هو كلِّي وضروري سواء أكان ماهية أو قيمة. ويعبَّر عن نفس المعنى تقريباً بطريقة أخرى، فيقال: إن العقل هو ملكةُ الربطِ بين الأفكار وفقاً لمبادئ كلية. لكن، مجرد الربط بين الأفكار لا يكفي لتحديد العقل، إذ الحيوان يربط بين الصور الحسية فيتوقع تعاقب صورة بعد صورة، بحسب ما اعتاد عليه من رؤيتها متعاقبة. أما الإنسان العاقل فيدرك أن هذا التعاقب يتم وفقاً لمبدأ ضروري كلي.
    وقالوا أيضاً أن العقل:
    «قوة غريزية للنفس تتمكن به من إدراك الحقائق، والتمييز بين الأمور» .
    «جوهر مجرد عن المادة في ذاته مقارن لها في فعله، وهي النفس الناطقة، أو هو جوهر روحاني خلقه الله متعلقاً بالبدن».
    «القوة المدركة في الإنسان، وهو مظهر من مظاهر الروح محله المخ، كما أن الإبصار من خصائص الروح آلته البصر»
    و قسم فلاسفة العرب العقل إلى نوعين: غريزي، ومكتسب فأما الغريزي فهو العلم بالمدركات الضرورية، واستعداد النفس لتقبل النظريات واكتسابها، وهذا ما يسميه بعضهم «العقل بالملكة» وأما المكتسب أو المسموع، فهو نتيجة اكتساب النظريات واختزانها في العقل الغريزي فالعقل الغريزي، هو الأصل الذي خلقه الله، والمكتسب هو الفرع الذي تم ونما بوجود الأصل، فإذا اجتمعا قوى كل منهما صاحبه والغريزي هو مناط التكليف وسببه، فإن فقد فلا تكليف، وبه سمي الإنسان عاقلاً، وتميز عن سائر المخلوقات، والمكتسب هو مكان المدح والذم، أو إن المدح والذم يقعان على أثره، «فكل موضع ذمّ الله فيه الكفار بعدم العقل فإنه يشير إلى المكتسب دون الغريزي». وهناك تقسيم آخر للعقل وهو: عقل نظري وعقل عملي وهذا اختلاف في التسمية فقط، أم المعنى فيتفق مع التقسيم السابق، فالنظري يساوي الغريزي، والعملي يساوي المكتسب.
    وقد وردت تفسيرات وتقسيمات وتعريفات كثيرة عند الفلاسفة امتزجت بالمفهوم اليوناني الوثني، وانحرفت عن المفهوم الإسلامي للعقل، وهو المفهوم النابع من نظرية المعرفة الإسلامية التي تحددت مصادر المعرفة فيها في مصدرين جامعين : أولهما الوجود وهو كتاب الكون المفتوح بكل ما فيه من حياة . والمصدر الثاني هو الوحي كتابًا وسنة ، يندرج أولهما تحت مفهوم عالم الشهادة والآخر تحت مفهوم عالم الغيب. وبهذا الفهم يكون العقل إلى جانب الحس هما وسيلة الوصول إلى معرفة عالم الغيب و الشهادة ، أما عالم الغيب فهو بالتعريف لا يمكن إدراكه بالحواس ، وكل شئ عن أخبار الماضي الذي لم نشهده ويستحيل أن نشهده غيب ، وكذلك عالم الآخرة وبعد الموت والقبر والحشر والجنة والنار كلها من أمور الغيب الذي لا يمكن معرفته بالحواس ولذا يعد الوحي المصدر الوحيد لمعرفته ، لكن تبقى وسيلة الإدراك هي العقل يوصل إليه السمع فيدرك الأمر ويقتنع به بما زوده الله سبحانه وتعالى . وأحياناً يجبر على القناعة من خلال البداهة أو الضرورة ، وأحيانًا يصل إلى القناعة من خلال التأمل والتدبر ،
    إن العلاقة بين الوحي والعقل كمصدرين للمعرفة شديدة التداخل، وعلى قدر كبير من التعقيد والتشابك بحيث لا يمكن بحال وضع حدود فاصلة لعمل العقل يتوقف عندها ليبدأ عمل الوحي يقول الله تعالى ( ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء أفلم يكونوا يرونها بل كانوا لا يرجون نشورًا ) [ الفرقان : 40 ] فالله تعالى يشير باستغراب شديد إلى أولئك الذين أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء ورأوها بأعينهم فهي أمر محسوس لديهم ، وبرغم الرؤية لم يحصل لديهم العلم ( أفلم يكونوا يرونها) نعم كأنوا يرونها لم تحصل المعرفة ولم يحصل العلم لماذا ؟ الجواب ( كانوا لا يرجون نشوراً ) إذن الحس يحول المعرفة إلى العقل ولكن العقل لسبب ما قد لا يكون مستعداً لقبول هذه المعرفة ، ليس لديه رفض لأنه لم يحاكم أصلاً ولكن الباب مغلق فلم تحصل المعرفة .
    لذلك حدّد الإسلام الحـنيف مهامّ العقل الأساسية، وأوضح مساحة دائرة الصلاحيات الممنوحة له، والحقول التي يجوز له التحرّك خلالها، وبذلك استطاع الإسلام أن يجنِّب عقل المسلم من ارتياد عوالم ومجالات يضلُّ ويزيغ بارتيادها. فدور العقل في مجال عالم الغيب التأكد من صدق المبلغ.
    لقد اتفقت كلمة المؤرخين لعصر لصحابة – سواء منهم من كتب في التاريخ العام، أو في التاريخ السياسي، أو في تاريخ الفكر- على وجود ظاهرة وحدة العقيدة لدى الصدر الأول. كما اتفقوا على تأكيد موقف الصحابة من قضايا الغيب والمتشابه ووحدة ذلك الموقف، وهو تلقي هذه الأمور عن الوحي والإيمان بها على ظواهرها دون تأويل أو تمثيل أو تعطيل، وتفويض حقائق المعاني المرادة منها إلى العليم الخبير، وإطلاق حرية العقل في الواجبات والأعباء الهائلة التي تصلح له، وما أكثرها.
    وقد اختلف أولئك المؤرخون في تعليل هذه الظاهرة، وبيان أسبابها8. ومهما يكن ما قالوه فإن أهم الأسباب هو ذلك الإدراك السليم، والفهم الدقيق لعالم العبودية وعالم الألوهية، والمعرفة التامة بالفوارق بين عالمي الغيب والشهادة، والتمييز بين وسائل المعرفة الخاصة بعالم الغيب ووسائل المعرفة في قضايا عالم الشهادة، ثم استعمال كل وسيلة فيما خلقت له، وجعلت سبيلاً لمعرفته. فلا غرابة بعد ذلك أن ترى البشرية لأول مرة الوحي المعجز بجوار العقل المبدع يعملان سوياً متعاضدين لبناء أعظم حضارة عرفها الوجود البشري، وأوسط أمة أقلتها الأرض وأظلتها السماء.
    ويظهر هذا من موقف عمر بن الخطاب عندما قدم عليه رجل يدعى الأصبغ بن عسل يسأل عن متشابه القرآن، فأرسل إليه عمر وضربه بدرته حتى أدمى رأسه وأسقط عطاءه، ونهى عن مجالسته حتى تاب، وتراجع عن إثارة مثل تلك القضايا فعفى عمر عنه، ولكنه قرر نفيه إلى البصرة رغم ذلك، وكتب إلى عامله عليها أبو موسى الأشعري: "أما بعد فإن الأصبغ تكلف ما كُفى، وضيع ما وُلي، فإذا جاء كتابي فلا تبايعوه، وإن مرض فلا تعودوه، وإن مات فلا تشهدوه". وقول سيدنا عمر: "تكلف ما كُفى وضيع ما وُلي" ظاهر تماماً في إيضاح تصور الصدر الأول لقضايا الغيب والمتشابه، وأنهم قد كفوها من خلال الوحي فلا ينبغي أن يشغلوا عقولهم بها، فالانشغال بها وضع لأهم الطاقات في غير موضعها، واستخدام للعقل في غير مجاله، ولو أن في بيان ذلك وكشف ستره، شيئاً من الفائدة، لكان أولى الناس بهذا البيان رسول الله أما والرسول عليه الصلاة والسلام لم يبين ذلك، ولم يسمح بانشغال أحد به، والكتاب يقول الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا (المائدة: 3)، فإن ذلك دليل قاطع على أن أية فائدة دنيوية أو أخروية لا تتحقق وراء هذا البحث والخلط.إنه لا دين في الوجود إلا وفيه جملة من الحقائق التوقيفية التي لا تؤخذ إلا تلقّيا عن الأنبياء، فحتى الأديان الوضعية المختلفة والمذاهب والفلسفات تضع سياجاً حول جملة من القضايا، لا تسمح لعقول العامة بالخوض فيها، وتلتزم بتلقيها تلقّياً عن المذهب أو النحلة.
    لكن بداية الأزمة كانت في أعقاب الفتنة الكبرى التي اشتعلت إثر استشهاد الخليفة الشهيد عثمان ابن عفان وقد تعاظمت هذه المحنة، وبدأت الآثار المفجعة تترتب عليها بعداستشهاد الخليفة الراشد الرابع الإمام الشهيد علي بن أبي طالب حيث ولدت في تلك الفترة الفرق الثلاث مرة واحدة: الشيعة والخوارج والمرجئة.
    كما ظهرت حركات مثل حركة المعتزلة وهي فرقة إسلامية نشأت في أواخر العصر الأموي وازدهرت في العصر العباسي ، وقد أطلق عليها أسماء مختلفة منها : المعتزلة والقدرية والعدلية وأهل العدل والتوحيد والمقصد والوعيدية . اختلفت رؤية العلماء في ظهور الاعتزال ، واتجهت هذه الرؤية وجهين :
    - الوجهة الأولى : أن الاعتزال حصل نتيجة النقاش في مسائل عقدية دينية كالحكم على
    مرتكب الكبيرة ، والحديث في القدر ، بمعنى هل يقدر العبد على فعله أو لا يقدر ، ومن
    رأي أصحاب هذا الاتجاه أن اسم المعتزلة أطلق عليهم لعدة أسباب :
    1- أنهم اعتزلوا المسلمين بقولهم بالمنزلة بين المنزلتين .
    2- أنهم عرفوا بالمعتزلة بعد أن اعتزل واصل بن عطاء حلقة الحسن البصري وشكل حقله
    خاصة به لقوله بالمنزلة بين المنزلتين فقال الحسن : " اعتزلنا واصل " .
    3- أو أنهم قالوا بوجوب اعتزال مرتكب الكبيرة ومقاطعته .
    - والوجهة الثانية : أن الاعتزال نشأ بسبب سياسي حيث أن المعتزلة من شيعة علي رضي
    الله عنه اعتزلوا الحسن عندما تنازل لمعاوية ، أو أنهم وقفوا موقف الحياد بين شيعة علي ومعاوية فاعتزلوا الفريقين .
    أما القاضي عبد الجبار الهمذاني - مؤرخ المعتزلة - فيزعم أن الاعتزال ليس مذهباً جديداً أو فرقة طارئة أو طائفة أو أمراً مستحدثاً ، وإنما هو استمرار لما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته ، وقد لحقهم هذا الاسم بسبب اعتزالهم الشر لقوله تعالى : (( وأعتزلكم وما تدعون )) ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( من اعتزل الشر سقط في الخير ) . كفرقة فكرية على يد واصل بن عطاء الغزال ( 80هـ - 131هـ ) الذي كان تلميذاً للحسن البصري ، ثم اعتزل حلقة الحسن بعد قوله بأن مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين ( أي ليس مؤمنا ولا كافراً ) وأنه مخلد في النار إذا لم يتب قبل الموت ، وقد عاش في أيام عبد الملك بن مروان وهشام بن عبد الملك ، والفرقة المعتزلية التي تنسب إليه تسمى : الواصيلة• ومن أبرز مفكري المعتزلة منذ تأسيسها على يد واصل بن عطاء وحتى اندثارها وتحللها في المذاهب الأخرى كالشيعة والأشعرية والماتريدية ما يلي :
    - أبو الهذيل حمدان بن الهذيل العلاف ( 135 -226 هـ ) مولى عبد القيس وشيخ المعتزلة والمناظر عنها. أخذ الاعتزال عن عثمان بن خالد الطويل عن واصل بن عطاء طالع كثيراً من كتب الفلاسفة وخلطه بكلام المعتزلة ، فقد تأثر بأرسطو وأنبادقليس من فلاسفة اليونان ، وقال بأن " الله عالم بعلم وعلمه ذاته ، وقادر بقدرة وقدرته ذاته … " انظر الفرق بين الفرق للبغدادي ص 76 . وتسمى طائفة الهذيلية.
    - عمرو بن بحر : أبو عثمان الجاحظ ( توفي سنة 256هـ ) وهو من كبار كتاب المعتزلة ، ومن المطلعين على كتب الفلاسفة ، ونظراً لبلاغته في الكتابة الأدبية استطاع أن يدس أفكاره المعتزلية في كتاباته كما يدس السم في الدسم مثل ، البيان والتبيين ، وتسمى فرقته الجاحظية
    كان الاعتزال ثمرة تطور تاريخي لمبادئ فكرية وعقدية وليدة النظر العقلي المجرد في النصوص الدينية وقد نتج ذلك عن التأثر بالفلسفة اليونانية والهندية فكانت حركة الاعتزال نتيجة لتفاعل بعض المفكرين المسلمين في العصور الإسلامية مع الفلسفات السائدة في المجتمعات التي اتصل بها المسلمون . وكانت هذه الحركة نوع من ردة الفعل التي حاولت أن تعرض الإسلام وتصوغ مقولاته العقائدية والفكرية بنفس الأفكار والمناهج الوافدة وذلك دفاعاً ع الإسلام ضد ملاحدة تلك الحضارات بالأسلوب الذي يفهمونه من خلال الفلسفة ولكن هذا التوجه قاد إلى مخالفات كثيرة وتجاوزات مرفوضة أثراُ لتغير وظيفة العقل وبحثه في الغيبيات فقد كان من مبادئ المعتزلة الاعتماد على العقل كلياً في الاستدلال لعقائدهم فجعل المعتزلة العقل معيار كل أحكامهم فقالوا كما جاء في الملل والنحل للشهرستاني : " المعارف كلها معقولة بالفعل ، واجبة بنظر العقل ، وشكر المنعم واجب قبل ورود السمع أي قبل إرسال الرسل ، والحسن والقبيح صفتان ذاتيتان للحسن والقبيح " أي أن المعتزلة رأوا أن العقل قادر على التمييز بين الحسن والقبيح، وجعلوه مصدراً (أو دليلاً) معرفياً مكافئاً للكتاب والسنة ومقدماً عليهما. لذلك أكد القاضي عبد الجبار في فصل عقده لبيان الأدلة الواجب اتباعها أن العقل أول هذه الأدلة، "لأن به يميّز بين الحسن والقبيح، ولأن به يعرف أن الكتاب حجة، وكذلك السنة والإجماع. وربما تعجب من هذا الترتيب بعضهم، فيظن أن الأدلة هي الكتاب والسنة والإجماع فقط، أو يظن أن العقل إذا كان يدل على أمور فهو مؤخر، وليس الأمر كذلك، لأن الله تعالى لم يخاطب إلا أهل العقل، ولأن به يعرف أن الكتاب حجة، وكذلك السنة والإجماع، فهو الأصل في هذا الباب. وإن كنا نقول إن الكتاب هو الأصل من حيث أن فيه التنبيه على ما في العقول، كما أن فيه الأدلة على الأحكام."
    - ولاعتمادهم على العقل في مجال الغيبيات أنكروا الصفات الإلهية تنزيها لله سبحانه عن مشابهة المخلوقين أو أولوها بما يلائم عقولهم الكلية، كصفات الاستواء واليد والعين وكذلك صفات المحبة والرضى والغضب والسخط ومن المعلوم أن المعتزلة تنفي كل الصفات لا أكثرها .
    - ولاعتمادهم على العقل أيضاً ، طعن كبراؤهم في أكابر الصحابة وشنعوا عليهم ورموهم بالكذب ، فقد زعم واصل بن عطاء : أن إحدى الطائفتين يوم الجمل فاسقة ، إما طائفة علي بن أبي طالب وعمار بن ياسر والحسن والحسين وأبي أيوب الأنصاري أو طائفة عائشة والزبير ، وردوا شهادة هؤلاء الصحابة فقالوا : لا تقبل شهادتهم.
    وجعل المعتزلة أيضاً العقل مصدراً (أو دليلاً) معرفياً مكافئاً للكتاب والسنة ومقدماً عليهما. وكان هدفهم من الاعتماد على العقل بيان أن ما جاء به الإسلام من أصول حق يتفق مع العقل الصريح وأدلته البرهانية، وقد اعتمدوا في مذهبهم على الفلسفة اليونانية والمنطق الارسطي على الرغم من محاولتهم اتخاذ منطق جدلي خاص بهم فحكّموا العقل تحكيماً مطلقاً، ورفعوا من شأنه حتّى قالوا: «خلق العقل ليعرف، وهو قادر على أن يعرف كل شيء.. المنظور وغير المنظور» . وعلى هذا الأساس قدموا الأدلة العقلية على الأدلة الشرعية، فكذبوا الحديث الذي لا يتوافق مع العقل، وأولوا الآيات التي لا تتوافق مع مذهبهم وإن وضحت، لذلك أكد القاضي عبد الجبار في فصل عقده لبيان الأدلة الواجب اتباعها أن العقل أول هذه الأدلة، "لأن به يميّز بين الحسن والقبيح، ولأن به يعرف أن الكتاب حجة، وكذلك السنة والإجماع. وربما تعجب من هذا الترتيب بعضهم، فيظن أن الأدلة هي الكتاب والسنة والإجماع فقط، أو يظن أن العقل إذا كان يدل على أمور فهو مؤخر، وليس الأمر كذلك، لأن الله تعالى لم يخاطب إلا أهل العقل، ولأن به يعرف أن الكتاب حجة، وكذلك السنة والإجماع، فهو الأصل في هذا الباب. وإن كنا نقول إن الكتاب هو الأصل من حيث أن فيه التنبيه على ما في العقول، كما أن فيه الأدلة على الأحكام."
    لذلك رفض المتكلمون دعوى كفاية العقل وأكدوا ضرورةَ اعتماد الوحي مصدراً (أو دليلاً) معرفياً إلى جانب العقل. فنجد مثلاً أن الجويـني يقسم الأدلة إلى سمعـي وعقلي: "الأدلة التي يتوصل بصحيح النظر فيها إلى ما لا يعلم في مستقر العادة اضطراراً، وهي تنقسم إلى قسمين: العقلي والسمعي. فأما العقلي من الأدلة، فما دل بصفة لازمة هو في نفسه عليه، والسمعي هو الذي يستند إلى خبر صدق أو أمر يجب اتباعه." وتخلّص المتكلمون من مفهوم العقل الفعّال وما تبعه من عقول لواحق. فالعقل قسمان: غريزي ومكتسب. ويتألف القسم الغريزي -الذي هو العقل الحقيقي المتقدم على النظر- من "جملة العلوم الضرورية."
    وهذه العلوم الضرورية إما أن تكون من مدركات الحواس التي تنطبع في النفوس ابتداءً، أو من الاوليّات التي فطرت عليها النفوس. "فأما ما كان واقعاً عن دَرْك الحواس فمثل المرئيات المدركة بالنظر، والأصوات المدركة بالسمع، والطعوم المدركة بالذوق، والروائح المدركة بالشم، والأجسام المدركة باللمس […] وأما ما كان مبتدئاً في النفوس فكالعلم بأن الشيء لا يخلو من وجود أو عدم، وأن الموجود لا يخلو من حدوث أو قدم، وأن من المحال اجتماع الضدين، وأن الواحد أقل من الاثنين. وهذا النوع من العلم لا يجوز أن ينتفي على العاقل مع سلامة حاله وكمال عقله."24 ومن العقل الفطري الضروري تتولد المعارف والعلوم وتتنامى بازدياد الخبرة ودقة الملاحظة والفطنة: "وأما العقل المكتسب فهو نتيجة العقل الغريزي وهو نهاية المعرفة، وصحة السياسة، وإصابة الفكر. وليس لهذا حدٌّ لأنه ينمو إذا استعمل وينقص إذا أهمل. ونماؤه يكون بأحد وجهين: إما بكثرة الاستعمال إذا لم يعارضه مانع من هوى ولا صَادٌّ من شهوة، كالذي يحصل لذوي الأسنان من آراء الشيوخ […] وإما […] بفرط الذكاء وحسن الفطنة، وذلك جودة الحدس في زمان غير مهمل للحدس. فإذا امتزج بالعقل الغريزي صارت نتيجتهما نمو العقل المكتسب، كالذي يكون في الأحداث من وفور العقل وجودة الرأي."
    وفي مواجهة الموقف المعتزلي الذي يعطي العقل القدرة على التحسين والتقبيح، ويجعل حكمه مكافئاً لحكم الوحي، نفى الأشاعرة أن يكون العقل قادراً على تمييز الحسن من القبيح. فنرى الجويني يصر على أن "العقل لا يدل على حسن شيء ولا قبحه في حكم التكليف، وإنما يتلقى التحسين والتقبيح من موارد الشرع وموجب السمع. وأصل القول في ذلك أن الشيء لا يحسن لنفسه وجنسه وصفة لازمة له. وكذلك القول فيما يقبح، وقد يحسن في الشرع ما يقبح مثله المساوي له في جملة أحكام صفات النفس."
    لكن وظيفة العقل تغيرت عند الفقهاء أيضاً، وأدخلوا في أصول الفقه جملة من المباحث الكلامية حول حكم الأشياء قبل الشرع، وشكر المنعم أيجب بالعقل أم بالشرع؟ وتكليف المعدوم، وخطاب من لم يخلقوا، والتحسين والتقبيح العقليين، وإن كان الدليل العقلي يوصل منفرداً إلى حكم شرعي قطعي أم لا؟ وغيرها من أبحاث لا طائل تحتها، تدل على أن القوم عادوا إلى لعبة التفريط بالمطلوب وتكلف طلب ما لم يطلب.
    وفتح في هذا المجال باب خلط الوظائف، وإضاعة المصالح، واضطراب الرؤية، وانتشار الاختلافات حتى برز علم جديد عرف بعلم الخلافيات. ووظيفة الخلافي هدم ما يبني غيره من مذاهب، والدفاع عن مذهبه وموقفه بكل وسائل الجدل والمنطق. فتشيع الفتن، وتتحول المذاهب الفقهية إلى ما يشبه الأحزاب الكلامية، ويفشو التقليد، وينتشر التعصب للمذاهب وينتشر الضعف الفكري لدى الناس، ويدب الرعب في نفوسهم، ويشتد خوف الناس على دينهم من فقهاء السوء الذين احترفوا إصدار الفتاوى للحكام ومداهنتهم ومجاراتهم بالحق والباطل.
    أما الفلاسفة فقد خاضوا في العقل معتمدين على تأثير الفلسفة اليونانية، وخاصة تأثير أرسطو في حديثه عن العقل، ونقلوا تعريفات وتقسيمات اليونان للعقل إلى الثقافة الإسلاميّة، فاهمين تشجيع القرآن الكريم للعقل فهماً قاصراً، اذ انهم فكروا في قضايا يونانية واسلامية بواسطة الثقافة اليونانية ذاتها، بواسطة «العقل اليوناني»، فاختلفوا في تقسيم العقول، وعددها، ووظيفة كل عقل، وحاولوا تفسير معنى «العقل الفعال» الذي هو عند الفلاسفة اليونان فوق العقل الإنساني، تفيض منه الصور على عالم الكون والفساد، فتكون موجودة فيه من حيث هي فاعلة. أما في عالم الكون فلا توجد إلا من حيث الانفعال. وقد وصفه أرسطو بصفات تسمو به عن عالم الإنسان، وعن العالم الطبيعي، فجعله الخالد وغيره من العقول قابل للفساد .
    ولا يخفى أن هؤلاء الفلاسفة قد ساروا خلف المفهوم اليوناني للعقل، وهو بالطبع مختلف عن المفهوم الإسلامي، ومشوب بعناصر وثنية مختلطة بعبادة للعقل، لذا جاءت نظرية العقل عندهم بعيدة عن التصور الإسلامي، وامتزجت بشيء من التصوف، والتعبير بالمصطلحات الدينية عن معان فلسفية، فأدى ذلك كله إلى اختلال المنهج الذي أفضى إلى اختلال التصور العقيدي، وخاصة شرح عملية الخلق وعملية المعرفة،المفهوم السابق للعقل على أنه قدرة فطر الله الناس عليها تمكنهم من تمييز الصدق من الكذب والحق من الباطل، على بساطتها، لم تلبث أن اضطربت مع انتشار الفلسفات الإغريقية، وما حملته من مفاهيم ما ورائية مرتبطة بالتصور الإغريقي للوجود.
    كما حاول الفلاسفة إيجاد منهج توفيقي بين الإسلام والفلسفة في الاعتراف بالنبوة والوحي وإخضاعها لسلطان العقل، لكنهم ضلوا وانحرفوا، حيث جعلوا العقل المصدر الأول للحكم على كل شيء فهم يرون:
    1 ـ أن الأصل الذي يصدر عنه العقل والوحي واحد هو الله أو العقل الفعال، ومن ثم ما يأتيان به واحد، فلا يمكن حصول تضاد بينهما فيما جاءا به من حقائق.
    2 ـ أن مصدر الحقائق في الفلسفة هو عقل الفيلسوف، وفي الدين هو مخيلة النبي.
    3 ـ أن ما يأتي عن طريق التخيل يكون على شكل رموز تغلف بها الحقيقة، من أجل عامة الناس الّذين لا يدركون الحقائق بشكلها المجرد كما يفهمها الفلاسفة فالاتفاق بين الفلسفة والشريعة إنّما هو اتفاق في الباطن المتخفي وراء الظواهر، ونتيجة لما سبق يتضح في منهجهم أن الفيلسوف لم يعد بحاجة إلى النبي لأنه يعرف حقائق الأمور بعقله في حين أن النبي يتخيلها بل إن النبي في زعمهم محتاج إلى الفيلسوف الباحث بعقله الحرّ ، ليعينه على تفسير بعض الحقائق).
    هذا جانب من التخطيط الفلسفي الذي اعتمد على تقديس العقل، وجعله الأساس في كل شيء، إلى درجة أن هؤلاء قالوا إن الله هو العقل الفعال أو العقل المحض، وهذا اعتداء على مقام الألوهية. وهكذا نرى أن الفلاسفة قد انزلقوا في متاهات العقل وبراهينه القاصرة عندما حاولوا تفسير أمور الغيب وما وراء الطبيعة التي لا مجال للعقل فيها إلا بهدي من الوحي السماوي، وبقيت أدلتهم مجرد تصورات عجزوا عن تطبيقها في عالم الوجود الواقعي.
    وهكذا نجد أن الفلاسفة المسلمين الأوائل تبنوا النظرية الإغريقية للوجود، واعتمدوها في كتاباتهم. فالفارابي (ت 339) يستعير التصور الإغريقي لبنية الوجود، فيقول:
    "المبادئ التي بها قوام الأجسام والأعراض التي له ستة أصناف، لها ست مراتب عظمى، كل مرتبة منها تحوز صنفاً منها؛ السبب الأول في المرتبة الأولى، الأسباب الثواني في المرتبة الثانية، العقل الفعّال في المرتبة الثالثة، النفس في المرتبة الرابعة، الصورة في المرتبة الخامسة، المادة في المرتبة السادسة." تتولد عن نظرية الوجود هذه نظرية معرفة للعقل الفعال فيها أثر رئيسي في توليد معارف جديدة. فالعقل الفعّال هو الذي يمكن الإنسان من تعقل الأجسام التي ليست بذواتها معقولات، لأن "المعقولات بذواتها هي الأشياء المفارقة للأجسام، والتي ليس قوامها في مادة أصلاً." ومن خلال تحويل صور الأجسام إلى معقولات ثم تلقينها للعقل الإنساني، يتحول هذا الأخير من عقل بالقوة إلى عقل بالفعل.
    لذلك يؤكد الفارابي أن "القوة الناطقة التي بها الإنسان إنسان ليست هي في جوهرها عقلاً بالفعل، ولم تعط بالطبع أن تكون عقلا بالفعل، ولكن العقل الفعال يصيرها عقلاً بالفعل، ويجعل سائر الأشياء معقولة بالفعل للقوة الناطقة." وهكذا يقوم الفارابي بإعادة تفسير الحقل المعرفي الإنساني انطلاقاً من فرضية العقل الفعّال والمعقولات المفارقة الناجمة عن فعله وبإعادة تفسير ظواهر الوجود، بما فيها ظاهرة الوحي والألوهية. فالموجودات التي تحتل رتبة أعلى من العقل الفعّال لا تعقل إلا ذواتها. بينما يتفرد العقل البشري من بين الأنفس العاقلة بتعقل المادة، بهدي من العقل الفعّال. والعقل الفعّال الذي يمثل الفيض الإلهي هو الوحي الذي يهدي الإنسان إلى معرفة الحق. "فهذه الإفاضة الكائنة من العقل الفعّال إلى العقل المنفعل بأن يتوسط بينهما العقل المستفاد هو الوحي."
    إن الفارابي الذي كان طبيبا ورياضيا أيضا ويعتبر أذكى من فسر أرسطو وأكثرهم علماً وثقافة، وتمتع بحماية سيف الدولة الحمداني أمير حلب. قد تناول عدداً من المسائل السّياسيّة بروحٍ فلسفيّة تأمليّةٍ تنتهي إلى مطابقة ما بالأعيان للتصوّرات الفلسفيّة للكون والعالم الاجتمـاع المدني الّذي ينبغي أن يخضع للمبادئ والنّواميس الّتي يخضع لها العالم الطّبيعيِّ ذاته ، تلك المبادئ الّتي تنطلق من التّسليم بوجود اللّه بوصفه رأس الموجودات وكمالها المطلق وواجب الوجود الّذي يعقل ذاته بذاته وتصدر عنه سائر الموجودات باعتبار أن وجوده هو المصدر الّذي تصدر عنه الأشياء كلّها ، من هنا جاء ترتيبه للعقول ابتداءً بالعقل الأوّل الّذي تصدر عنه العقول العشرة الباقية ، متأثّراً بنظريّة الفيض الأفلاطونيّة .فرأس مجتمـعالمدينة ينبغـي أن يكون الرّئيس ، الّذي يعتبر السّبب الأوّل في وجودها ، فالرّئيس أوّل العناصر ، وأكثرها أهمّيّة في الاجتمـاع المدني ، وهو بمنزلة الموجود واجب الوجود بالنّسبة للموجودات الصّادرة عنه ، في علاقته بالاجتمـاع المدني ، بمعنى أنّهُ لاوجود للاجتماع المدني المبني على أسسٍ أخلاقيّة فضائليّة من غير الرّئيس الّذي بواسطته يتمّ تنظيم
    المجتمـع تنظيمـاً مثالياً مماثلاً للتّنظيم الكـوني الّذي يربط جميع الموجودات بالله ، وعليه فالرئيس هو علّة وجود المدينة الفاضلة ، و وجوده سابقٌ على وجود المدينة الفاضلة ذاتها ، باعتبارها تأتي في سلسلة المراتب التّالية لوجود الرّئيس ، من هنا تسعى إلى التّشبّه به بوصفـه المثال الأعلى للفضيلة وقيمها الأخلاقيّة والنّظام . المثال الأعلى للفضيلة وقيمها الأخلاقيّة والنّظام .
    وعليهِ فثمّة رابط بين الأخلاق والسّياسة في فلسفـة الفارابي السّياسيّة انطلاقاً من نظرته لأخلاق الإنسان بوصفه كائناً مدنيّاً، آخذين بنظر الاعتبار هيمنة الأفكـار السّياسية على فلسفته ، والدليل على ذلك أننا نقع على مجموعـة من المؤلّفات السّياسيّة لديه أبرزها: "السّياسة المدنيّة " ، " آراء أهل المدينة الفاضلة " و" تحصيل السّعادة " ، والفارابي كما نظر البعض إليه من " أشدّ الفلاسفة المسلمين عنايةً بالسّياسة رغـم أنّه لم يشارك فيها أدنى مشاركة "
    والعقل الفعّال عند الفارابي َيَهِب الإنسان قوّةً ومبدأً به يسعى ، أو به يقدر على أن يسعى من تلقاء نفسه إلى سائر الكمالات .. فيعطيه المعارف والمعقولات بعد أن يتقدّم في الإنسان ويحصل فيه الجـزء الحاس من النّفس ، والجزء النّزوعي الّذي به يكون الشّوق والكراهة التّابعان للحاس.. فبهذين تحصل الإرادة إذ يعزو إليها كلّ أفعال الإنسان من المحمود والمذموم والجميل والقبيح . فالإرادة أوّلاً هي : شوق عن إحساس، والشّوق يكون بالجزء النّزوعي والإحساس بالجزء الحاس . وهي ثانياً : شوقٌ عن تخيّل ، وبعد أن يحصل هذان يمكن أن تحصل المعارف الأُوَّل الّتي تحصل من العقل الفعّال في الجزء النّاطق . وهي ثالثا: شوقٌ عن نطق ، وهذا هو المخصوص باسم الاختيار ، وهو الّذي يفرّق الإنسان عن سائر الحيوان طبقاً للتّعريف الشّائع بأنَّ "الإنسان حيوان ناطق " ولعل هذا النّوع من الإرادة هو الأهمّ بين الإرادات المذكورة " بهذا _[النّوع ] _ يقدر الإنسان أن يفعـل المحمود والمذموم ، والجميل والقبيح ، ولأجل هذا يكون الثّواب والعقاب" أمّا الإرادتان الأوّليان فإنّهما قد يكونان في الحيوان غير النّاطق،وبذلك فهما مشتركتان بين الإنسان والحيوان ، بينما إذا حصلـت الإرادة الثّالثة في الإنسان ،يكون بوسعه أن يسعى نحو السّعادة أو أن لا يسعى ، وأن يفعل الخير أو أن يفعل الشّر ، وأن يفعل الجميل أو القبيح أيضاً.
    إن الاستعداد والموهبة للرّياسة موجودة بشكل فطري في الرّئيس. ومن ناحية أخرى هنالك رئاسات يكون فيها الرّئيس مرؤوساً لرئيس آخر وفـق تسلسل تراتبي ، باستثناء الرّئيس الأوّل الّذي لا يحتاج ولا في شيء أن يرأسه إنسان ، الأمـر الّذي يستدعي أن تكون العلوم والمعارف لديه حاصلةً بالفعل ولا حاجة به أن يرشده غيره في شيء ، وتكـون له قدرة عل جـودة إدراك شيء ممّا ينبغي أن يعمـل من الجزئيّات ، وقوّة على جودة إرشاد لكلّ من سواه إلى كلّ ما يعلّمه ويكون لديه قدرة على تقدير الأعمال وتحديدها وتسديدها نحو السّعادة وهذا لا يكون على حدّ قوله إلاّ : " في أهل الطّبائع العظيمة الفائقة إذا اتّصلت نفسه بالعقل الفعّال "( المصدر نفسه ، ص 9 ).ويتمّ بلوغ ذلك بأن يحصل له أوّلاً العقل المنفعل ثمّ أن يحصل له بعد ذلك العقل المستفاد : " فبحصول المستفاد يكون الاتّصال بالعقل الفعّال " بمعنى أنَّ العقل المستفـاد هو الصلـة الّتي تصل بين العقل المنفعل والعقل الفعّـال، والشّخص الّذي يحصل له ذلك _ كما هو الحال عند القدماء _ هو الملك الّذي يوحى إليه كونه بلغ هذه الرّتبة ، فتفيض من العقل الفعّال إلى العقل المنفعل القوّة الّتي بها يمكن أن يوقف على تحديد الأشياء والأفعال وتسديدها نحو السّعادة:"ويتمّ ذلك على اعتبار أنَّ العقل المنفعل هو شبه المادّة والموضوع للعقل المستفاد، والعقل المستفاد شبه المادّة والموضوع للعقل الفعّال ، وبما أنَّ العقل الفعّال فائضٌ عن وجود السّبب الأوّل ، يمكن القول بأنَّ السّبب الأوّل هو الموحي إلى هذا الإنسان بتوسّط العقل الفعّال.
    "بناءً على ذلك يستنتج الفارابي بأنَّ رئاسة هذا الإنسان الموحى إليه من السّبب الأوّل بتوسّط من العقل الفعّال هي الرّئاسة الأولى في حين أنَّ سائر الرّئاسات متأخّرة عن هذه وكائنة عنها .. وينتج من ذلك أنَّ النّاس الّذين يُدَبَّرون برئاسة هذا الرّئيس هم النّاس الفاضلون والأخيار السّعداء ، فإن كانوا أمّةً فتلك هي "الأمّة الفاضلة"،وإن كانوا أُناساً مجتمعين في مسكنٍ واحـد يجمـع جميع من تحت هذه الرّئاسة فهي "المدينة الفاضلة" أمّا من كانوا في مساكن متفرّقة يُدَيَّر أهلها برئاساتٍ أُخر غير هذه كانوا أناساً أفاضل يعرض تفرّقهم لأسبابٍ متعدّدة، إمّا أنّه لم تتّفق لهم بعد مدينة يجتمعون فيها ، أو أنّهم كانوا في مدينةٍ عرضت لها آفات من عدوٍ أو وباء أو جدبٍ أو غير ذلك فاضطرّوا إلى التّفرّق،بعد ذلك ينتقل الفارابي للحديث عن طبيعة المدينة أو الأمّة الواحدة أو الأمم الكثيرة الّتي يتواجد فيها جماعة من الملوك في وقتٍ واحد، بأنّها تكـون موحّدةً كملك واحد نظراً لاتّفاق هممهم وأغراضهم وسِيَرِهم ، فتصبح القيادة الجماعيّة أمـراً يسيراً فيما بينهـم لعلّة تجانسهم ووحـدة مقاصدهم وأهدافهم ، وعليه يكون بالإمكـان تشكيل مجلس رئاسة منهم، فتكون نفوسهم كنفسٍ واحدة حتّى إذا توالوا في الأزمان واحداً بعد آخر، بحيث يكون الثّاني على سيرة الأوّل والغابر على سيرة الماضي، وهذا التّواصل بين الماضي والحاضر والمستقبل لا يعني الجمود والتّقليد الخصال الواجب توفرها في رئيس المدينة الفاضلة:
    ينبغي لرئيس المدينة الفاضلة حيازة اثنتي عشرة خصلة تكون قد اجتمعت فيه بالطّبع ويكون قد فُطِرَ عليها ، بالإضافة إلى توفّر ستة شروطٍ أخرى مكتسبة لكنّها لازمة (، آراء أهل المدينة الفاضلة) .
    وأكثر النّاس يؤمّون السّعادة بالتّخيّل لابالتّصوّر ، لأنَّ التّخيّل أيسر لدى العقول من التصوّر إليها ، ناهيك أنَّ الأكثريّة من النّاس هم من ذوي الرّتب الخادمة والعاديّة : " وأكثر النّاس الّذين يؤمّون السّعادة إنّما يؤمّونها مُتخيّلةٍ لا متصوّرة ، والذّين يؤمّون السّعـادة متصوّرة ً ويتقبّلونها ، ويؤمّونها عل أنّها كذلك هم المؤمنون". . والأمور الّتي تُحاكى بالتّخيّل تتفاضل في الدّرجة، فمنها ما هو أزيد ومنها ما هو أنقص: " فيكون بعضها أحكم وأتمّ تخيّلاً، وبعضها أنقص تخيّلاً ، وبعضها أقرب إلى الحقيقة ، وبعضها أبعد عنها .. "
    ثمّة مدن مضادّة للمدينة الفاضلة: المدينة الجاهليّة ، المدينة الفاسقة ، المدينة المتبدّلة، والمدينة الضّالة، ونوائب المدن. أمّا الجاهليّة : فهي تلك الّتي لم يعرف أهلها السّعادة ، ولا خطرت ببالهم ، وإن أُرشِدوا إليها لم يفهموها ولم يعتقدوها .. والسّعادة هي عندهم هي ما عرفوه من الخيرات تُظَنّ أنّها الغايات في الحياة وهي سلامـة الأبدان، واليسار والتّمتّع باللّذات وأن يكون مُخلى هواه ، وأن يكون مكرماً معظّماً ، فكل واحدة من هذه سعادة عند أهل الجاهليّة أنَّ فلسفة الفارابي السّياسيّة لم تكن معزولة عن منظومة أفكاره الفلسفيّة ، بمعنى أنَّ ما هو سياسيّ في فكر الفارابي يرتكز على ما هو فلسفيّ فيه ، فالسّياسي مرتبطٌ بالفلسفي ارتباطاً جوهريّاً يستحيل الفصل بينهما .
    النّقطة الأخـرى في تصوّر الفارابي لرئيس المدينة الفاضلة أن يكون قادراً على الولوج في العالم الرّوحي والاندماج معه، للوصول بأهل المدينة إلى السّعادة الكاملة الّتي لا تدوم إلاَّ بدوام الاتّصال بالعقل الفعّال سواءٌ بطريق التّصـوّر العقلي أو بطريق التّخيّل ، القائمين علـى التّأمّل والإلهام ،وهذا يستدعي الجمـع بين النّبوّة والفلسفة في شخص رئيس المدينة الفاضلة
    أما الكندي وهو مفكر لمع في عهد المأمون والمعتصم واشتهر بأصالة عبقريته وعمق معارفه، وأجاد لغات الإغريق والفرس والهنود، وكتب في الفلسفة والرياضة والفلك والطب والسياسة والموسيقى، وتولى ترجمة مؤلفات أرسطو إلى العربيةبتكليف من المأمون. فيرى أن العقل الفعال هو العلة الحقيقية لكل معقول في الوجود، على حين رأى الفارابي، وهو مؤسس نظرية الفيض والإشراق، أن العقل الفعال شيء خارج النفس، وأنه آخر العقول السماوية، ويسميه الروح الأمين، أو روح القدس، أو واهب الصور.
    وحاول ابن سينا أن يطور التصور الإغريقي لسيرورة التعقل، فأدخل مفاهيم جديدة، مثل "العقل الهيولي" و"العقل القدسي"، لكنه احتفظ بفرضية العقل الفعّال. لذلك أطلق ابن سينا على قدرة النفس الفطرية على توليد التصورات والمفاهيم اسم العقل الهيولي، بينما أطلق اسم "العقل بالملكة" على المقدمات الأولية البديهية، "مثل اعتقادنا بأن الكل أعظم من الجزء، وأن الأشياء المساوية لشيء واحد متساوية." شدد ابن سينا على أن العقلين الهيولي وبالملكة عقلان بالقوة لا بالفعل، وزعم أن تحولهما من القوة إلى الفعل يتم بتأثير العقل الفعّال. وينتج عن عملية التحول هذه ظهور "العقل المستفاد"، وهو مجموعة المعارف والعلوم المكتسبة بالنظر والتعلم.
    ورأى ابن سينا أن العقل الفعال قوة قدسية، وهي أعلى مراتب القوى الإنسانية، وهي تفيض على العقول البشرية فتحاكيها، وهذا ضرب من النبوة أو الوحي، في حين يجعل ابن رشد العقل الفعال مظهراً من مظاهر النفس ليس خارجاً عنها، فما هو إلا انتزاع المعاني وتجريدها، يقابله العقل المادي أو الهيولاني الذي هو استعداد لقبول المعاني، الذي جعله خالداً أزلياً ليمكنه الاتصال بالعقل الفعال الخالد.
    تأثر الفلاسفة المسلمون تأثروا أيضاً بقدرة العقل الذاتية على تحديد بنية الوجود بشقيه المحسوس والمغيب. لذلك كتب أبو حامد الغزالي كتابه الشهير تهافت الفلاسفة ليظهر أن الفلاسفة يسيرون في أصقاع المعارف الغيبية بلا دليل، "وأنهم يحكمون بظن وتخمين، ومن غير تحقيق ويقين." فاختلف معهم حول مسائل دينية تتعلق بأصل من أصول الدين كالقول في حدوث العالم وصفات الصانع ويبيان حشر الأجساد والأبدان"وقد أنكروا جميع ذلك فهذا الفن ونظائره هو الذي ينبغي أن يظهر فساد مذهبهم فيه دون ما عداه".
    إن النص الإلهي لا يمكن أن يتعارض مع الحقائق العلمية الغزالي إذن يرى أن العقل أساس يعتمد عليه في معرفة سنن الله في الطبيعة ومعرفة الظواهر الطبيعية وهذا يدحض لعمري "شائعات" الحداثية العربية المستلبة عن عداء أبي حامد للعقل الغزالي فهو خطأ الفلاسفة في قولهم إن العالم قديم لا أول له ومن المعلوم أن هذا ما يخطئه العلم المعاصر أيضاً الذي يحدد عمر الكون ويقرر أن الزمن بالذات بدأ مع خلق الكون!وهذا ما قرره أبو حامد بألمعية منقطعة النظير حين قال إن العجز عن تصور بدء وجود الزمان عائد "لعجز الوهم عن فهم وجود مبتدأ إلا مع تقدير قبل له" واعترض أبو حامد على قياسهم للخالق على المخلوق واستنتاجهم صفات الخالق من المخلوق واعتراضهم على وجود وقائع غيبية كالجنة والنار وعلى قدرة الله على بعث الأجساد وعلى قلب العادات المألوفة.
    في كل هذا كان أبو حامد يرى أن العقل لا يكفي لوحده لتقرير حقائق العالم الآخر الذي لا يعرفه فبين الغزالي بطلان كثير من البراهين التي قدّمها الفلاسفة لإثبات مواقفهم. فعند الحديث عن الأطروحة التي نافح عنها الفلاسفة المشّاؤون القائلة بقدم العالم يثبت الغزالي أن البرهان على قدم العالم يقوم على مقدمة فحواها "استحالة صدور حادث عن إرادة قديمة، " وأن هذه المقدمة ظنية لا يمكن التيقن من صدقها. فهي ليست معرفة ضرورية يلزم قبولها دون دليل من ناحية، كما أن إثباتها برهانياً غير ممكن لفقدان الحد الأوسط الذي يمكن من خلاله الانتقال من المقدمات إلى النتيجة. وهكذا أظهر الغزالي عجز العقل البشري عن تحديد الحقائق الغيبية من خلال مقدمات نظرية، وحاجته بالتالي إلى مقدمات مستمدة من الخبرة الحسية أو معرفة منبثقة من عبارات الوحي المنـزّل.
    لذلك يدعو ابن رشد في كتابه "فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من اتصال" إلى منهج بديل يقوم على اعتماد المقدمات القرآنية عند النظر في الغيبيات. ويبين ابن رشد منهجه هذا بقوله: "فإن قيل فإذا لم تكن هذه الطرق التي سلكها الأشعرية وغيرهم من أهل النظر هي الطرق المشتركة التي قصد الشارع لتعليم الجمهور بها، وهي التي لا يمكن تعليمهم بغيرها، فأي الطرق هي هذه الطرق في شريعتنا هذه؟
    قلنا هي الطرق التي تثبت في الكتاب فقط. فيجب على من أراد أن يرفع هذه البدعة عن الشريعة، أن يعمد إلى الكتاب العزيز، فيلتقط منه الاستدلالات الموجودة في شيء مما كلفنا اعتقاده، ويجتهد في نظره إلى ظاهرها ما أمكنه من غير أن يتأول من ذلك شيئاً، إلا إذا كان التأول ظاهراً بنفسه، أعني ظهوراً مشتركاً للجميع."
    لكن دعوة ابن رشد إلى استبدال مقدمات نظرية بمقدمات مستمدة من القرآن في الغيبيات لا يؤدي إلى حل إشكالية التعارض أوتجاوزها، بل يبقى قيام تعارض ظاهري بين الأحكام المستنبطة من الشريعة والأحكام المستنتجة بالبرهان محتملاً. وبالتالي تبقى الحاجة إلى إعمال التأويل بإخراج دلالة الألفاظ من الحقيقة إلى المجاز قائمة. يقول ابن رشد: "وإذا كانت هذه الشرائع حقاً وداعية إلى النظر المؤدي إلى معرفة الحق، فإنا –معشر المسلمين- نعلم على القطع أنه لا يؤدي النظر البرهاني إلى مخالفة ما ورد به الشرع، فإن الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد له. وإذا كان هذا هكذا، فإن أدّى النظر البرهاني إلى نحو ما من المعرفة بموجود ما فلا يخلو ذلك الموجود [إمّا] أن يكون قد سكت عنه في الشرع، أو عرف به. فإن كان مما سكت عنه، فلا تعارض هنالك، وهو بمنـزلة ما سكت عنه من الأحكام فاستنبطها الفقيه بالقياس الشرعي. وإن كانت الشريعة نطقت به، فلا يخلو ظاهر النطق [إمّا] أنْ يكون موافقاً لما أدّى إليه البرهان فيه أو مخالفاً. فإن كان موافقاً فلا قول هنالك وأن كان مخالفاً طلب هنالك تأويله.
    وقد تنبه أهل السنة لمدى مخالفة فهم الفلاسفة اليونان لفهم الإسلام للعقل، ولا سيما ابن تيمية، حيث بيّن فساد آرائهم وفساد منطقهم، وقام بتفنيد هذا المنطق. والملفت للنظر أن المناطقة الغربيين المحدثين ساروا على طريق ابن تيمية نفسه في رفض المنطق الأرسطي. وقد بيّن ابن تيمية أنهم يصيبون في الحساب والطبيعة وكثير من علم الفلك، لكن فلاسفة المسلمين كما وصفهم "خير وأدق، وقلوبهم أعرف، وألسنتهم أنطق، وذلك لما عندهم من نور الإسلام".
    ومع هذا الموقف الناقد بشدة للعقلانية اليونانية، فإن ابن تيمية بيّن أن الفلسفة ليست كلها ضلالا؛ فالفلاسفة الذين استناروا بنور النبوات، واستقلوا بالنظر العقلي دون تقليد أعمى للفلسفة اليونانية، أصوب رأيا وأدق قيلا، مثل أبي البركات البغدادي في كتابه "المعتبر في الحكمة"؛ حيث إنه كما وصف ابن تيمية: "أثبت علم الرب بالجزئيات ورد على سلفه ردا جيدا، وكذلك أثبت صفات الرب وأفعاله".
    إن الحديث عن التعارض بين الوحي والعقل يفترض قيام علاقة تشابه أو تماثل في المحتوى والمضمون. فنحن مثلاً لا نتحدث عن تعارض بين مفاهيم وقضايا الجغرافيا والكيمياء، نظراً لاختلاف طرائق النظر وموضوعه في كل من الدائرتين المعرفيتين السابقتين. فالحكم الجغرافي بأن "جبال الهملايا أعلى جبال في العالم" لا يتعارض مع الحكم الكيميائي بأن "المعادن تذوب في الحوامض". فهل يتماثل مضمون الوحي ومضمون العقل؟
    فإذا نظرنا في محتوى العقل المكتسب وجدنا أنه ينطوي على تصورات وتصديقات (أو مفاهيم
    وأحكام) تنقسم إلى أنواع ثلاثة متمايزة:
    1- أحكام متعالية عن الوجود الحسي ومرتبطة بالوجود المغيّب، كالحكم بأن النفوس تبعث من جديد بعد موتها لتثاب على أعمالها.
    2- أحكام قيمية توجه العقل البشري في دائرة الحياة الاجتماعية، كالحكم بأن الصدق حسن والكذب قبيح.
    3- أحكام تجريبية مستمدة من ملاحظات الإنسان الطبيعية والتاريخية، كالحكم بسقوط الأجسام التي تزيد كثافتها عن كثافة الهواء نحو مركز الأرض، أو الحكم باقتضاء الفساد الإداري في مجتمع ما تراجع اقتصاده وانهيار حضارته وعمرانه.
    إن التأمل في بينة العقل يظهر لنا أن التعارض بين أحكام الوحي وأحكام العقل الفطري غير ممكن، نظراً لخلو العقل الفطري من الأحكام المضمونية واقتصاره على الأحكام الإجرائية.
    وحديثاً اهتمت بعض الكتابات بالعقل وألّف الدكتور الجوزو مفهوم العقل والقلب في القرآن والسنة. وكُتبت دراسات جامعية في "العقل عند الأشاعرة" و"العقل عند الشيعة الإمامية"، وحُققت بعض كتب المتقدمين ومقالاتهم مثل "العقل وفهم القرآن" للحارث المحاسبي (توفي 243/857م) و"العقل عند ابن رشد" وغير ذلك. ومنذ بداية السبعينات، وعقيب هزيمة 1967 تزايدت تلك الدراسات والكتب التي تتحدث عن العقل العربي، ماضيه المنصرم، وحاضره المشهود ، ومستقبله المنشود وقد كتب الدكتور برهان غليون اغتيال العقل العربي، وكتب الدكتور محمد عابد الجابري تكوين العقل العربي وبنية العقل العربي، وألّف الدكتور الجوزو مفهوم العقل والقلب في القرآن والسنة. وكذلك كتب الدكتور حسن حنفي والدكتور محمد أركون، من تلك الدراسات كتب ثلاث (بنية العقل العربي) : د. محمد عابد الجابري (خطاب إلى العقل العربي) : د. فؤاد زكريا. (قصة عقل) : د. زكي نجيب محمود .
    ويلاحظ إن هذه الكتب وقعت في نفس الثغرة الأساسية الموجودة في موقف كثير من العقلانيين وهي الاعتقاد في ثبات العقل وواحديته أيضاً. وقد وقع أفلاطون وأرسطو وديكارت وسبينوزا وليبنتز وكانط في هذه الثغرة بإضفائهم الثبات المطلق على صورة العقل ومقولاته ومبادئه. وهذا التصور أثبتت نظرية المعرفة الحديثة قصوره؛ لأن العقل كأي ظاهرة تاريخية قابل للتغير والتطور وفى كل مرحلة تاريخية جديدة يتجاوز ذاته حيث يعيد بناءها بشكل جديد
    فبادىء ذي بدء يرى الجابري ان اداة المعرفة العربية التي يطلق عليها بـ «العقل العربي» هي نتاج الثقافة العربية حتى في مظهرها الفاعل. فهي عبارة عما خلفته وتخلفه الثقافة العربية في الإنسان العربي بعد ان ينسى ما يتعلمه في هذه الثقافة من الآراء والمعتقدات والايديولوجيات. فما يبقى هو «الثابت»، وما ينسى هو «المتغير».. فما يبقى هو ذات العقل أو الاداة بعد نسيان ما افرزته من آراء ومذاهب، مستلهماً ذلك من التعريف المشهور للثقافة بأنها عبارة عن «ما يبقى عندما يتم نسيان كل شيء». واستناداً إلى بعض الغربيين اعتقد الجابري ان التعريف العلمي المعاصر للعقل هو انّه عبارة عن «القدرة على القيام باجراءات حسب مبادىء»، أو هو «لعب حسب قواعد». مؤكداً ان «العلم لا يؤمن بمصدر آخر للعقل وقواعده غير الواقع»، وبالتالي فان العقل هو جملة قواعد مستخلصة من موضوع ما، اي من الموضوع الذي يتعامل معه الإنسان، فتعدد انواع المنطق والقواعد العقلية يأتي من تعدد انماط الحياة.
    لقد جاء الفيلسوف المستشرق ارنست رينان «1832 - 1892» ليوظف نظرية الجنس في النظام المعرفي والعقلي، بل وأقام التفاضل العرقي بين الجنسين، حيث جعل من الجنس الآري متفوقاً على الجنس السامي. وقد توجت هذه النظرية اخيراً لدى بعض اتباع رينان من المستشرقين، كما هو الحال مع «ليون غوتييه» في اوائل هذا القرن، حيث ميز العقل السامي عن العقل الآري، معتبرا ان العقل الاول عاجز عن ان يرى الاشياء مترابطة، فرؤيته تجزيئية انفصالية ينقصها الانسجام والارتباط، بخلاف ما هو الحال في العقل الآري الذي له القدرة على الربط بين الاشياء والعقد فيما بينها بعقدة الاتصال والانسجام بوسائط تدريجية. لهذا فهو يرى ان الفلسفة اليونانية على على خلاف تام مع الدين العربي الاسلامي، فالاولى ترجع إلى الجنس الآري وهي لهذا قائمة على الوصل والارتباط، بينما يرجع الثاني إلى الجنس السامي، وهو لهذا يقوم على الفصل والتجزئة.
    تكاد تكون النتائج الرئيسية التي توصل اليها الجابري في اعتبار تفاوت العقول المعرفية وتفاضلها واعتبار العقلية العربية البيانية هي عقلية فصلية تجريئية، تتشابه تماماً مع النظرية العرقية التي نظّر لها رينان واتباعه. لكن الملاحظ ان من الخطأ اتهام نظرية الجابري بالعرقية استناداً إلى وحدة النتائج، ذلك ان طرحه لا يتعالى على الحقيقة الإنسانيّة، فلا يذهب إلى صياغة العقل بالارتداد إلى الجنس كجنس، بل انّه يربط بنية العقل وتكوينه بالجغرافية اساساً، ومن ثم باللغة كجهاز استلام وارسال يضمر في داخله حقائق البيئة ذاتها. لهذا كانت مفاهيم اللفظ والاعرافي والصحراء والنحو والبلاغة وغيرها هي من اهم المفاهيم الموظفة في مشروعه للتعرف على كنه العقل العربي. فالجغرافية واللغة هي اهم ما في المشروع من اساس لتحليل تكوين العقل وبنيته، منهجاً ورؤية.
    ومن ناحية أخرى فإن الجابري في تحديديه للعلاقة بين الفلاسفة الاسلاميين والثقافة العربية، جعل من هؤلاء الفلاسفة يقرأون الثقافة اليونانية بواسطة الثقافة العربية. وهو يضع قاعدة «عرفية» تتحدد بموجبها «الجنسية الثقافية» لكل مفكر، من حيث ان التفكير داخل ثقافة معينة لا يعني التفكير في قضاياها، بل التفكير بواسطتها، لذا اعتبر «الفارابي مثلاً الذي فكر في قضايا الثقافة اليونانية هو مفكر عربي لانه فكر فيها بواسطة الثقافة العربية من خلالها». وفي نفس الوقت ان «التفكير بواسطة ثقافة ما، معناه التفكير من خلال منظومة مرجعية تتشكل احداثياتها الاساسية من محددات هذه الثقافة ومكوناتها، وفي مقدمتها الموروث الثقافي والمحيط الاجتماعي والنظرة إلى المستقبل، بل والنظرة إلى العالم، إلى الكون والإنسان كما تحددها مكونات تلك الثقافة».
    والواقع ان المشروع حاول ان يعكس علاقة الفلاسفة والمتصوفة الاسلاميين بالثقافة العربية الإسلامية كي يجد مجالاً لادخالهم ضمن بنية «العقل العربي» ولو افضى ذلك بالتناقض. فهو يجعل الفلاسفة الاسلاميين وكأنهم يفكرون في قضايا يونانية بواسطة الثقافة العربية، مع ان العكس هو الصحيح، اذ انهم يفكرون في قضايا يونانية واسلامية بواسطة الثقافة اليونانية ذاتها، بواسطة «العقل اليوناني»، فهو الاساس، وإلاّ فكيف يعترف المشروع ان اساس ما يقوم عليه الفلاسفة الاسلاميون هو البرهان والعقل الكوني الذي هو اداة «العقل اليوناني» كما نظمه أرسطو.
    وأخيراً قدم المؤلف للعقلية العربية حلاً مبنيًا على ضرورة القضاء على سلطة السلف في حياة الأمة ، والخروج من قيد اللفظ والنص ، وإسقاط القياس كمسلك عقلي للاستنباط واعتماد "العقل" وحده بديلاً ، من خلال عصر تدوين جديد يقوم على فكر الرباعي "المغربي" الأندلسي (ابن حزم - ابن رشد - ابن خلدون - الشاطبي) .
    الكتاب الثاني: خطاب إلى العقل العربي
    أما الكتاب الثاني ، فهو عبارة عن عدة مقالات مجموعة ، صدرت في مجلة العربي للكاتب د. فؤاد زكريا ، في الفترة ما بين 1976-1987 تحت عنوان "خطاب إلى العقل العربي". وتناول هذه المجموعة من المقالات عدة موضوعات ، قسمها صاحبها إلى ثلاثة أقسام:
    1- دافع الثقافة العربية .
    2- الفكر والممارسة في الوطن العربي .
    3- أضواء على العالم المعاصر .
    والكاتب - كغيره من أصحاب الاتجاه اليساري المادي - يتوهم صراعًا دائرًا بين العلم والدين (ص 64) في المجتمع الإسلامي ، على غرار الصراع بين الكنيسة والعلم في أوربا القرون الوسطى ، ويعزو لتلك المشكلة الموهومة أسباب التخلف والانحطاط!.
    كذلك فهو يرى أن أسس الدين الإسلامي ، التي تقوم على أن القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وأن "كلمة الله الحرفية التي لا يتناولها التغيير ولا التبديل" ، يجعل من الصعب على المسلمين أن يتقبلوا تغييرًا في طبيعة العلاقة بين الله - عز وجل - وبين الناس على غرار ما تقبلته أوربا حين قدمت إلهًا يحكم العالم بالرياضيات ، في فكر ديكارت ، أو غير ذلك من صور العلاقة بين الخالق والمخلوق ، التي تنحى فيها سلطة الخالق وسيطرته الفعلية على البشر بشكل تام وحاسم . والحق أن إثارة مثل تلك المشاكل المفتعلة ، وتقديم مثل تلك التحليلات الواهية إنما يعكس ضحالة المعرفة وقصور الفهم بطيعة الدين الإسلامي.
    الكتاب الثالث: قصة العقل
    وفي سلسلة الحديث عن العقل العربي ، قدم الدكتور: زكي نجيب محمود كتابه "قصة عقل (1983) الذي نحا فيه منحى السيرة الذاتية العقلية ، مؤرخًا لرحلته الثقافية منذ اشتراكه في مجلة لسلامة موسى ، بمقالات عن وحدة الوجود إلى أن اتجه إلى الثقافة الغربية اتجاهًا تاماً ، يصوغ من خلالها اتجاهه الفكري ، وليتخير منها مذهبًا فلسفيًا يجعله له "هاديًا ونبراسًا" (ص 93) هو مذهب "الوضعية المنطقية" لفتجنشتين ولما كان الإيمان من قبيل الوجدانيات كما يراه المؤلف متبعاً مذهب الوضعية المنطقية ولما كانت ألفاظه تعبر عن معان ذاتية لذلك فهو "تصديق بغير برهان ، وأما منطق العقل فطريقه البراهين"!. لذلك فالتعبيرات التي تتناول موضوعات كالإيمان أو غيره "هي تعبير ذاتي عما يخالج المتكلم من مشاعر، وهاهنا لا منطق ولا قضايا تقاس بمقاييس موضوعية لتفرقة بين حق وباطل"(ص 175) .
    وبناء على ذلك فإنه ليس من حق أي جماعة "أن تتهم أنصار فكرة بعينها أنصار فكرة أخرى بالضلال إذا كان كل من الجماعتين مستندًا إلى مبادئ غير المبادئ التي تستند إليها الجماعة الأخرى".
    "العروي" من العقل إلى العقلانية
    يقول العروي في كتابه «مفهوم العقل» «لا يكون العقل عقلانية، لا يجسّد في السلوك، إلاّ
    إذا انطلقنا من الفعل، وخضعنا لمنطقه، ثم بعد عملية تجريد وتوضيح وتعقيل، أَبْدَلْنَا به المنطق
    الموروث، منطق القول والكون، منطق العقل بإطلاق» فحتى الذهنية الناظمة لتفكير محمد عبده باتجاهه العقلي هي الذهنية الكلامية ، وهي ذهنية ترى أن العقل عقل للنص، «فالعقل هو ما يعقل العقل ويحده، وما يعقل العقل، ويؤسسه كعقل، هو علم المطلق، الذي هو علم مطلق».وفي سياق سعيه للبرهنة على استحالة منطق الإحياء والبعث والتجديد من الداخل، وكذا استحالة الحلول الوسطى التوفيقية، التي تخلط بين الأزمنة والعصور والمفاهيم، خصص الأستاذ العروي، القسم الثاني من الكتاب، لإبراز حدود ومحدودية العقل الإسلامي في تجلياته ذات الطابع العملي.
    إن العقل في نظام الفكر الإسلامي بالنسبة للمؤلف واحد، والخلافات داخل قلاع الثقافة الإسلامي، بين الفقه والفلسفة والكلام والتصوف، رغم عنفها في بعض اللحظات، ظلت تنشأ بتعبير المؤلف «على الأطراف والتخوم، لا على المعاقل والحصون» ووظيفة العقل في مختلف تجليات ومظاهر العقل الإسلامي، تتجلى في عملية التأويل باعتبارها عملية «تَطَلُّعٍ إلى الأول والأولي، عقل الأمر والإسم»، حيث يكون العلم هو «فقه الأوامر» يدعونا العروي لنعاصر فعلاً، عقلانية الأزمنة الحدثية، ونتحدث لغتها، فتتقلص حدة المفارقات ونتصالح مع التاريخ، حيث نكون قد تخلينا عن العقل الوسيط، وتملكنا معقولية الأزمنة الحديثة.
    إن مفهوم العقلانية في الساحة الفكرية يناقش عادة تحت وطأة الجدل السياسي حول العلمانية والدين، حيث يحتكر الطرف العلماني الحديث باسم العقلانية في حين يبدو وكأن الطرف الذي يدافع عن الدور الفعال للدين في المجال العام بدوائره المختلفة يقف موقف التحفظ من العقلانية إن لم يكن العداء لها، فالعقلانية اقتراب فكري يعتبر العقل مركزيًّا في توليد المعرفة الصحيحة. ويتحدد معنى "العقلانية" المقصود بحسب المجال: نظرية المعرفة الدين، علم الأخلاق، المنطق، العلم الطبيعي والرياضي. لكن الاستخدام الأكثر شيوعاً للكلمة يتعلق بنظرية المعرفة واقتراب التعامل مع الدين (وحياً ونبوة) كمصدر للمعرفة والإسلام لا يرفض العقلانية بكل أنواعها ومستوياتها، إنه فقط يرفض العقلانية الجذرية (أو العقلانية الأصولية إذا جاز التعبير) والتي ترفض أي مصدر للمعرفة غير العقل.

الأيديولوجيا والأسطورة: حالة العولمة

  • Alkasd my other blog
  • مقدمة:
    لدراسة الأيديولوجيا أهمية خاصة باعتبارها في أبسط معانيها نسق رمزي من الأفكار المتداخلة (كالمعتقدات والتقاليد والمبادئ والأساطير ) التي تشكل التصور الذي تطوره جماعة معينة عن العالم وإضافة إلى مجموعة الخبرات والأفكار والآراء التي تستند إليها في تقويمها للظواهر المحيطة بها ويسعى هذا النسق للتعبير عن الواقع وتقديم خريطة له وتقديم صورة مرتبة للنظام الاجتماعي القائم والمرغوب فيه بحيث يصبح محوراً لخلق الوعي الجمعي.
    فدراسة الأيديولوجيا السياسية هي دراسة وتحليل لطبيعة ودور هذا النسق من الأفكار والافتراضات والمبادئ السياسية التي تسعى لتقديم إجابات كلية عن الوجود الاجتماعي، وتقدم لمعتنقيها دليلاً للعمل لتحقيقها في الواقع. وبهذا المعنى هي دراسة نشأة و ديناميكية تطور واعتناق وتطبيق والنظريات والأفكار السياسية التي تقدمها أيديولوجيا معينة ويمكن من خلالها تفسير – جزئياً- السلوك السياسي للفاعل الاجتماعي.
    أهمية الدراسة
    وتكتسب هذه الأهمية طابعاً عملياً عندما يكون محور الدراسة هو العولمة التي أصبحت يشار إليها على أنها روح العصر فلو تم اعتبار العولمة كذلك فإنه كما يقول كارل ماركس لا يمكن معرفة أي عصر إلا من خلال فهم وعي هذا العصر لذاته وتمييز هذا الوعي عن بنيته الاجتماعية وآليات عملها فبهذا التمييز وحده يمكن فهم الصيرورة التاريخية لظواهر محددة.
    وعليه يمكن التمييز بين ما يرتبط ب"ظاهرة العولمة" من ظواهر موضوعية من الخطاب المرتبط بها ومحاولة تحديد متضمناته وأصوله الأيديولوجية وهذا التمييز يمثل ضرورة لتجاوز اجترار الجدل المستمر حول مفهوم العولمة وماهيتها والمواقف المتضادة بالشجب والإدانة والرفض أو ضرورة الإذعان لها و التبشير بها.
    هدف الدراسة
    تسعى هذه الدراسة لتحديد العولمة كأيديولجيا من خلال محاولة كشف بعض الأساطير المؤسسة للخطاب الأيديولوجي المرتبط بها وتوظيف نظام الهيمنة القائم لهذه الأساطير.
    مشكلة الدراسة وتساؤلاتها :
    هل يقدم الخطاب السائد حول العولمة رؤية متماسكة يمكن أن تكون أساسًا لأيديولجيا سياسية وما الأساطير التي يستند إليها هذا الخطاب وكيف يقوم بتوظيفها
    مقولة الدراسة:
    وتسعى الدراسة للإجابة على هذا التساؤل لاختبار مقولة مفادها أن أيديولوجيا العولمة تتأسس على عدد من الأساطير التي تتسم بالغموض وعدم التجانس الذي تستغله لإخفاء طابعها الأيديولجي وتحقيق قدر أقبل من القبول لنتائجها النظرية
    منهج الدراسة:
    بالنظر لطبيعة الموضوع تستخدم الدراسة منهج تحليل الخطاب للكشف عن حفريات خطاب العولمة وأسسه الفكرية من أفكار و أساطير وذلك من خلال النقاط التالية:

    أولاً: مفهوم الأسطورة والأيديولجيا
    ثانيا:ً العولمة كأيديولوجيا
    ثالثاً: الأساطير المؤسسة للعولمة
    أولاً مفهوم الأسطورة والأيديولوجيا
    الأيديولوجيا من أكثر المفاهيم السياسية إثارة للجدل والخلاف إن لم تكن أكثرها على الإطلاق ويمكن إرجاع هذا – جزئياً – لسببين:-
    - أن المفهوم يجمع جوانب نظرية وعملية ويطرح إشكالية العلاقة بين الفكر والعقيدة من ناحية والسلوك من ناحية أخرى، وكذلك العلاقة بين المعطيات المادية والإدارة السياسية.
    - لأن تعريف الأيديولوجيا ذاته لم ينجُ من النزاع بين الأيديولوجيات ذاتها في تعريف المفهوم وملامحه وأبعاده وتشابكاته النظرية والعملية، فقد استخدم المفهوم من جانب الأيديولوجيات المختلفة كسلاح في مواجهة خصومها، ونقد أفكارهم، إما باتهامها أنها أيدولوجيات لا صلة لها بالواقع، أو العكس: باتهامها أنها مجرد أفكار متناثرة لا تشكل أيديولوجيا متكاملة صالحة للتطبيق الشامل لتغيير الواقع أو إصلاحه بشكل كلي.
    بدأ استخدام كلمة أيديولوجية إبان الثورة الفرنسية على يد "أنطوان ديستوت دوتراسي" (1754 – 1836م)، واستخدمت لأول مرة بشكل علني عام 1796م، وقد عرف "دوتراسي" الأيدلوجية بأنها علم جديد للأفكار يقوم بتفسير وفهم الأفكار(آثار الوعي بالمعنى العام)، وخصائصها وقوانينها، علاقاتها بالرموز التي تمثلها وخاصة وهذا التعريف هو تعبير حرفي عن الكلمة ،فالشق الأول للكلمة هو مقابل الأفكار idea والثاني مقابل العلم Ology
    وقد كان دوتراسي متأثرًا بالولع السائد (آنذاك) بفكرة العقلانية التي كانت في أوجها مع صعود مذهب الحداثة، ورأى أنه من الممكن (موضوعيًّا) اكتشاف جذور الأفكار ونشأتها الأساسية للعلم ، ثم علاقة هذه الأفكار بالرموز التي تتخذها في المجتمعات، والتي تقوم بوظيفة تقديمها للجمهور فالأيديولوجيا عند دوتراسي "فكر نظري يعتقد أنه يتطور مجرداً عن معطياته الخاصة، لكن في الواقع هو تعبير عن وقائع اجتماعية خاصة الاقتصادية منها، والتي لم يعها من قام بها أو على الأقل لا يدرك أنـها تحدد فكره" وإن "علم الأفكار" هذا يتطور؛ ليأخذ مكانه جنبًا إلى جنب مع العلوم المنضبطة كالأحياء والطب وغيرها،وبما ان كل طرق البحث تتأسس على الأفكار؛ فإن علم الأفكار الجديد هذا سوف يصبح تاج العلوم.
    "في اللحظة التي صاغ فيها Institute National. عام 1706 الكلمة الفرنسية Idéologie، كان لدى دو ترسي و رفاقه ما يدعوهم إلى الأمل في أن ما أنشأوه من "علم للأفكار" كان خليقا بأن يؤدي إلى إصلاحات في المؤسسة الاجتماعية بدءا بعمل إصلاح جذري شامل في قطاع المدارس بفرنسا، ولفترة من الوقت تحقق لجماعة الأيديولوجيين وضع رئيسي فاعل في مجال صنع وتشكيل السياسة بين دوائر الصف الثاني من صفوف المعهد القومي Institute National ولسوء الحظ كان مقدراً عليهم الاصطدام بأهداف نابوليون بونابارت ونواياه الخفية، حيث شرع نابوليون في العمل على إلغاء الجماعة والقضاء عليها، وذلك أثناء العمل على إعادة تنظيم المعهد (1802-1803) فأصدر أوامره باستبعاد عناصر الجماعة بوصفهم أناسا حالمين مغرقين في الخيال بعيدين عن الواقع، وعمل على اضطهادهم والسخرية منهم بمرارة مطلقا عليهم اسم "أصحاب النظريات الواهمة" Idéologues".
    كان نابليون مصيبا في أن ينسب ميلاً راديكالياً هداماً إلى علم الأيديولوجية الذي اخترعه دستوت حيث أشار إلى أن أيديولوجيا "دستوت" تغفل دراسة القوانين المعروفة للقلب الإنساني ودروس التاريخ فهذا العلم يقف ضد الفكرة المثالية عن مفاهيم قبلية سابقة علىالتجربة كما يقف ضط أية إمكانية للحتمية التاريخية، فقراءة "دستوت" لتراث لوك وكوندياك ساقته إلى الاعتقاد كما يقول في كتابه "مبادئ الأيديولوجيا" بأنه لا وجود لأفكار فطرية مادام كل الفكر مستمداً من الإحساس كما أنه " لايوجد شئ بالنسبة لنا إلا بواسطة الأفكار التي نمتلكها عنه لأن أفكارنا هي كينونتنا بأكملها هي وجودنا نفسه" وعليه بدا له أن الطريق الوحيد لتجنب الموقف الارتيابي القائل بأن المعرفة الحقة مستحيلة هو تحليل العملية التي بواسطتها تترجم أذهاننا الأشياء المادية لأشكال مثالية واتخذ هذا المجال طابعاً نظامياً في قسم مجمع فرنسا الذي كان يدرس العلوم الأخلاقية والسياسية وأطلق عليه علم الأفكار.
    وهكذا نشأت الأيديولوجيا كعلم شارح أو كعلم للعلم فقد ذهبت إلى أنها قادرة على تفسير من أين جاءات العلوم الأخرى وعلى تقديم سلسلة أنساب علية للفكر ويؤكد هذا العلم على الحركة والعملية التي خلالها يتفاعل البشر مع محيطهم المادي وبذلك رأى "دستوت" أن "الأيدبولوجيا" تحقق فتحاً فلسفياً خطيراً بتجاوزها التضادات القديمة بين المادة والروح وبين الشياء والمفاهيم لذلك كان منساقاً للسير في اتجاهين متعاكسين نحو تصور مثالي للنزعة الخطأ وتصور إمبريقي للحقيقة (الصدق)
    وبالرغم من هذا التقدير للأفكار عند نشأة استخدام مصطلح الأيديولوجيا وعلو الآمال التي كانت معقودة عليه، فإن هذا الفهم والتصور للأيدولوجيا يختلف عن تعريفاتها وتصوراتها اللاحقة وما آلت إليه.
    يعتبر البعض ماركس هو مَنْ أعطى لكلمة أيديولوجية الأهمية التي تكتسيها اليوم في كل ميادين البحث ، فهو المفكر الذي أحيا –بظهور كتابه "الأيديولوجيا الألمانية"- استخدام هذا التعبير الذي امتد إلى وقتنا هذا فكان ماركس يعرف "الأيديولوجي" (في مقابل الوقائع الاقتصادية)، باعتباره "ما هو تمثل أو اعتقاد، نظام فلسفي أو ديني" وتبنى "المنحى النابوليوني في استعمال مصطلح "الأيديولوجيا" بما في ذلك من تلميحات الازدراء والاستخفاف، فقد أصبح مفهوم الأيديولوجيا معه يعني "الوعي الزائف" الذي يتحكم في إنتاجه الموقع الطبقي للأطراف الاجتماعية فحقيقة العلاقات الاجتماعية تظهر لهم مشوهة بسبب مصالحهم، وبصفة عامة بسبب وضعهم داخل نظام الإنتاج.
    وطبقا لما يقول به ماركس، فإن كل أيديولوجيا تحتوي على معتقدات توجه سلوك الآخذين بها، وأن كل طبقة اجتماعية معتنقة لأيديولوجيا من الأيديولوجيات، إنما تفعل ذلك لأن الأيديولوجيا التي تعتنقها تناسب أو تلائم منظومة معينة، وإن تكن مؤقتة، من النظم الاقتصادية"، وقد استخدم ماركس الأيديولوجيا "في أغلب الأحيان كوصف، فهو يتحدث عن: الأيديولوجيا الألمانية، أو أيديولوجيا الجمهور، أو الموقف الأيديولوجي، أو الأيديولوجيا البرجوازية .. ولكنه لم يحدد أو يقدم تعريفا للأيديولوجيا باستثناء أن الأيديولوجيا هي مكونات البناء الفوقي، وهي الوعي الزائف الناتج من التكوين الطبقي للمجتمع، والذي يؤدي إلى ستر التناقضات الطبقية وبالتالي يساعد على إمكانية استمرار وضع الاستغلال..ومن ثم اعتبرت الإيديولوجيا طريقة لإخفاء الواقع الاجتماعي، بل أكثر من ذلك فهي -أي الإيديولوجيا- تحاول تقديم عالم مزيف ومغشوش، وفرض وجهة نظر للطبقة المهيمنة على الطبقة الأضعف.
    لكن ريكور، في كتاب “الإيديولوجيا واليوتوبيا” يدعو إلى قراءة أكثر من ماركس: هناك ماركس الشاب، الإنساني، كما عبرت عنه كتبه "مخطوطات في الاقتصاد والسياسة سنة 1844م"، و"الإيديولوجيا الألمانية"، ثم ماركس الكهل، والكلاسيكي، كما قدمه "رأس المال". ولقد كانت البنيات الاقتصادية للمجتمع هي الهم الأساس لماركس وعندما تناول ماركس الشاب مفهوم الإيديولوجيا، انتقد المثالية التي تقول باستقلالية الأفكار ومفارقتها للواقع، وارتباطها بتطور العمل الجماعي. أما في أعمال ماركس الكهل، تتخذ الإيديولوجيا مصدراً للنقد الاجتماعي الوضعي، كما هو شأن البنيوية الماركسية للويس التوسير. ويؤكد ريكور على أن وظيفة الإيديولوجيا: أولاً: تزييف الواقع، ثانياً: مشروعية السلطة، وثالثاً: الإدماج الاجتماعي.
    .. وبالنسبة لماركس فـ" إن الماركسية وهي تنتقد الأيديولوجيا البرجوازية، والمثالية الألمانية.. وتتبنى هموم الطبقة البروليتارية والشغيلة، وتقدم نفسها في ذلك كله كـ"علم".
    هذا التمييز تبلور عند مع كارل مانـهايم الذي "يعتبر تفسيره للوعي الأيديولوجي حتى الآن هو السائد في الغرب حيث عالج مسألة العلاقة بين الأيديولوجيا والمجتمع، والأيديولوجيا والعلم، خاصة في كتابيه، سوسيولوجيا المعرفة 1927، والأيديولوجيا والأوتوبيا 1929، فـالعلم بالنسبة لمانـهايم موضوعي، لأنه حيادي وبعيد عن العاطفة، بينما تبقى الأيديولوجيا لتحيزها ولطابعها الطبقي ذاتية ومشوهة للعلم الحقيقي حول الواقع تتميز عن العلم من حيث إن الوظيفة العملية للإيديولوجيا كمنظومة من التمثلات تتغلب على الوظيفة النظرية (أو وظيفة المعرفة).
    وبصورة مشابهة يرى التوسير أن العلم نقيض الأيديولوجيا، وأن المعرفة تبدأ بالأيديولوجيا، ويتعين تخليصها منها وإحلال العلم محل الأيديولوجيا، وهو ما يسميه بالانقطاع المعرفي. وهو في هذا يختلف مع كل من ماركس وجرامشي. فمن زاوية ماركس: لا يحل العلم محل الأيديولوجيا، ولكنه يكشفها فقط، وإن تغير الواقع هو الذي يقضي عليها ومن زاوية غرامشي، فإن فكرة الانقطاع المعرفي تتناقض مع فكرة التحليل والتركيب في تكوين الأيديولوجيا.
    كما يرفض ريكور هذه الثنائية الصارمة الحدود التي تقوم على للنظر للعلم كمعرفة موضوعية، تخضع للمراقبة والملاحظة دون تداخل ذاتي بما يؤدي إلى تصور خالص للحقيقي، وخطاب أحادي ينتهي إلى حقيقة مطلقة سعى ريكور إلى تجنبه من خلال إدراك أن نتئج الأبحاث العلمية أقل شمولية ومفعمة بالنظرة التاريخانية، ويسعى ريكور إلى تقديم رؤية أكثر رحابة تجعل من العلم والفلسفة طريقاً لتمثل الواقع وفهمه.
    وإذا كان العلم ينجح في تجاوز أخطائه ويقدم للإنسان إمكانية لتنظيم حوادث الطبيعة في وعيه، وفهمها في نظام سببي يجعلها قابلة للتمثل المنظم فإن الأيديولوجيا تفعل ذلك أيضا: إنـها تعطي الإنسان قدرة على تأويل العلاقات الاجتماعية وتنظيم وعيه بحوادثها، بل وتنظيمها بمقتضى منطق أو قاعدة أو مبدأ أو قيمة يتواضع عليها الناس، ويحصل الاجتماع بينهم على اعتمادها. وهنا لا تقل الوظيفة الاجتماعية للأيديولوجيا عن الوظيفة المعرفية للعلم.
    استمرت رؤية الأيديولوجيا على أنها الوعي الطبقي عند لوكاتش في كتابه "التاريخ والوعي الطبقي" والوعي الطبقي نتاج البناء الفوقي ومساو له، وبالتالي فإن لكل طبقة أيديولوجيا لكنه أعطى للوعي الطبقي أو الأيديولوجيا دوراً في التأثير على القاعدة الاقتصادية، أي رفض اعتبارها نتاجاً جانبياً غير مؤثر في القاعدة ويرى أن الوعي الحقيقي غير الوعي المحتمل، وأنه هو الذي يعبر عن الدور التاريخي للطبقة. ، هي باختصار "وعي وإدراك الملموس، سواء كان ذلك في ميدان الفلسفة أو العلم أو المنطق".
    لقد أعطى غرامشي الأيديولوجيا والبناء الفوقي استقلالية وقدرة على التأثير على البناء التحتي الذي كانت الأيديولوجيا عنده "تساوي الفلسفة وتساوي النظرة الكونية الشاملة، وتساوي السياسة، أي مجمل الأفكار التي تحرك مجتمعا ما، أو تكون أساساً لوجوده وحركته. وهي لا تشمل فقط النظريات والأفكار العامة، بل تشمل كذلك كل أنساق القيم والمعتقدات ، واعتبر الأيديولوجيا بناء مكوناً من العديد من العناصر المتناسقة المشدودة بعضها إلى بعض في وحدة بنائية واحدة تتمحور حول عنصر أيديولوجي طبقي .
    لا تعبر الأيديولوجيا عند المفكر الفرنسي التوسير عن العلاقة بين الناس وظروف وجودهم، ولكنها تعبر عن الطريقة التي يعيشون بها العلاقة بينهم وبين ظروف وجودهم. وبالتالي لا يشترط أن يكون التعبير صحيحا أو زائفا أو مشوّها. ولكنه خليط من كل ذلك. وأن لها وجوداً مادياً وتتجسد في مؤسسات وأجهزة أسماها أجهزة الدولة الأيديولوجية.
    وفي هذا الإطار عمل ألتوسير (Althusser) على التمييز بين الأيديولوجيا الكلية والأيديولوجيات الجزئية؛ فالأولى أقرب ما تكون إلى الثقافة أي الإطار الاعتقادي أو الفكري العام المؤطر للمجتمع. أما الثانية فتعني الأيديولوجيا الطبقية، أو الجزئية العاملة في المجال السياسي والثقافي. فالمفهوم العام للأيديولوجيا بوصفها ثقافة يماثل ما يدعوه دوركايم باسم: (الوعي الجماعي) ( La conscience collective)لأيديولوجيا ظاهرة كلية تتعلق بمستويات الوجود الاجتماعي كافة: المستوى الاجتماعي، والمستوى السياسي، والمستوى السيكولوجي، والمستوى المنطقي، بحيث إن السوسيولوجي يمكنه أن يكشف عن الوظيفة الإدماجية للأيديولوجيا،وعالم السياسة بمقدوره أن يحلل الوظائف الأساسية للأيديولوجيا بوصفها مصدرًا للمشروعية وإطارًا مرجعيًا للعمل السياسي، وعالم النفس يمكنه أن يحلل وظائفها السيكولوجية لدى الفرد وارتباطها باستعاراته السيكولوجية الخاصة، أما المنطقي فبوسعه أن يحلل آليات التفكير الأيديولوجيا في كل هذه المستويات الأساسية.
    أما عالم الاجتماع كارل مانهايهم فيعتبر الأيديولوجيا حصيلة الأفكار والآراء والتصورات المحافظة التي تؤيد الطبقة الاجتماعية المسيطرة في المجتمع، وتساند مصالحها فهي منظومة (ذات منطق خاص ونظام داخلي خاص) من التمثلات (صور - أساطير - أفكار أو مفاهيم حسب الحالات) المتمتعة بنوع من الوجود، وبدور تاريخي في مجتمع محدد.وبهذا الفهم تكون الأيديولوجيا تأويلات للوضعية، لكنها ليست نتاج تجارب ملموسة، بل هي نوع من المعرفة المشوهة لهذه التجارب، التي تستهدف طمس معالم الوضعية الحقيقية، والتي تؤثر على الفرد كضغط خارجي"
    عليه يمكن تمييز المفهوم الجزئي والخاص (الجدالي) للإيديولوجيا، عن مفهومها الشمولي والعام (البنيوي). فالأول يتضمن بوعي الأنانية العادية في الحياة السياسية: الإيديولوجيا هي الفكر السياسي للآخر. وهو بالإضافة إلى ذلك يظل في المستوى النفسي، ويعني إما التضليل المقصود، أو الخطأ الراجع إلى “وضعية طبقية”. وبالنسبة للمفهوم الكلي (البنيوي) فإن الأدلجة عملية عامة تطبع كل أشكال الفكر الملتزم، وهو ما يفسر أن الفئة التي تحمل الوعي الصحيح، بالنسبة لمانهايم، ليست هي البروليتاريا المنخرطة في الحركة التاريخية، بل هي فئة المثقفين الخالية من الارتباطات.المقولة المركزية في هذا المفهوم الكلي والعام ليست إذن هي التضليل المقصود أو الخطأ، بل هي تحول الجهاز المفهومي للفكر من خلال منظور خاص.
    وتنقسم الأيديولوجيا عندمانهايم إلى "تعبير أيديولوجي "انفصالي انعزالي"، وآخر "جماعي"، يأخذ الإنسان بالنوع الأول عندما تنظر فئة اجتماعية معينة إلى "الأفكار" و"التصورات" المعينة للخصم على أنـها تصورات تشوه الواقع بصورة واضحة (بالكذب والتحريف والخداع..). أما تعبير الأيديولوجيا الجماعي" فيتم استعماله لوصف "الهيكل الفكري الجماعي الكامل" لفئة اجتماعية أو لمرحلة كاملة على أنـها مشوهة، أما النظريات الاجتماعية للفئات الاجتماعية المعارضة أو المضطهدة، فإن مانـهايم يصفها على أنـها يوتوبيا.
    ويعرف مانـهايم اليوتوبيا على أنـها نوع من التفكير يتمحور حول تمثل المستقبل واستحضاره بكيفية مستمرة. وعرف الأديولوجيا بأنـها التفكير الذي يهدف إلى استمرار الحاضر ونفي بذور التغيير الموجودة فيه.." يربط مانهايم الإيديولوجيا واليوتوبيا بالوعي الخاطئ. إذ أن كليهما “متعاليان على الكائن الاجتماعي”. فالإيديولوجيا، من حيث إنها متجهة صوب الماضي، ستكون وظيفتها هي الحفاظ على الوضع الاجتماعي، في حين أن اليوتوبيا، وهي مشرئبة نحو المستقبل هي عامل ثوري.
    إن الشكل الأول لليوتوبيا يتجاهل التاريخ، في حين يتدخل الشكل الثاني فيه بقوة في إطار هذا الاستعمال الثاني سيقترب مفهوم اليوتوبيا بالأحرى من مفهوم الأسطورة الاجتماعية.
    يرى مانـهايم أن الأيديولوجيا في حقيقتها تعبير يستخدم لاتهام المعارضين من وجهة نظر طرف يعتبر أن أفكاره تعبر عن الحقيقة المطلقة التي لا تتأثر بموقع معين في المجتمع، أو بمرحلة تاريخية معينة، ويرى أن الماركسية ينطبق عليها القول نفسه، وأن ماركس لم يصل إلى نـهاية المنطقية التي يتعين أن يوصله إليها تفكيره بحكم وضعه الاجتماعي وانحيازه الاجتماعي.. ،ولهذا سعى مانـهايم إلى "تخليص المعرفة من الفكر الأيديولوجي ليترك مكانه لعلم اجتماع المعرفة الذي يعترف بالتأثير الحضاري والاجتماعي في نشوء المعرفة" . سعى مانـهايم إلى "استبدال "العقيدة الأيديولوجية" بما يسمى بسوسيولوجيا المعرفة لاعتقاده أنـها تقدم حلا لمسألة نسبية المعرفة الاجتماعية، كما أنـها تنفي التحليل المتحيز "الوحيد الجانب".
    فالمفهوم الكلي للأيديولوجيا عند مانهايم يقصد به أيديولوجيا عصر معين، أو جماعة تاريخية معينة، حيث تتجلى لنا مميزات البنية الكلية للفكر في ذلك العصر أو عند تلك الجماعة"
    وهكذا فإن تعريفات الأيديولوجيا قد تصل أحياناً إلى حد كبير من العمومية فقد عرفت على أنها "نسق من أفكار عن العالم الاجتماعي تضرب بجذور عميقة في مجموعة محددة من القيم والمصالح لكن الأيديولوجيا لا تضرب بجذورها في الواقع الاجتماعي فحسب بل وفي تطلعات الأفراد".
    في حين يعرف البعض الأيديولجيا كقناع أو كتعارض مع العلمية أو حتى كرؤية للكون cosmology والقاسم المشترك بين هذه التعريفات أنها تطرح علاقة مركبة بين الواقع والأيديولوجيا فهي تعكسه وتحاول تسويغه أيضاً والواقع ليس مجرد واقع مادي بل واقع اجتماعي نفسي روحي وهو واقع إلى جانب تطلعات وآمال
    فالأيديولوجيا نسق من المعتقدات والمفاهيم (واقعية ومعيارية) يسعى إلى تفسير ظواهر اجتماعية معقدة من خلال منطق يوجه ويبسط الاختيارات السياسية / الاجتماعية للأفراد والجماعات فهي نظام الأفكار المتداخلة (كالمعتقدات والتقاليد والمبادئ والأساطير ) التي تؤمن بها جماعة معينة أو مجتمع ما وتعكس مصالحها واهتماماتها الاجتماعية والأخلاقية والدينية والسياسية والاقتصادية وتبررها في نفس الوقت فالأيديولوجيا تتضمن نظرة الإنسان للأشياء المحيطة به والتصور الذي يطوره عن العالم وهي في الوقت نفسه تشير إلى مجموعة الخبرات والأفكار والآراء التي يستند إليها في تقويمه للظواهر المحيطة به.
    الأيديولوجيا نسق من الفكار والقيم مثقل بالمشاعر مشبع بالأساطير مرتبط بالممارسة يتناول الإنسان والمجتمع ، والشرعية والسلطة، ويتبنى الإنسان هذا النسق بشكل روتيني ويتأكد ويتوطد بحكم العادة ويتم نقل هذه الساطير والقيم بطريقة مبسطة وكفء من خلال الرمز والصور والاعتقادات اليديولوجية المتماسكة مع نفسها إلى حد ما وتتسم بدرجة من الوضوح كما أنها متفتحة على الأمثلة والمعلومات الجديدة والأيديولوجيات لديها إمكانية كبيرة لتسيير الجماهير
    إن الأيديولوجيا تقوم بدور الوسيط لأنها نسق رمزي يستخدم كنموذج لأنساق أخرى اجتماعية ونفسية ورمزية وهي قد تشوه الواقع أو تخطئه، لكنها تشويه يعكس حقائق معينة ويطمس أخرى لتوصيل رسالة معينة للمؤمنين بها فقدرة الأيديولوجيا هي في قدرتها على الإحاطة بالحقائق الاجتماعية وصياغتها صياغة جديدة، فالأيديولجية لا تستبعد عناصر معينة من الواقع بقدر ما تسعى لتقيم نسق يضم عناصر نفسية واجتماعية ودينية... مماثل للواقع الذي تدعو إليه الأيديولوجية. إن السؤال الذي تثيره الأيديولوجيا هو مدى فعاليتها في رسم صورة للواقع الاجتماعي وتقديم خريطة له وأن تكون محوراً لخلق الوعي الجمعي.
    إن استخدام مفهوم الأيديولوجية كأداة تحليلية يتطلب تعدد مستويات البحث بوصف منطقها الداخلي وحتى ادعاءتها عن نفسها وسماتها الأساسية كجانب معبر عن الواقع، وأيضاً كبرنامج سياسي يحاول أن يغير الواقع لحساب رؤية جديدة ومصالح محددة وعلى كلا المستويين يقدم مفهوم السطورة أداة تحليلية هامة لفهم غدعاءات الأيديولجيا عن نفسها واستكشاف طبيعة المصالح التي تكمن وراءها
    الأيديولوجيا والأسطورة
    تأثر مفهوم الأسطورة برؤية الحداثة الأوروبية التي اعتبرت مساحة الأساطير مساحة غير واقعية ولا عقلانية، وربطت الأسطورة بالدين والخرافة في ثلاثية تعكس -في نظرها- أسباب التخلف وتناقض العلم، وقصرت العقل على الإحاطة بالواقع ومنهج التجريب وما يدعيه من الضبط والموضوعية لذلك ترادف معنى الأسطورة والخرافة في الأذهان، بداية من كبار الأدباء العرب من أمثال (أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ) في كتاب الحيوان،حتى عالم النفس الأشهر (كارل غوستاف يونغ) الذي لم يفرق ما بين الأسطورة والخرافة .
    استمر تخبّط كثير من النقّاد والباحثين في تعريف الأسطورة باعتبار أنها ترتبط بمفاهيم أخرى من خرافة وفلكلور وتاريخ وأعراف وتقاليد ومعتقدات روحية واعتبر بعضهم الأسطورة مزيج من كل تلك المصطلحات بحيث يمكن تعريفها بأنها حكاية غير واقعية سادت في المجتمعات البدائية والتقليدية وهي تفسّر بعض مظاهر الطبيعة والكون والمشكلات التي تعترض طريق هذا الفرد دون أن يجد لها تفسيراً مباشراً ويقول ( مالينوفسكي ) في كتابه السحر والعلم والإيمان : الأسطورة في المجتمعات البدائية ليست مجرد قصة محكية بل هي واقع معاش وتهدف إلى تقوية العقيدة ووضع قوانينها وحماية الأخلاق وهي قصة نشطة ليست تافهة كما أنها ليست تفسيراً ذهنياً أو خيالاً فنياً بل هي عقد براجماتي للإيمان البدائي والحكمة الأخلاقية .
    فالأسطورة وفق هذا الفهم قصة شعبية غير واقعية تتسم بأفكار تفسر حقيقة الظواهر المختلفة في حياة الإنسان لذا فهي تفسير ذهني وخيال جامح وهي إذا كانت مستمرة حتى في عصر التكنولوجيا والعلم وثورة المعلومات فإن هذا تعبير عن حاجة الإنسان إلى استخدام خياله في تفسير الظواهر التي يعجز العلم عن تفسيرها مما يؤدي به إلى تفكير بدائي خارج عن نطاق الواقع بالإضافة إلى حاجته النفسية إلى تحليل مشكلاته وكشف أسرارها بهذه الطريقة فهي مساحة اللاوعي واللاعقلانية في الفكر المعاصر.
    يقول فيكو : الشاعر وصانع الأسطورة يعيشان في عالم واحد ولديهما موهبة واحدة وهي قوة التشخيص ولابدّ لهما من إعطاء الأشياء حياة داخلية وشكلاً إنسانياً ورأى فيكو وبعض النقّاد أن الأسطورة عنصر متمّم للحقائق التاريخية والعلمية.
    إلا أنه من الملاحظ أن كل حضارة تبدع قصصا كبرى _ أساطيرها - لتقدم من خلالها مفاهيمها الأساسية، ولتصوغ من خلالها رؤى تفسر الكون والاجتماع الإنساني، ولا تكاد تخلو حضارة من أساطير بارزة تشتهر بها وتميزها عن غيرها، وقد تكون هذه الأساطير خيالية بدرجة كبيرة، ولا ترتبط بالواقع الثقافي برابطة مباشرة، لكنها أيضًا قد تستند لبعض الوقائع التاريخية، وتتضمن بعض الأسماء والأمكنة والأحداث الحقيقية، ثم تنسج حولها قصصا لا صلة لها بالواقع، وذلك على خلاف بين الثقافات؛ فأساطير اليونان يغلب عليها الطابع الوثني الخيالي، في حين أن هناك أساطير عربية، مثل السيرة الهلالية يختلط فيها الواقع بالخيال والحكي بالخرافة.
    وقد عاد علم الاجتماع الغربي لايهتم بالأسطورة باعتبارها أداة لفهم الوجود والتاريخ -بل والواقع أيضا- وتفسيره عبر نسق أفكار جماعية في ثقافة ما، فيرى بيرك أنها ليست نقيض علم التاريخ بل هي قصص تاريخية كبرى لها وظيفة تفسيرية مهمة، ودور محوري في دعم الرابطة الاجتماعية وتفسير علاقات السلطة، وأنها تعبير عن اللاوعي الجماعي، هذا اللاوعي ليس مناقضًا للعقلانية بالضرورة، بل هو مساحة من مساحات العقل الإنساني.
    بل وذهب بعضهم لاستخدام المفهوم ذاته في مواجهة بعض المسلمات في الدوائر العلمية ذاتها، وتوسيع دلالات مفهوم الأسطورة لتشمل مسلمات الأنساق الفكرية القائمة مثل العلمانية والليبرالية ونزعة تبني العلم كعقيدة "العلموية" فقد رأى برتراند راسل مبكراً أن النسق الفلسفي لليبرالية كان هو النسق الديني معكوسًا: ففي مقابل الله كمطلق تمّ وضع الدولة القومية، أي أن نسقا ثقافيا حلّ محل النسق الثقافي ما قبل الحداثي، كما يضع "شادويك" في تأريخه للفكر الغربي الاستناري فكرة العقد الاجتماعي التي كتب عنها هوبز وروسو ضمن الأساطير الليبرالية الكبرى النافعة التي دعمت حقوق الشعوب بل وأسست الرابطة السياسية على الاختيار الحر العقلاني. ويذهب "فايتس" في دراسته لمفاهيم العلوم الإنسانية إلى أن الزعم بأن المفاهيم الاجتماعية والإنسانية يمكن ضبطها، مثل المفاهيم العلمية للعلوم الطبيعية هو في حد ذاته "أسطورة"، بل وذهب عالم الاجتماع الديني "جوزيه كازانوفا" إلى حد وصف مفهوم العلمانية بأنها "أسطورة" الحداثة.
    وقد شهد الانتقال من القرن العشرين إلى القرن الحادي والعشرين صناعة أساطير سياسية كبرى جديدة على يد النخب الثقافية تواكب هذا الانتقال، وهذا ليس بالمستغرب؛ فالأساطير تنبعث دومًا من رحم التاريخ، وتصاغ من وطأة ملابسات الواقع.
    ومع إعادة إحياء الأساطير الليبرالية ومعسكر الحرية والخير والهيمنة الخيرة جرت عملية تسليح وعسكرة حقيقية موازية في الواقع السياسي والدولي بهدف الحفاظ على هذه الأساطير والدفاع عن مصالح من أحيوها، وصاغوا أساطير فرعية جديدة مضافة لها.
    والغريب أن نهاية قرن التقدم العلمي والتقني شهدت التعايش والتمحور حول أساطير سياسية كبرى صيغت بعناية، وتم الترويج لها بأحدث الأساليب وأمكر الخطط؛ بحيث يمكن التساؤل: كيف قدر للتقدم التكنولوجي والعلمي أن يدعم لأساطير السياسية الكبرى؟ ومن وجهة نظر أحد الباحثين فإن صنع الأسطورة السياسية الحديثة يشبه إلى حد كبير الطريقة التي يصنع بها السلاح الحديث كالرشاشات والطائرات، ومن هنا فليس بالغريب أن تتزامن إعادة التسليح الحقيقية مع إعادة صنع الأساطير وإحيائها.
    ويرى أرنست كاسيرر أن إعادة تصنيع الأساطير السياسية الكبرى تتطلب إحداث تغيير كبير في مهمة اللغة؛ بحيث يصبح للكلمة بُعد سحري يتجاوز بُعدها الدلالي، أو بصورة أدق: يصبح للكلمة مهمة قيمية تتجاوز وصف الأشياء والعلاقات بينها، بل تتعداها في سعيها إلى إحداث أثر سحري فيمن يخاطبهم صناع الأسطورة لتضفي شرعية على الأسطورة، فصناع الأسطورة الجديدة لا يهدفون إلى إقناع جمهورهم، بل إلى إخضاعهم بسلطة الأسطورة، من لم يخضع فهو عاص ومن وجهة نظر المفكر الفرنسي "ريجيس دوبريه" في نقده للعقل السياسي؛ فإنه لا شيء يشبه الساحر إلا السياسي المعاصر فهو كاهن جديد لأسطورة جديدة وعليه أن يحافظ على مكره السياسي الشديد ليضمن نجاح أسطورته السياسية الجديدة.
    ومن هنا يأتي الاهتمام بالأسطورة باعتبارها أداة لفهم الوجود والتاريخ -بل والواقع أيضا- وتفسيره عبر نسق أفكار جماعية في ثقافة ما، فيرى بيرك أنها ليست نقيض علم التاريخ بل هي قصص تاريخية كبرى لها وظيفة تفسيرية مهمة فهي تعبر عن الرؤى المهيمنة في نسق فكري معين تشكله بصورته المحددة في مرحلته التاريخية فهي الأفكار الحاكمة والمتحكمة في نسق فكري ما لفترة طويلة فلا تتعرض للمراجعة أو النقد والتمحيص.
    ويشير لازويل وهلمبرج إلى أهمية الساطير السائدة في المجتمع وما تشكله من إطار مرجعي لتصرفات الفراد الذين يتصرفون في كل عملية اجتماعية وفق الإطار المرجعي للأسطورة ويقومون بتصنيف الحداث الشخصية وتشكيل منظورهم حسب"
    - رموز الهوية (أنا – نحن – أنتم – هم )
    - رموز المطالب (قيم التفصيل والاختيار )
    - رموز التوقعات (أحداث الماض والحاضر والمستقبل)
    - فالأسطورة توضح بجلاء الهدف وتطرح نظرة شاملة للاتجاه وتصوغ افتراضات حول العوامل الساسية ومشروعات المستقبل المتوقع حدوثها وتتكون الأسطورة من ثلاثة عناصر رئيسية:-
    • تعبيرات لمذهبDoctrine أو فلسفة وهي مقولات statements على مستوى عال من التجريد
    • تعبيرات لصيغة معينة Formula بشأن النظام العام والنظام المدني
    • التصورات الشعبية للماضي والحاضر والمستقبل












    العولمة كأيديولوجيا
    الأصل اللغوي للعولمة هو ثلاثي مزيد، يقال: عولمة على وزن قولبة،وكلمة "العولمة " نسبة إلى العَالم -بفتح العين- أي الكون، وليس إلى العِلم -بكسر العين- والعالم جمع لا مفرد له كالجيش والنفر، وهو مشتق من العلامة على ما قيل، وقيل: مشتق من العِلم، وذلك على تفصيل مذكور في كتب اللغة. فالعولمة كالرباعي في الشكل فهو يشبه (دحرجة) المصدر، لكن (دحرجة) رباعي منقول، أمّا (عولمة) فرباعي مخترع إن صح التعبير وهذه الكلمة بهذه الصيغة الصرفية لم ترد في كلام العرب،والحاجة المعاصرة قد تفرض استعمالها، وهي تدل على تحويل الشيء إلى وضعية أخرى ومعناها: وضع الشيء على مستوى العالم وأصبحت الكلمة دارجة على ألسنة الكتاب والمفكرين في أنحاء الوطن العربي . ويرى الدكتور أحمد صدقي الدجاني أن العولمة مشتقة من الفعل عولم على صيغة فوعل واستخدام هذا الاشتقاق يفيد أن الفعل يحتاج لوجود فاعل يفعل، أي أنّ العولمة تحتاج لمن يعممها على العالم .
    وقد قرر مجمع اللغة العربية بالقاهرةإجازة استعمال العولمة بمعنى جعل الشيء عالمياً. والعولمة ترجمة لكلمة Mondialisation الفرنسية، بمعنى جعل الشيء على مستوى عالمي، والكلمة الفرنسية المذكورة إنّما هي ترجمة“Globalisation” الإنجليزية التي ظهرت أولاً في الولايات المتحدة الأمريكية، بمعنى تعميم الشيء وتوسيع دائرته ليشمل الكل. فهي إذا مصطلح يعني جعل العالم عالمًا واحدًا، موجهًا توجيهًا واحدًا في إطار حضارة واحدة، ولذلك قد تسمى الكونية أو الكوكبة. ومن خلال المعنى اللغوي يمكننا أن نقول بأنّ العولمة إذا صدرت من بلد أو جماعة فإنها تعني: تعميم نمط من الأنماط التي تخص ذلك البلد أو تلك الجماعة، وجعله يشمل الجميع أي العالم كله. جاء في المعجم العالم الجديد ويبستر” WEBSTER “ أنّ العولمة “Globalisation” هي: إكسابُ الشيء طابعَ العالمية،وبخاصة جعل نطاق الشيء، أو تطبيقه،عالمياً.
    وإلى جانب هذه التعريفات توجد تعريفات عدية للعلومة منها:-
    * يقول جيمس روزانو أحد علماء السياسة الأمريكيين عن العولـمة: "إنّها العلاقة بين مستويات متعددة لتحليل الاقتصاد والسياسة والثقافة والأيديولوجيا، وتشمل: إعادة الإنتاج، وتداخل الصناعات عبر الحدود وانتشار أسواق التمويل، وتماثل السلع المستهلكة لمختلف الدول نتيجة الصراع بين المجموعات المهاجرة والمجموعات المقيمة".
    * الكاتب الأمريكي الشهير ـ وليم جريدرـ في كتابه الصادر عام 1977م بعنوان( عالم واحد..مستعدون أم لا), وصف العولمة "بأنها آلة عجيبة نتجت عن الثورة الصناعية والتجارية العالمية, وأنّها قادرة علي الحصاد وعلي التدمير, وأنّها تنطلق متجاهلة الحدود الدولية المعروفة, وبقدر ما هي منعشة، فهي مخيفة. فلا يوجد من يمسك بدفة قيادتها، ومن ثمّ لا يمكن التحكم في سرعتها ولا في اتجاهاتها ".
    * " نظام عالمي جديد يقوم على العقل الإلكتروني، والثورة المعلوماتية القائمة على المعلومات والإبداع التقني غير المحدود، دون اعتبار للأنظمة والحضارات والثقافات والقيم، والحدود الجغرافية والسياسية القائمة في العالم".
    * "إنها حرية حركة السلع والخدمات والأيدي العاملة ورأس المال والمعلومات عبر الحدود الوطنية والإقليمية".
    * العولمة هي: " العملية التي يتم بمقتضاها إلغاء الحواجز بين الدول والشعوب، والتي تنتقل فيها المجتمعات من حالة الفرقة والتجزئة إلى حالة الاقتراب والتوحد، ومن حالة الصراع إلى حالة التوافق، ومن حالة التباين والتمايز إلى حالة التجانس والتماثل، وهنا يتشكل وعي عالمي وقيم موحدة تقوم على مواثيق إنسانية عامة".
    "هي تعاظم شيوع نمط الحياة الاستهلاكي الغربي، وتعاظم آليات فرضه سياسياً واقتصادياً وإعلامياً وعسكرياً، بعد التداعيات العالمية التي نجمت عن انهيار الاتحاد السوفيتي وسقوط المعسكر الشرقي" أو هي "محاولة لفرض الفلسفة البراجماتية النفعية المادية العلمانية، وما يتصل بها من قيم وقوانين ومبادئ وتصورات على سكان العالم أجمع".
    هي" العمل على تعميم نمط حضاري يخص بلداً بعينه هو الولايات المتحدة الأمريكية بالذات على بلدان العالم أجمع" وهي أيضاً أيديولوجياً تعبر بصورة مباشرة عن إرادة الهيمنة على العالم وأمركته". أي محاولة الولايات المتحدة إعادة تشكيل العالم وفق مصالحها الاقتصادية والسياسية، ويتركز أساسا على عمليتي تحليل وتركيب للكيانات السياسية العالمية، وإعادة صياغتها سياسيا واقتصاديا وثقافيا وبشريا، وبالطريقة التي تستجيب للمصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية.
    * العولمة : منظومةً من المبادئ السياسية والاقتصادية، ومن المفاهيم الاجتماعية والثقافية، ومن الأنظمة الإعلامية والمعلوماتية، ومن أنماط السلوك ومناهج الحياة، يُراد بها إكراه العالم كلِّه على الاندماج فيها، وتبنّيها، والعمل بها، والعيش في إطارها.
    وقد يسعى البعض لاستخدام مفهوم العولمة كمفهوم بشير لأداة تحليلية لوصف عمليات التغيير في مجالات مختلفة والتي تتضمن عملية مستمرة يمكن ملاحظتها باستخدام مؤشرات كمية وكيفية في مجالات السياسة والاقتصاد والثقافة والاتصال حبث يقيم مفهوم العولمة علاقة بين مستويات متعددة للتحليل : الاقتصاد ، السياسة ، الثقافة ،الأيدلوجيا ، ويشمل إعادة الإنتاج ، تداخل الصناعات عبر الحدود ، انتشار أسواق التمويل ، تماثل السلع المستهلكة لمختلف الدول ، نتائج الصراع بين المجموعات المهاجرة والمجموعات المقيمة " وثمة ثلاث عمليات تكشف عن جوهرهالعولمة: العملية الأولى تتعلق بانتشار المعلومات بحيث تصبح مشاعة لدى جميع الناس ، والعملية الثانية تتعلق بتذويب الحدود بين الدول ، والعملية الثالثة هي زيادة معدلات التشابه بين الجماعات والمجتمعات والمؤسسات . وكل هذه العمليات قد تؤدي إلى نتائج سلبية بالنسبة إلى بعض المجتمعات ، وإلى نتائج إيجابية بالنسبة إلى بعضها الآخر .
    فجوهر عملية العولمة من وجهة النظر هذه يتمثل في سهولة حركة الناس والمعلومات والسلع بين الدول على النطاق الكوني . والمواد والنشاطات التي تنتشر عبر الحدود و يمكن تقسيمها إلى فئات ست : بضائع وخدمات ، أفراد ، أفكار ومعلومات ، نقود ، مؤسسات ، أشكال من السلوك والتطبيقات.
    أما كيف تحدث العولمة ؟ وبعبارة أخرى ، بأي الطرق أو من خلال أي قنوات يتم انتشار السلع والخدمات والأفراد والأفكار والمعلومات والنقود والرموز والاتجاهات وأشكال السلوك عبر الحدود ؟ ففي في رأي روزناو ، تتم عملية الانتشار من خلال أربع طرق متداخلة ومترابطة :
    1- من خلال التفاعل الحواري الثنائي الاتجاه عن طريق تقانة الاتصال .
    2- الاتصال المونولوجي أحادي الاتجاه من خلال الطبقة المتوسطة . 3- من خلال المنافسة والمحاكاة .
    4- من خلال تماثل المؤسسات .
    ويربط آخرون العولمة بوصول نمط الإنتاج الرأسمالي عند منتصف القرن المنصرم تقريباً ، إلى نقطة الانتقال من عالمية دائرة التبادل والتوزيع والسوق والتجارة والتداول ، وإلى عالمية دائرة الإنتاج وإعادة الإنتاج ذاتها ، أي أن ظاهرة العولمة التي نشهدها هي بداية عولمة الإنتاج والرأسمال الإنتاجي وقوى الإنتاج الرأسمالية وبالتالي علاقات الإنتاج الرأسمالية أيضاً ، ونشرها في كل مكان مناسب وملائم خارج مجتمعات المركز الأصلي ودوله . العولمة بهذا المعنى هي رسملة العالم على مستوى العمق بعد أن كانت رسملته على مستوى سطح النمط ومظاهرة .
    وفالعلومة " هي حقبة التحول الرأسمالي العميق للإنسانية جمعاء في ظل هيمنة دول المركز وبقيادتها وتحت سيطرتها ، وفي ظل سيادة نظام عالمي للتبادل غير المتكافئ ".
    ويمكن رصد تجليات متعددة للعولمة، اقتصادية وسياسية وثقافية واتصالية: فالتجليات الاقتصادية تظهر أساساً في نمو وتعمق الاعتماد المتبادل بين الدول والاقتصادات القومية ، وفي وحدة الأسواق المالية ، وفي تعمق المبادلات التجارية في إطار نزعت عنه القواعد الحمائية التجارية بحكم ما نتج من آخر دورة للغات ، وإنشاء منظمة التجارة العالمية . وهذه التجليات الاقتصادية تبرز بوجه خاص من خلال عمل التكتلات الاقتصادية العالمية ، ونشاط الشركات الدولية النشاط ، والمؤسسات الدولية الاقتصادية كالبنك الدولي وغيره . هناك تجليات ثقافية للعولمة . حيث تنحو إلى توحيد القيم حول المرأة أو الأسرة وحول الرغبة والحاجة وأنماط الاستهلاك في الذوق والمأكل والملبس إنها توحيد طريقة التفكير والنظر إلى الذات وإلى الآخر وإلى القيم وإلى كل ما يعبر عنه السلوك وهذه هي الثقافة التي تدعو العولمة إلى توحيدها . والمشكلة المطروحة هي الاتجاه إلى صياغة ثقافة عالمية ، ولها قيمتها ومعاييرها ، والغرض منها ضبط سلك الدول والشعوب 00 والسؤال هنا : هل تؤدي هذه الثقافة العالمية – حال قيامها وتأسيسها – إلى العدوان على الخصوصيات الثقافية ،مما يهدد هويات المجتمعات المعاصرة ؟
    وفي السياسة هي الدعوة إلى أعتماد الديمقراطية والليبرالية السياسة وحقوق الإنسان والحريات الفردية وهي إعلان لنهاية سيادة الدولة ولنهاية الحدود ولتكامل حقل الجغرافية السياسية.
    وهناك عولمة اتصالية تبرز من خلال البث التلفزيوني عن طريق الأقمار الصناعية ، وبصورة أكثر عمقاً من خلال شبكة الإنترنت التي تربط البشر في كل أنحاء المعمورة . وتدور حول الإنترنت أسئلة كبرى ، ولكن المؤكد أن نشأتها وذيوعها وانتشارها ستؤدي إلى أكبر ثورة معرفية في تاريخ الإنسان .
    وعليه فإن ثمة رؤى وتعريفات متعارضة للعولمة ففي النصف الثاني من الثمانينات أصبحت العولمة ومرادفها التدويل مفهوماً شائعا في الدوائر الثقافية و والإعلامية وغيرها في عملية تكتسب العديد من المعاني وبدرجات متفاوتة من الدقة نتعامل مع العولمة كظاهرة حديثة ووتعتبر ثمة ارتباط بينها وبين الحداثة ومابعد الحداثة وأن مفهوم العولمة ينطبق على سلسلة خاصة من التطورات المتعلقة بتكون البنية Structuration الملموسة للعالم.
    ليس من اهتمام هذه السطور انتخاب تعريف دقيق لما يسمى بالعولمة منها سواء باعتبارها ظاهرة موضوعية أو تطوراً جارياً أو أطروحة نظرية بقدر ما تسعى لرؤية إلى أي مدى يمكن أن يقدم الخطاب التبشيري بالعولمة أيديولوجيا متكاملة أخذاً في الاعتبار الصعوبات المنهجية التي يطرحها هذا الفهم.
    و فهذا الخطاب يتضمن العديد من العبارات الأيديولوجية التي تمزج القيم بالوقائع وإذا كان من الممكن تحليل العولمة في معانيها الواقعية والقيمية فإن انتشار استخدام المفهوم من قبل نطاق عريض من الجماعات والمصالح يؤدي إلى صعوبة هذا التحليل فلو تم التسليم بأن الولايات المتحدة تتخذ من العولمة أيديولوجيا لها فإن هذا التقرير يثير عدة أسئلة تقتضي الإيضاح فماذا تعنيه كلمة أيديولوجيا أمريكية هل أن أصلها من الولايات المتحدة أم ان الولايات المتحدة نظام سياسي أيديولوجيته العولمة و من بين الأيديولوجيات المختلفة للعولمة هل للولايات المتحدة نسختها الخاصة من العولمة.
    فقد برز مفهوم العولمة Globalization بهذه النهاية المصدرية isation” التي تشير إلى العملية processes بينما تشير النهاية المصدرية العامة Globalism إلى مفهوم العالمية وقد تحولت إلى مذهبية أو أيدلوجية وبدت تتحدث عن العالمية على نمط بعينه كنمط محتوم في إطار المعمورة ومسيرتها إلا أن هذه الدعوة المذهبية غالباً ما تحمل من عناصر تشير إلى التفرد أو التنميط ـ فإنها قد تواجه بنوع من التحدي والمواجهة في إطار تحول فكرة العالمية من النطاق العام لنماذج متعددة إلى نطاق حتمي يؤكد على عالمية بعينها دون ما سواها من رؤى وأيدلوجيات ، وهي بذلك تدخل إلى سياق السجال الأيدلوجي وتولّد عناصر التحدي المعرفي والثقافي والمنهجي والحضاري بوجه عام.
    إن الأيديولوجيا تحمل توقعات بأن الشخص أو الجماعات التي تعتنقها سيستجيب للعالم الذي تصفه الأيديولوجيا على نحو معين فهي تذكر ما ينبغي أن يكون عليه العالم وتشكل إطاراً لتقويمه وتفي العولمة بهذا المعيار الوظيفي كإطار لرؤية وتقييم العالم والتغيرات الجارية.فمثلاً الوعي بانكماش العالم له أهمية الانكماش الفعلي للعالم بل إنه في رأي رونالد روبرتسون السمة المميزة للعولمة في التسعينات.
    الأيدلوجيا بما لها من سطوة تحرك عناصر وصف ورصد الواقع بما يتواءم أو يتلاءم مع مقولاتها الأساسية والمفتاحية. وهذا في إطار أفكار كبرى كالعولمة تمثل عناصر حاجبة ، وغالباً حينما يقتصر هذا التفكير على عناصر:-
    التفكير الجزئي ، أو التفكير القاصر ، أو التفكير الذي يمد الجزء على الكل ، أو التفكير التفسيخي الذي يحرك عناصر إمكانية الفصل التعسفي للجزء عن الكل (فسخه) ، وكل ذلك قد يحرك عناصر التفكير الواحدي أو يكاد، أو على الأقل يجعل لذلك العامل الوزن الأكبر (المتغير الأصيل) والمتغيرات التابعة، وأن المتغيرات الأخرى لا ترى إلا ضمنه ومن خلال منظوره ورؤيته . يمكن أن نشاهد ذلك ضمن سياقات التفسير الاقتصادي لظاهرة العولمة سواء في توجهاتها الليبرالية القائمة على الخصخصة كفكرة عالمية تؤكد عناصر حرية السوق والتجارة باعتبارها خطا لا منافس له وباعتبارها تهيئ عناصر بنية تحتية لكل عناصر الممارسة السياسية المرغوبة (الديمقراطية ـ حقوق الإنسان ـ تحرير الاقتصاد) أو مواجهة هذه المقولة التي تحمل عناصر التحليل المادي الاقتصادية بمقولة أخرى من نفس المعين ولكنها تختلف في التفسير في إطار نقدها وتحفظها على فكرة العولمة ، وهي تتخذ من مقولة النظام الاقتصادي الرأسمالي العالمي كمنطلق لتحليلها وفق مقولات تحليل ماركسي تعبر عن عالمية السوق الرأسمالي وما يتبع ذلك من عناصر مهمة ومتابعة هذا التحليل سواء في المدرسة الماركسية التقليدية أو مدرسة التبعية تتحركان ضمن هذا المسار وهذان الاتجاهان على اتحادهما في القاعدة المتعلقة بالتفسير المادي الاقتصادي ، إلا أنهما يختلفان في المقولات وبنائها ، ومحاولة إيجاد عناصر تحليل وتفسير محكم يرتبط بالضرورة بعناصر تعميمات وتقويمات بل وتنبؤات على شاكلتها.
    إلا أن الأمر لا يقتصر على هذا التحليل الواحدي في مجال "الاقتصاد" ، ولكن في الآونة الأخيرة برز تفكير يؤصل معاني العولمة ضمن مسار أوحد أو وحيد أو على الأقل (العامل الأول الذي يشكل قاطرة لما عداه من عوامل وهو المتعلق بمنحى "التفسير الاتصالي" للعولمة، والمتحرك صوب المعلوماتية . وهو تفسير يلقى الآن من الحجية ما يجعله ينافس التفسير المادي الاقتصادي ، إلا أنه مع تأصل هذا التفسير الذي بدأ يبرز مع الحديث عن العولمة كعملية as a Process هذا من جانب، ومن جانب آخر فإنه لا ينكر بحال من أصحاب التفسير المادي الاقتصادي في منحاه الليبرالي الرأسمالي، و في منحاه الماركسي الاقتصادي ، بل كل منهما يحاول أن يجد له مكاناً في تفسيره ، أو على الأقل فإنه لا ينكره من حيث الواقع في إطار بلوغ الحداثة إلى دائرة المعلوماتية وهي محاولة للبحث في أصول التقنية ومولداتها التي تحرك سوق المعلومات نحو إنسياب وانفتاح وحرية حركة عالمية. إلا أن هذا المنحى من التفسير بدأت تلتقطه جماعة من الباحثين الإعلاميين في محاولة للبحث عن عمليات على الأرض لا تحرك عناصر التفكير الأيدلوجي (الليبرالية ـ الماركسية) إلا أنها على الرغم مما تجد من قبول فإن التفسير الأيدلوجي لم يعد بعيداً عن مجالها أو مقولاتها ، مما أضفى عليها عند البعض طابعاً أيدلوجيا تتدخل فيه عالم الأيدلوجيات المستحدثة في إطار التبشير بعالم المعلومات العالمي والمعلوماتية كمذهبية وأيدلوجية تنتمي إلى عالم الأيدلوجيات "Isms".
    إن العولمة كايديولوجيا تتضمن تفسيراً تاريخياً لما كان عليه العالم وكيف تطور على هذا النحو الذي استمر وسيستمر معولماً وأن كل ما تتضمنه العولمة أو على الأقل أغلبه جيد
    إن العولمة تتضمن اقتصاداً سياسياً علمانياً لكنه أكثر تنوعاً وتعقيداً من الاقتصاد السياسي القومي فأغلب ما يتحدد على أنه جيد وعادل مأخوذ من النظريات العلمانية والقومية للاقتصاد والنمو الاقتصادي لكن نظراً لتحول الاقتصادات للسياسة فإن أيديولوجية الاقتصاد السياسي الكوني أو العالمي لابد أن تكون قادرة على تأكيد ما شكل الحكومة الجيدة وما اشكال الكوابح الاجتماعية التي يجب فرضها على المجتمعات.
    والأهم أن الاقتصاد السياسي العالمي يجب أن يؤكد أن العالم ليس مبارة صفرية بين دول متصارعة بلإن الجميع سيثرون بالدخول في نظام مشترك من الانفتاح والتبادل والنشاط الخلاق العولمة لابد أن تكون تنموية لأنها كأيديولوجيا علمانية عن عملية التغير لابد أن تؤكد أن العالم سيتغير و سيتغير للأفضل ومناهضوا الأيديولوجية يتفقون على معرفة ما تتضمنه هذه العملية لكنهم يرفضون بأن ما يحدث هو امر جيد.

    الأساطير المؤسسة للعولمة
    لكارل ماركس مقولة مهمة وهي أننا لا نستطيع معرفة أي عصر من خلال وعي هذا العصر بذاته .. وإنما يتم ذلك من خلال فهم حقيقة الموضوعية : بنيته الاجتماعية وآليات عمل هذه البنية ويكشف تحليل خطاب الأيديولوجيا التيث تنتجها هذه البنية الاجتماعية عن طبيعة المصالح التي تكمن خلفها وأدواتها لتكريس الواقع وخلق القبول بها من خلال ما تروجه من أساطير ومن هنا تأتي اهمية تحليل أهم الأساطير التي يتضمنها خطاب العولمة ومن أهمها
    أسطورة اللوثيان فالعولمة وفق تلك الأسطورة شأنها الوحش البحري الذي رسمه على كتابه الذي يشير إليه بهذا الاسم فهذا الوحش المرعب برغم أنه مكون من الأفراد فإنه بعيد عن أي إمكانية للتحكم أو التوجيه فقوى العولمة وفق هذه السطورة انطلقت من عقالها بفضل التقدم التكنولوجي بحيث أصبحت هناك صيرورة كونية تذوب فيها الثقافات القومية والاقتصادات القومية والحدود القومية فاقتصادياً برز اقتصاد عالمي تمت عولمته من ناحية ديناميكياته الأساسية فأصبح خاضعاً لقوى السوق الجامحة التي أصبحت تحكم طيفاً واسعاً من التفاعلات الاقتصادية بحيث أصبحت العلاقات الاقتصادية غير قابلة للتحكم حتى من أكبر الكتل الاقتصادية فضلاً عن الاقتصادات القومية و لايبقى للفاعلين القوميين والإقليميين سوى التكيف مع قوى العولمة وهناك أسطورة المشهد الأخير التي يعبر عنها فوكوياما في آخر كتابه (نهاية التاريخ.. والإنسان الأخيربقوله "موكبٌ هائلٌ من العربات على طول الطريق، بعضُها يُجَّرَ بِطريقة حتميةٍ باتجاهِ المدينة، بينما بعضُها الآخر يستقر في مخيماتٍ في عراء الصحراء، بعضُها يغوصُ في
    أخاديد الممر الجبلي الأخير، العديدُ منها سوف تُتْرَكُ مهشمةً بعد أن يهاجُمها الهنودُ الحمر؟!!! بعضُ أفراد الموكب سيفقدون مسارُهم ويسيرون باتجاهٍ خاطئٍ زمناً، وقد تُقَرر عربةٌ أو اثنتان إقامةَ مخيماتٍ دائمةٍ في إحدى مراحل الطريق لترتاح من عناء الرحلة، آخرون سيجدون دروباً بديلة.. الأغلبيةُ العظمى ستصل إلى المدينة، العرباتُ متشابهةٌ مع بعض الاختلافات التي تدل على وضعها أثناء الرحلة.. حينَها سَيُقِرُّ كلُّ عاقلٍ أنه لا توجد إلا رحلةٌ واحدة، ووجهةٌ واحدة...." هذه الوجهة التي يقصدها فوكوبياما هي النموذج الرأسمالي الليبرالي في تعبير بليغ عن أيديولجيا التقدم وتاريخيا ارتبط مفهوم التقدم بتشكل المؤسسات والقوى الاجتماعية الفاعلة التي تقودها الطبقة الرأسمالية وجماعة المستثمرين والدولة الحديثة فأصبح التقدم سلاحاً حاسماً في التاريخ الأوربي وفي التاريخ الذي كتبه الأوربيون لشتى بقاع العالم إن الإيمان الأوربي بالتقدم "مرده تاريخهم الخاص وخاصة في الأجزاء الشمالية الغربية الفقيرة من أوربا" إن تجربتهم الخاصة من سقوط الإمبراطورية الرومانية حتى الازدهار الصناعي أيام آدم سميث تجعلهم يؤمنون بالتقدم الخطي ومن ثم فهم لا يقتنعون بتقلب الزمان وصروف الدهر التي تذخر بها الحضارات الأخرى إن الأوبئة والحروب التي انتشرت في أوربا والأعداء الأقويا المحدقون بها على الحدود قد صاغت الكيفية التي واجهوا بها التنوع مواجهة ناجحة لقد رفضوا كل ما هو أجنبي عليهم من عقائد وأفكار وحتى أسلحة وأمراض" فأصبح جوهر هذا الفكر " عدم الاستعداد لتقبل ثقافات الآخرين في أرجاء المعمورة الأخرى والذين لم يعيشوا المجتمع الصناعي ومابعده ومن ثم رفض أي نقد لفكرة التقدم.أصبح التقدم عقيدة محركة للغرب الحديث لكن بدون أخلاقيات و لا مثل ويظهر بشكب مكثف في حالة الولايات المتحدة.
    الأمريكية التي نشأت على أساس عقيدة التقدم والحماس للرسالة والتشبس بها دون انقطاع فالولايات المتحدة اعتبرت ديمقراطيتها الوصفة الكونية للتقدم واعتبرت تاريخها هو النموذج العالمي لتفعيل الاستقلال والديمقراطية والتقدم ويتبين من السياسة الخارجية الأمريكية أن كل حركة استقلال بقوم بها شعب من الشعوب إنما تهدف لتحقيق الديمقراطية على الطريقة المريكية فهذا شئ من الطبيعي أن يتمناه الناس من قلوبهم و في مرحلة الرأسمالية الاحتكارية تبرز فكرة "العالم الواحد" الذي يرى نفسه جماعة تضامنية من الدول الحرة عليها التزام بالعمل من أجل تنمية جماعية موحدة وهذه الفكرة لم تنشأ من لقاء نفسها من عمليات غير منسقة برغم أننا نشهد اليوم تحقيق هذه الفكرة باعتبارها نتيجة لعملية مجهولة لا تتوقف ستؤدي إن عاجلاً أو آجلاً إلى نفس النتيجة. هذه الرؤية تتفق مع نمط التفكير الذي يحبذ النظر إلى التطورات التاريخية كنتائج حتمية .. ف"العالم الواحد" محصلة لعمليات حتمية أبرزها التقدم العلمي والتقاني الذي فرض تزايد الاعتماد المتبادل بين الدول وعجل به و تطور العالم وفق هذه الرؤية يصير خطياً في تقدم مطرد لكي يصل إلى أن يصبح سوقاً كبيراً
    في حقبة (العولمة) الجديدة لا يعتبر السوق وسيلة تقنية لتوزيع وتخصيص البضائع والخدمات ولاشك أن زماننا هذا تميز بإيمان عميق في قدرات الوسق على حل مشاكل العالم إن وهم انتصار أيديولوجية السوق قد ازداد بعد انهيار الأنظمة الشمولية في شرق أوربا وأصبح السوق هو الحل السحري لكل مشاكل المجتمع سواء في الشمال أو الجنوب إن تحول السوق من دلالاته الأصلية كمكان للبيع والشراء أي مدلول جغرافي إلى مفهوم اقتصادي يبدأ في طرج فكرة التحكم في المجتمع وأيديولوجيا النموالللامتناهي بوصفها حلاً أوحد وأمثل لكافة المشاكل من خلال تأكيد الطابع الاقتصادي لفكرة السوق كمفهوم وصياغة المصطلحات السحرية الثلاث العرض والطلب والسعر وفكرة الحرية الوهمية للفرد وسلوكه الخاص داخل السوق فظاهرة عدم الانتمناء داخلة ضمنياص في فكرة الحرية فالفرد حر طالما كان غير محدد الهوية بمعنى تحلله من كل الالتزامات الأخرى سواء اجتماعية أو أخلاقية فقيمة الحرية تتحدد بإعلاء القيمة الاقتصادية في ذاتها أو علىحد تعبير كارلوبولاني استقلالية المجال الاقتصادي ففي في مجتمعات ما قبل التحديث لم يكن الاقتصاد المجال الأهم للفعل الإنساني ومع تطور الحداثة أصبح ثمة اقتناع بأن الرغبة في الثروة هي دافع كوني وطبيعي وعام وانتشرت عملية تحويل كل شئ لسلعة (التسليع) لتعمل على كافة مستويات الحياة الاجتماعية وهنا يتساءل برتو ما هي حدود السوق وهل يجب أن يحتوي المجتمع السوق أم يجب ترك السوق
    تنطلق أيديولوجيا العولمة من أن هناك خطاً واحداً للتطور البشري لابد أن تسير فيه جميع المجتمعات البشرية متبعة قواعدثابتة ونظماً محددة فالمجتمعات الأمريكية والأوربية تمثل قمة الحضارة الإنسانية من حيث التطور العلمي والاقتصادي في حين أن بقية الشعوب غير المعولمة هي مجتمعات راكدة متخلفة إن توسع اقتصاد رأسمالي عالمي يتمركز في أوربا وأمريكا قد خلق تناقضا بين التحديث والتغريب وكان أبسط حلول هذا المأزق التأكيد على أنهما متطابقان فإنجاز التحديث في أسيا وأفريقيا بقدر ما تنغمس في التغريب أي أن أبسط حل هو القول بأن الثقافة الغربية هي ثقافة عالمية فكان الشكل المبسط الي اتخذته هذه الأيديولوجيا مستمرأ لفترة طويلة تحت شعار (نشر الحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية كرسالة حضارية) وقد يتخذ هذا شكلاًُ أكثر تعقيدا كالزعم بأن حضارة الغرب هي الوحيدة التي استطاعات أن تتطور من الشكل ما قبل الحديث إلى الحداثة ثم دخلت مرحلة ما بعد الحداثة في حين أن الثقافات الأخرى تجمدت ترايخياً وعاجزة عن التطور والتحديث يتطلب التغريب فمن لم يعتنق إحدى ديانات الغرب على أن يتخذ إحدى لغاته ومن لم يتخذ إحدى لغات الغرب عليه أن يتقبل تكنولوجيا الغرب التي يقال أنها تقوم على مبادئ العلم العالمية وفي نفس الوقت الذي كان أنصار أيديولوجية العولمة يبشرون فيه بمزايا التغريب والتكيف كانوا يبشرون بفضائل الاختلاف واستغلوا مقولة التعددية الثقافية لتبرير تربية جماعات عديدة في "ثقافاتهم" المستقلة وإعدادهم لمهام مختلفة في الاقتصاد الواحد.
    ووتتجاهل هذه السطورة أن مفهوم العولمة يشير إلى طور انتقالي أكثر مما يعبر عن واقع إرادة تتجه للتحقق الفعلي
    وليست فعلاً تاريخياً حاصلاً متحقق ومكتمل فنحن لا نستطيع اليوم أن نتحدث عن العولمة كأمر واقع، كفعل مجسد في التاريخ، فالأمر كما يجري يتضمن جملة من المؤشرات أغلبها اقتصادي وكثير منها ينتمي إلى مجال التكنولوجيا عموماً وتكنولوجيا الاتصال على وجه الخصوص، فالعولمة مشروع، وعملية إغفال الطور المرحلي
    الراهن وهو جزء من عملية تمويه تبحث له عن مسوغات إضافية تمنحه جدارة التحقق في الوقت الذي يمكن العمل على تحويل اتجاهه، وذلك بإدخال شركاء جدد أو معطيات جديدة تخفف من حدة النتائج التي يمكن أن تترتب عنها متى تحققت فعلاً على أرض الواقع يبقى التوقف عند أحد الأساطير الأساسية لأيدلوجيا العولمة وهي أسطورة الأيقونة .‏
    أسطورة الأيقونة
    تنبني هذه الأسطورة على نقض ثنائية الواقع والتمثيل واستقلالية التمثيل باعتباره اتجاه التطور المستقبلي لتأسييس مجال الهيمنة الأيديولوجية من خلال التركيز على التفصيل في انعزالها بعيداً عن التساؤل حول المعنى والغائية وتتجلى هذه الأسطورة في الاقتصاد في مقولات المدرسة النقدية لفريدمان وهو من أعلام الليبرالية الاقتصادية حيث يكتسب الاقتصاد الرمزي استقلالية بل وأولية على الاقتصاد العيني تصبح النقود ليست أحد أدوات قياس وتخزين القيمة وتنفيذ السياسة الاقتصادية بل تمتلك قيمة في ذاتها وثقافياً في مقولة ما بعد الحداثة انتهاء الحكايات الكبرى والطابع الفكري للثقافة بما يفسح المجال لتشكيل نوع من الثقافة الاستهلاكية التي تقوم على كثافة استخدام الصورة وبالأخص في الدعاية الإعلان .
    الأيقونة باليونانية تعني صورة أو تمثيل، ومنها التأيقن بالنحت. وفي السياق المسيحي، تشير كلمة «أيقونة» إلى لوحة أو رسم بارز وبالفرنسية: bas-relief أو لوحة فسيفسائية للمسيح أو العذراء (وأحياناً أحد القديسين). وكانت الأيقونات تُعتبَر أداة مساعدة أو وسيطاً للعابدين حتى يمكن للشخص المقدَّس" المصوَّر في الأيقونة والمتجسِّد فيها، أن يستمع لدعواتهم الأيقونة حينما يظن العابد أنها تصبح موضع الحلول الإلهي بالفعل لا مجرد رمز له، والتمثال حينما يظن العابد أن الإله حل فيه فأصبح التمثال هو الإله، أي تَصنَّم حيث تشير الأيقونة إلى تلك الصورة التي تكتسب قداسة من ذاتها باعتبارها تتضمن الدال والمدلول معا وبشكل عام هي علامة تدل على موضوعها من حيث أنها ترسمه أو تحاكيه وبالتالي يُشترَط فيها أن تشاركه بعض الخصائص.
    وفكرة الأيقونة هذه فكرة قديمة تعود إلى محاولات الإنسان البدائي للسيطرة على الكائنات الأخرى من خلال رسمها وقد قابلها الفكر اليهودي المسيحي في مراحله الأولى بنوع من الشك حيث جرى النظر إلى عالم الصور باعتباره عالماً منفصلاً عن عالم الرب وفي خصام معه ثم انسحب هذا الارتياب عندما تحولت للتعبير عن الواقع وارتبطت بالحقيقي وبذلك أصبحت وظيفتها الأساسية التعبير عن الواقع وارتبطت بالحقيقي وبذلك اصبحت وظيفتها الأساسية هي " التعبير " هن الشياء وتحميلها معاني ومضامين بينما همشت الشكال والوظائف العاطفية وكافة التأثيرات الشعورية التي تمارسها الصورة على المتلقي ثم أخذت الصورة تكتس قداسة ذاتية من التعبير عما هو مقدس وتحولت إلى أيقونة ومن ثم أصبح للتمثيل استقلالية ذاتية.
    تتسم فلسفة ما بعد الحداثة باستقلال التمثيل فالتفكيك يتحدى الاعتقاد الواقعي الذي يذهب إلى أن العلاقات اللغوية تشير لأشياء واقعية وبدلاً من ذلك توحي بأن ما ندركه على أنه العالم "الواقعي" قد شيدته لنا أنظمة الدلالة التي نستخدمها لتمثيل الواقع بما أدى لطرح فلاسفة ما بعد الحداثة مسألة ما إذا كان مفهوم الأيديولوجيا لا زال لازماً لأنها تشير لنوع من التمايز بين الحقيقة والزيف فإذا آمنا بقوة التمثيل في تشييد الواقع أصبح من الصعب الاحتفاظ بهذا التمييز وقد تكون هناك "تأثيرات حقيقية" تنتجها أنظمة الدلالة المتنوعة أو الخطابات وما هو أكثر من ذلك فإن ما بعد الحداثة تناوع في وجود وعي مستقل أو ذات مستقلة فإذا لم تكن هناك تجربة دون تمثيل فإن وسائل التمثيل يجب أن تكون سابقة على نفس تجربتنا بذواتنا الخاصة فحجة ما بعد الحداثة أن الذات ينتجها تبادل التأثير بين أنظمة الدلالة التي تخصص لها هوية معينة دون إرادة مستقلة من جانبها.
    وعلى الرغم من أن مابعد الحداثة توافق على أن المفاهيم تتحدد بما لاتكونه بواسطة "الآخر" القائم إزاءها فلا تتأسس هوية الذات إلا في علاقتها بالموضوع والعكس بالعكس فإن ما بعد الحداثة تصر على هذا أن هذا الاختلاف لا يقبل اختزالاً بين العناصر الفردية نظراً لاعتقادها بأن التمثيل مستقل فلكي ينتسب المفهومان لبعضهما يجب أن يجري تمثيل الذات والموضوع باللغة فهي الوسيط الذي تؤسس فيها الذات هويتها ومن خلاله تزاول الخبرة بالموضوع فتذهب ما بعد الحداثة إلى أن وسيط التمثيل سابق على العناصر التي يفترض أنه يتوسط بينهما فهو مكون لها ولما كانت العلامات اللغوية لا تكتسب معناها إلا بختلاف كل منها عن الآخر فإن حدي القسمة الذات والموضوع يجب أن يظلا متميزين ولا يمكن إدراجهما في كلية تتخطاهما.إن ما بعد الحداثة تطمس مشروعية مفهوم الأيديولوجيا من خلال تحديها لمفهوم الذات والكلية والنموذج المرجعي الإشاري للتمثيل.
    إن ما بعد الحداثة تحتفي باستقلال التمثيل وإن النقود وهي شكل للتمثيل تواصل نموها نحو مزيد من الاستقلال ومنن المؤكد أن ذلك يبدو مدعماً لافتراض اقتصاد السوق أن النقود ليست مجرد نظام من العلاقات يشير إى أشيلء واقعية بل تمتلك قيمة باطنة فيها.
    وشهد التطور الرأسمالي اتجاهاً مماثلاً حدث تحول إلى الاستهلاك والاقتصاد المركز على التبادل ويسود تاريخ الرأسمالية التأكيد الدرامي لوسائل التمثيل فالنقود مثلاً هي في الأصل رمز يستخدم لتمثيل أشياء مادية لكي يمكن مبادلتها لكن هذا التمثيل في اقتصاد السوق يصبح غاية في ذاته منحياً الأشياء الواقعية التي ترمز لها النقود المسيطرة على الاقتصاد العالمي في عالم ما بعد الحداثة ويواصل التمثيل ابتعاده أكثر فأكثر عن أي أساس واقعي ليصير أكثر تجريداً خطوة بعد خطوة ليحول إلى أرقام على شاشات الحاسب وسعر فائدة وثقة مستثمرين وفي نفس الوقت تصير النقود قوة فاعلة أو ذاتية بحيث يكون لأدق التقلبات في العلاقات بين الشكال المتنوعة للنقود آثار عميقة على الحياة المادية للبشر في جميع أرجاء العالم فاقتصاد ما بعد الحداثة يتميز باستقلال التمثيل.
    وفد وقع هذا التطور الاقتصادي محاذياً لصعود مناظر من جانب الوسائل التكنولوجيى للتمثيل إلى مستوى عال من البروز الثقافي وصولاً إلى رقائق الليزر المركبة والإنترنت شهد القرن العشرون انفجاراً غير مسبوق في عدد وأنواع الصور التي يتعرض لها الناس كل يوم ولأن هذه الوسائل تدار عادة مستهدفة الربح فكانت النتيجة قذف الناس بتوصيات لا تنقطع لشراء السلع والخدمات فنحن نعيش عصر الصورة المتأيقنة.
    فانطلاقاً من مبدأ رفض وظيفية الصورة عملت ما بعد الحداثة على تخليص الصورة من ذهنيتها والتعامل معها من منطلق حسي بحت فبعد أن كانت الإنسان يحول الصور إلى دوال للأشياء فتفقد وجودها لذاتها تعتمد ما يعد الحداثة رؤية ظاهرية للصور تتيح الاهتمام بالشياء والأحداث في حضورها العيني فالديانات الجديدة التي يمثلها جنون الرياضة أو الحفلات الموسيقية أو المناسبات الاستهلاكية البحت هي ديانات بدون عقيدة غير ثابتة لكنها تقوم بوظيفة الربط بين الجماهير وفي كل تلك الأحوال تكون الصورة هي أداة الربط التي تعمل على بناء التحيزات من خلال تراكمها وتظهر ثقافة الإحساس هذه بوضوح في الدور الذي يقوم به شبكات الإعلام في توحيد المشاعر مستغلة إمكانات البث العالمي خاصة في المناسبات الكبرى مثل الاحتفالات الرياضية والفنية والأحداث الكبرى.
    ثقافة العولمة هي ثقافة الصورة المتأيقنة التي استطاعت تجاوز الحوجز اللغوية وانتشرت بشكل سريع نتيجة تطور التكنولوجيا في البلدان التي تصدر هذه الثقافة فقد تشكلت امبرطوريات إعلامية مهمتها تصدير ثقافة الصورة بالنظام السمعي البصري استفادة من تراجع معدلات القراءة وخطورة هذه الصور أن وسائط الإعلام أصبحت تحل بشكل متدرج محل الأسرة والمدرسة في التربية الهدف النهائي للعولمة هو السيطرة على الإدراك ليتم إخضاع النفوس أي تعطيل فاعلية العقل وتكييف المنطق والتشويش على نظام القيم وتوجيه الخيال وتنميط الذوق وقولبة السلوك وبالتالي فهي تكريس لنوع معين من الاستهلاك ولنوع معين من المعارف والسلع والبضائع.
    إن أي نمط إنتاجي يرتبط بنمط المجتمع،بحيث يؤثر هذا على ذاك.وأحد أسباب فشل إن أي نمط إنتاجي يرتبط بنمط المجتمع،بحيث يؤثر هذا على ذاك.
    لقد انصبَّ عمل النظم الغربية وفي مقدمتها النظام الأمريكي على بناء " مجتمع السوق" ليرافق اقتصاد السوق في إطار العولمة.‏ و بروز أيديولوجيا " استهلاكية" تمر أساساً عبر المناخ الذي يخلقه مجموع النشاطات التجارية والمالية ومن خلال الدعوات المستمرة للشراء (دعاية،مجمّعات تجارية كبرى،اختراعات تكنولوجية مستمرة الخ…)لكن هذه الإيديولوجية تنتظم لتشكل مذهباً بفضل مئات ملايين الدولارات التي تستثمَرُ كل سنة لتمويل آلاف المثقفين و "علب التفكير ( think thanks) والدوريات,والمجلات والصحف اليومية وبرامج الإذاعة والتلفزيون.‏
    إن آلة وسائل الإعلام لا تكف عن بث هذه الإعلانات شديدة النجاح التي تغرس عامدة في الذهان بعض أنماط التفكير والسلوك وهي تفعل ذلك بواسطة خلق أو تقوية تحيزات ومشاعر عدم أمان مصطنعة بهدف الربح وما تزال الإعلانات عاكفة على تلاعب مماثل بالرغبات والمطامح الإنسانية من أجل المصلحة الخاصة إن الشركات الكبرى الرأسمالية تنشر على نحو نسقي "مفهوم الكائن الإنساني بعتباره مكنة رغبة لا تشبع أو باعتباره حيواناً تحكمه رغبات لا متناهية وهذا يحمل شبهاً غريبا بصورة الذات التي ترسمها فلسفة ما بعد الحداثة.
    غاية مفهوم ثقافة الاستهلاك أن الجماهير في ظل الرأسمالية لا يمكن الاعتماد عليها للاستمرار في الشراء وبشكل واضح عندما لا يكون لديها سيولة فائضة وإمكانية الحصول على بطاقة ائتمان فكان ابنتداع ثقافة الاستهلاك مرتبط بالضرورة الملحة المفروضة فرضاً التي تنشرها الرأسمالية على نطاق عالمي للبيع للمزيد من السلع والخدمات بغض النظر عن مسألة الحاجات الأساسية للناس.
    كما تشرح ثقافة الاستهلاك سبب اجترار الأطعمة السريعة التي ثبت أنها غير صحية ولماذا يغرق الناس في الديون من أجل شراء مجموعات جديدة من الملابس والسيارات الغالية ...بل واللغز الغامض ما سبب تحدي الفقراء في الشمال والجنوب على السواء للتعقل والاتزان الاقتصادي بشرائهم للماركات العالمية الغالية لكي يزوروا إحساساص ما بالهوية إن التسوق هو ثاني أهم نشاط لوقت الفراغ في الولايات المتحدة بعد متابعة التليفزيون فأصبح التسوق الأسلوب المهيمن على الحياة العامة المعاصرة وربما كان هذا صحيحاً بالساس بالنسبة للعالم الأول فقط وبعض أعضاء النخبة المنتفعين في أماكن أخرى لكن بقية أنحاء العالم تبدو ستلحق بهم بسرعة فيعد المجمع الاستهلاكي ثالث حيز عام بعد البيت والمدرسة والعمل لكي نرى ونري فلم تعد مجرد أماكن للبع والشراء لكنها تشغل وظائف أخرى متزايدة (ثقافية،تعليمية، العناية بالأولاد.... ) وارتفع معدل متوسط الوقت الذي يصرف في الرحلات لمراكز التسوق من عشرين دقيقة في الستينات إلى ثلاثة أرباع الساعة في التسعينات بعد توفير فرص الاجترار الدائم للسلع الاستهلاكية في أسواق الطعام السريع
    إن انتشار مضامين أيديولوجية ثقافة الاستهلاك والمؤسسات الثقافية التي تبنى عليها من قلب مركزها في العالم الأول إلى بقية أنحاء العالم هو تغيير اجتماعي على قدر كبير من الأهمية بحيث أصبح ي هجوم على الاستهلاكية هو هجوم على صميم الرأسمالية العالمية.
    فالعولمة الرأسمالية تشهد بروز مؤسسات ضخمة تغزو الفرد وتحتويه وتُرشِّده وتُنمِّطه وتُشيِّئه وتُوظِّفه لتحقيق الأهداف التي حددتها من خلال فكرة الاستهلاك فالمجتمعات الاستهلاكية المتعولمة تتسم بالهيمنة الكاملة للمؤسسات الرأسمالية على السلطة وسيطرتها على عملية الإنتاج والتوزيع، بل صياغة رغبات الناس وتطلعاتهم وأحلامهم (أي أنها تتحرك في كل من رقعة الحياة العامة والخاصة)، فهي تنجح في خلق طبيعة ثانية مُشوَّهة لدى الإنسان إذ يتركز اهتمامه على وظيفته التي يضطلع بها (فهو إنسان وظيفي) وتتركز أحلامه على السلع ويرى ذاته باعتباره مُنتجاً ومُستهلكاً وحسب، دون أدنى إحساس بأية غائية كبرى أو هدف أعظم، ويرى أن تَحقُّق ذاته إنما يكمن في حصوله على السلع. ويتم إشباع كل رغبات هذا الإنسان داخل مجال السلع هذا حتى يصبح الإنسان أحادي البُعد تماماً (مُتسلِّعاً مُتشيِّئاً) مرتبطاً تماماً بسوق السلع حدوده لاتتجاوز عالم السوق والسلع ولأن السلعة شيء، فإن التَسلُّع قد يعني أيضاً التَشيُّؤ. فالتَشيُّؤ معناه أن يتحول الإنسان إلى شيء، تتمركز أحلامه حـول أشـياء ولا يتجاوز هو السطح المادي وعالم الأشياء.
    هل يبدو القديم في ثوب جديد هل هي المسيرة الجارية على الدوام لعملية إضفاء الطابع السلعي على الاشياء أي الشكل القديم للعولمة الذ ي يعمل بالكامل من أجل الحفاظ على الغرب والذي يقدر ببساطة على امتصاص كل شخص آخر داخله أم ان هناك شيئاً مهماً حول عدم إمكانية تقدم العولمة بدون أن تتعلم العيش مع الاختلافات والعمل من خلالها يظهر هذا في أشكال الإعلان الحديثة فهي لاتزال قائمة على أصنام فورد القديمة لكن إلى جانبها أمور جديدة فأن تتواجد عند حافة الراسمالية الحديث يعني أن تأكل خمسين نوعاص مختلفاً من الطعام من مطابخ مختلفة في أسبوع واحد المرء يتعجب من التعددية ذلك الشكل شديد المركزية والتكامل من أشكال السلطة الاقتصادية الذي يعيش ثقافياً من خلال الاختلاف فمن يأكلون هذا المطبخ الدخيل لا يأكلونه في كلكتا بل في مانهاتن . إنها المتعة الدائمة بلا نهاية لا شئ سوى المتعة وهذا عالم مابعد الحداثة العالمي إنه صوت الاستهلاك اللانهائي الممتع
    فثقافة الاستهلاك تعلن حرفيا إن معنى الحياة يوجد في الشياء التي تملكها وبذلك فأن تستهلك يعني أننا أحياء ولكي نبقى أحياء يجب أن نستهلك باستمرار الناس هم مستهلكون في المقام الأول وهدف النشاط الاقتصادي"للأعضاء العاديين" للنظام الرأسمالي العالمي هو توفير موارد للاستهلاك وهدف النشاط السياسي هو التأكيد على أن شروط الاستهلاك محافظ عليها.
    إن المشروع الفكري الثقافي للرأسمالية العولمية هو إقناع الناس بان يستهلكوا أكثر من جاجاتهم البيولوجية الطبيعية ليساهموا في عملية تراكم رأس المال بهدف الربح الخاص أو بعبارة أخرى للتأكد من ان النظام لرأسمالي العالمي سيستمر
    ومن ناحية أخرى فإن ما بعد الحداثة تنقد الميل لإرجاع الظاهر الجزئية و الفردية إلى سياقها داخل كل شامل بتاكيدها على فكرة الاختلاف فيجب أن نرى الشياء منفصلة متغايرة بدلاً من اعتبارها أجزاء في كل اجتماعي لكن هذا يتناقض مع الرؤية الكلية التي تشير بأن الظواهر المعزولة لايمكن أن تفهم فهماً صحيحاً إلا إذا أخذت في علاقتها بكلية المجتمع وفي السياق الشامل للتاريخ الإنساني فهذا السياق يمكن أن يقدم مقياساً نستطيع بواسطته تقييم الممارسات الجزئية فعلى سبيل المثال إذا وضعنا العقلية الرأسمالية في سياق التاريخ الإنساني فسرعان ما سيتم اكتشاف أنها منهج في الحياة جديد وفريد وشاذ وبتعبير ماكس فيبر " كان سيتم تجريمه في الزمنة القديمة والعصور الوسطى باعتباره أشد أشكال الجشع وضاعة وباعتباره موقفاً يفتقر بالكامل لاحترام الذات" وعليه فإن فإن الاعتقاد بأن أفضل طريقة لدراسة الأشياء والأحداث هي دراستها في انعزالها بعيدا عن السياق الكلي للمجتمع والتاريخ سيعمل على استدامة وترسيخ الوضع الراهن.
    ونتيجة سيادة هذه الرؤية ظهر إنسان تم تنقيته من كل لمبادئ باستثناء مبدأ السعادة وإمتاع الذات، وتم تفـريغه من كل المقاصـد والقـيم لا مقـصد البقاء وحفظ النفس، وأصبح إنساناً مفرغاً من كل محتوى ومعيار باستثناء تلك المتعلقة بحساب الوسائل، وأصبح عاجزاً تماماً عن تقـييم الخـيارات المطروحة أو إدراك حقـيقة التشوهات الحـاصلة بغية تصويب الأخطاء وتصحيح الحلول. بذلك لم تَعُد لديه أية قدرة على تجاوز ذاته الضيقة أو الظروف المحيطة به ولم تَعُد لديه المقدرة على النظر إليها بشكل نقدي، إن ما بعد الحداثة بهذا المنطق لا تكون إلا أيديولوجية الرأسمالية الاستهلاكية.
    فنحن قد دخلنا الآن (وفقاً لبودريار) المرحلة الثالثة لتشكل الصور التمثيلية، ألا وهي مرحلة النموذج الذي يسوق كل إنسان وكل شيء إلى نطاق لعبة الاستجابات وردود الفعل ذات الضبط التحكمي الشامل، حيث الإغواء –جزئياً- محل القمع. وبينما كان دوركايم يعتقد أنه ينبغي أن يكون بالإمكان إيجاد قانون للمجتمع (أي قانون طبيعي للبشر) باعتبار أن الفرد الإنساني لا يمارس أي تأثير على المجتمع، فإن الناس -وفقا لما بعد الحداثة يشبهون الجسيمات الدقيقة للغبار، فلا قدرة لهم قطعاً على التأثير في الأحداث، وبالإمكان التعرف على القوى الفاعلة فيهم، وبالتالي التخلص مما هو خارجي فيها. غير أن جسيم الغبار والشخص يعملان كلاهما تحت نظام متجانس الخصائص تتعادل فيه الاحتمالات لكل اتجاه من اتجاهات الحركة. وفي الواقع ليس هناك قوى تؤثر في جسيم الغبار، وهو بالتالي لا يستطيع أن "يقرر" السير في أي اتجاه، إلا أنه ليس هناك من وسيلة للتنبؤ بحركته من حيث زمانها ووجهتها. وهكذا، فالتنبؤ مستحيل في عالم ما بعد الحداثة ، فاللعبة كلها قائمة على قانون الاحتمال. وإذا كان من المستحيل التحكم الفعلي في كل ذرة أو كل شخص، فإن هذا ممكن على المستوى الكلي macro level .
    إن مفهوم ريفكين عن التحكم والقمع (وإن كان الأمر الأخير يأتي بصورة ضمنية لديه) يعني أننا شهدنا تحولاً من القمع إلى الإغواء، حيث أصبح الإغواء هو الطريق لجعل الناس يفعلون هذا الأمر أو ذلك بدون حاجة لممارسة القوة عليهم. فإقناع الآخرين بأن مصلحتك هي مصلحتهم هو السبيل الرئيس إلى الأشكال الجديدة من سلطة المعرفة والاستغلال، وهو أمر كان غالبرايت galbraith قد نبه إليه من قبل. إن القمع سلطة ذات رؤية شاملة يتم نشرها (وإخفاؤها) في مؤسسات الخبرة القائمة على المعرفة والمعلومات. وهنا يستعيد فوكو Foucault فكرة جيرمي بنثام Jeremy Bentham عن مكتب الحارس الذي يتوسط السجن بحيث أن كل الزنـزانات تكون مواجهة للحارس المتخفي في مكتبه "البانوبتيكون" panopticon. وبهذا فإن السجناء لا يدرون إن كان الحارس في مكتبه فعلاً، إلا أنه لا بد عليهم أن ينصرفوا كما لو كان يقوم بمراقبتهم فعلاً. وهكذا فقد تمّ إخفاء السلطة، ذلك أن السلطة التي كانت مركزة في العصا أو في قبضة اليد أو في البندقية أصبحت الآن مشتتة ومتخفية عن الأعين.
    وفضلا عن ذلك، فقد ظهرت العلوم الإنسانية وجعلت من الروح موضوعاً للدراسة والفحص. وقد كان الجسد في العصور القديمة موضوعاً للعقاب، بحيث إذا ارتكب المرء خطأ ما يتعرض للعقوبة الجسدية، وذلك غاية ما كان عليه الأمر. أما الروح فهي شيء ذو قدرة على المراوغة، ولذلك عندما حطت العلوم الإنسانية الغربية رحالها عند الروح، أصبحت هذه الأخيرة معرضة للمساءلة غير المحدودة. ومما يدعو للسخرية أن الجسد أصبح سجيناً للروح، وقد جرى تكيف غرفة السجان المشرفة على جميع الزنـزانات أو "البانوبتيكون" لتتناسب مع الثكنات والمستشفيات والمدارس ومن ثم فلا عجب أن أصبحت الثكنات والمستشفيات والمدارس تشبه السجن.
    أما الإغواء فأمر مختلف. إنه القدرة على صنع النماذج، بحيث يتم حمل الناس على عمل الأشياء.
    والقمع بجعل الجنس أمراً غير قانوني، في حين يزود الإغواء المرء بدليل في قضايا الجنس. وبذلك ينتمي القمع إلى المستوى الثاني من تشكل الصور الزائفة، أما الإغواء فهو من عالم ما بعد الحداثة. على أن القمع لا يزال يقوم بوظيفته عندما يعجز الإغواء عن أداء مهمته، مثلما هو الشأن مع غير المستهلكين. إن الإغواء يجعل البحث عن مشروعية للفعل والسلوك أمراً بلا معنى، وهكذا يصبح أي حوار فكري، متحللاً من أية قيمة أو غاية .
    وفي هذا الإطار، أوضح بومان Bauman أنه عندما انتقل العمل على تماسك المجتمع من القمع إلى الإغواء، انتقلت المسؤولية عن تحقيق التماسك من أجهزة الدولة الإدارية (البيروقراطية) إلى قوانين السوق. ولذلك فلا غرابة أن نجد علم الاجتماع يسعى إلى تكييف حركة السوق وأساليب العلاقات العامة وفقاً لعملية الإغواء . ومن ذلك أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية قد استخدمت –كما لاحظ ذلك سيفانندان Sivanandan – تقنيات شركة "كوكا كولا" في العلاقات العامة في محاولاتها تشويه سمعة حكومة الجبهة السندينية Sandinista في نيكارغوا من خلال حربها النفسية ضدها PSYCHOPS.
    وفي هذا الصدد، يحذر ريان Ryan بفطنة من الوقوع في شراك المركزية الأوروبية التي تطبع فكر ما بعد الحداثة، مشيرا أن إعادة الإنتاج لم تعوض بعدُ عملية الإنتاج. يقول ريـان: "إن رقائق الحاسوب Computer chips، التي تمثل القاعدة المادية لعصر المعلومات في العالم الأول، ما زالت تُصنع بأيدي عمال المصانع في بلدان العالم الثالث مثل ماليزيا، حيث تمثل المرأة قوة العمل الغالبة، وذلك لأن النساء أكثر "إطاعة" وأبعد عن التوحيد في نقابات عمالية .
    إن هذه الملاحظة تبين بوضوح دوافع الغرب في تصنيع دول العالم، إذ من المؤكد أن ذلك لا ينبع من أي نـزوع خيّر. "فالمعلومات التي تعتمد عليها معظمُ الشركات تتعلق بمسائل مثل المحاسبة، أي أنها تتعلق بتحديد فعالية الأداء اعتماداً على حساب الأجور المدفوعة والأسعار المحصلة. وبعبارة أخرى إنها تتعلق بعالم الإنتاج المادي الذي من المفروض أن يحل محلّه عالم المعلومات informationism" . وهكذا وبينما من المحتمل أن يكون عالم الخطاب قد تغير، إلا أننا ما زلنا نجد الكثير من بقايا [عصر الحداثة].
    "فالنساء العاملات في ماليزيا يجري إغراؤهن للعمل في المصانع، وذلك عن طريق وعدهن بالمال الذي يستطعن به تجديد أنفسهن وفقاً للصور التي تبثها وسائل الدعاية لما ينبغي أن يكون عليه جمال الأنثى، وهن يعتبرن عاملات مثاليات بسبب تمثلهن الذاتي للنماذج الثقافية التي تغريهن بالطاعة والتكيف مع ما يراد منهن" . إن هذه التأثيرات الثقافية كانت -على ما يبدو- قوية قبل مجيء الإسلام ثم جرى صبغها بطلاء من المصطلحات الإسلامية. ويوافق ريان على أن الرأسمالية في الواقع تظاهرية خادعة، ولكن تنفيذ نموذج للفعالية مثل البرامج التقشفية التي يقترحها صندوق النقد الدولي يمكن أن يكون قاتلاً كفِرق الموت ذاتها.
    إن الطبيعة التوسعية لوسائل الإعلام وقدرتها على التغلغل في كل مكان من شأنهما تغيير مجريات السياسة. ونتيجة لذلك أصبحت الثقافة الأمريكية ثقافة كونية وغزت العالم عن طريق السوق. فقد أصبح لدينا "الأكل السريع ثقافة مطبخية، ورواسم cliches جاهزة لعملية التفكير، وأسلوب محدد للمضمون، وأصوات بدل الموسيقى، وصَخبٌ بدل الصوت، وقراءة خالية من التأمل، وسطحية سهلة بدل العمق غير اليسير، وعاطفية كاذبة بدل الحب الحقيقي، وجشع فردي محل الخير الجماعي؛ وهكذا أصبحت ثقافة الشركات التجارية الأمريكية بديلة عن الثقافة . وتنفتح الأذرع لاستقبال التصنيع، ويفتح الاقتصاد العالمي السبيل للخطاب الإعلامي والمعلوماتي الذي يطوي الثقافات المحلية تحت جناحيه ويجهز عليها في نهاية المطاف. وهكذا "ليست السياحة مجرد وعاءات لتلك الثقافة [الأمريكية المخترِقة]، بل إنها تحل موقع الطليعة فبها، إنها السائل الكيماوي Defoliant الذي يبيد الثقافات الأهلية أثناء تقدمه مهيئاً الأرضية للصناعات المتحدة لتحل محل تلك الثقافات."
    إننا نعيش في مجتمع يتميز بتضخم خطاب ما بعد الحداثة الذي يهيمن فيه الخطاب الأمريكي. فأمريكا تمتلك حوالي تسعين بالمائة من الإعلام في العالم، بل وتؤثر بقوة في تلك التي لا تقع تحت سيطرتها المباشرة. ومع ذلك فإن الشعوب السائرة في طريق التصنيع ما زالت هي التي تزود هذا الخطاب بالغذاء، وهي شعوب انخدعت بشكل مريع واعتقدت أنها ستكون المستفيدة بانضمامها إلى نادي الأمم المتمدنة في العالم، غافلة عن أن هذه الأمم المتمدنة نفسها قد تخلت منذ زمن بعيد عن طموحاتها الصناعية التافهة، أنها ستحتفظ لنفسها دائماً بموقع التفوق. وكما لاحظ غاي إيتون، فإن الانحطاط ينبغي أن يفضَّل بكثير عن الانحراف، ذلك أننا نشاهد حولنا العمل الأكثر توهجا واندفاعاً يسير في طريق منحرف وفقاً لتخطيط مادي خيالي إن العملية الاستعمارية أكثر تقدماً وخبثاً اليوم فالعولمة تمثل الاستعمار الجديد.