عمرانيات

مدونة تهتم بقضايا العمران الإنساني بالبحث والترجمة الزائر الكريم: تفضل بزيارة مدونتي الأخرى Mnzoor.blogspot.com Alkasd.blogspot.com

الجمعة، يونيو 11، 2010

بصائر المعرفة: المجتمع المدني واستعادة الفعالية للمجتمع

الأربعاء، مايو 26، 2010

سياسة مصر المائية تجاه إثيوبيا

  • Alkasd my other blog
  • مقدمة:
    "مصر هبة النيل" إذا كان هيرودوت قد أطلق هذه المقولة منذ آلاف السنين فإنها لم يبد صدقها على مدار هذه السنين مثلما يبدو الآن، وليس أدل على ذلك من تسارع وتيرة عمل الدبلوماسية المصرية لتعزيز العلاقات بين مصر وإثيوبيا على أعلى المستويات، فمثلا قام رئيس مجلس الوزراء المصري أحمد نظيف يصحبه وفد وزاري بزيارة إثيوبيا فى 30 / 12 / 2009، وقد تناولت الزيارة دعم العديد من مجالات التعاون بين البلدين مثل عملية الاستثمار والتجارة بين مصر وإثيوبيا من خلال تجديد بعض الاتفاقيات مثل اتفاقية حماية وتشجيع الاستثمار، أو من خلال اتفاقيات جديدة مثل اتفاقية منع الازدواج الضريبي وبعض الاتفاقيات الخاصة بإزالة عوائق التجارة بين البلدين كما تم الإعلان عن تأسيس مجلس أعمال مشترك بين البلدين بعد الاتفاق الذي وقعه عن مصر المهندس حسين صبور رئيس جمعية رجال الأعمال وعن إثيوبيا رئيس غرفة التجارة الأثيوبية، واصطحب الوفد الرسمي وفدا يضم عددا كبيرا من رجال الأعمال المصريين ويضم أكثر من‏77‏ شركة مصرية تستهدف التعرف علي السوق الإثيوبية وزيادة الاستثمار فيها.‏
    وتأتي هذه الزيارة في إطار الجهود المصرية المتسارعة للتوصل لاتفاق إطاري لكل دول حوض النيل لتنظيم استخدامه قبل انتهاء مهلة الستة أشهر بحلول يناير 2010، وهي المهلة التي جرى تحديدها في الاجتماع الطارئ لوزراء خارجية دول حوض النيل بالإسكندرية في يوليو 2009)وكانت قد صدرت في بداية جلسات هذا الاجتماع تحذيرات باستبعاد دول المصب (مصر والسودان) من توقيع الاتفاق إذا لم التوصل لاتفاق معها وبالفعل تم الاتفاق على عقد مفاوضات تالية في فبراير2010 بين دول حوض النيل .
    فبيت القصيد في هذه الزيارة عبرت عنه تصريحات رئيس الوزراء المصري من أن ما جرى من مباحثات فى إثيوبيا يعد بداية حقيقية لمبادرة التنمية فى حوض النيل؛ حيث هدفت جهود تطوير العلاقات المشتركة إلى عدم اقتصار الجهود المشتركة علي تنمية موارد المياه فقط بين دول حوض النيل، ولكن رفع مستوي المعيشة لجميع دول الحوض بما يكشف أن مياه النيل تظل من أهم العوامل التي تشكل سياسة مصر الخارجية تجاه إثيوبيا إن لم تكن أهمها على الإطلاق.
    فقد أصبحت إدارة الموارد الاستراتيجية الدولية أهمية خاصة في العقد الأخير، وعلى رأس هذه الموارد الأنهار الدولية، ومكمن الخطورة أن إدارة الأنهار الدولية لا تمس فقط الجوانب الاقتصادية، ولكنها تمتد بالضرورة إلى السيادة الوطنية للدول المشتركة في النهر وعليه يسعى هذا التقرير لاستكشاف أبعاد تطورات سياسة مصر المائية تجاه إثيوبيا ضمن النظام المائي لدول حوض النيل كأحد الأنظمة الدولية International Regimes انطلاقاً من مقولة أن القيود التي ترد على سعي مصر للقيام بدور القوة المهيمنة الخيرةHegemonic power Benevolent لإقرار هذا النظام جعلت سياسة مصر الخارجية تجاه إثيوبيا تصطبغ بطابع التعاون والمشاركة مع استمرار رواسب التنافس الباقية من فترات ماضية.
    محددات سياسة مصرية المائية تجاه إثيوبيا
    أسبغ الارتباط العضوي بمياه النيل والبحر الأحمر نوعاً من الخصوصية على العلاقات بين مصر وإثيوبيا بما جعل للسياسة المصرية تجاه إثيوبيا طابعها الخاص الذي اتسم بالثبات النسبي مع التغير وفقاً لتغير الأوضاع الدولية والإقليمية والأوضاع الداخلية في كلا البلدين.
    ويُعد نهر النيل المصدر الرئيسي للمياه في مصر حيث تبلغ حصة مصر من مياهه 55.5 مليار متر مكعب تمثل 79.3 % من الموارد المائية وتغطى 95 % من الاحتياجات المائية الراهنة يمثل الاستخدام الزراعي للمياه الجزء الأكبر للاستخدامات حيث يبلغ نحو 59.3 مليار متر مكعب بنسبة 85.6 % من إجمالي الاستخدامات عام 2006 / 2007. وقُدر احتياج القطاع الصناعي من المياه بنحو 7.8 مليار متر مكعب، يُستهلك منها فعلياً نحو 1.15 مليار متر مكعب عام 2006 / 2007 والباقي يعود إلى النيل والترع والمصارف بحالة ملوثة.
    وتعد الهضبة الإثيوبية أهم منابع النيل على الإطلاق حيث تمد النيل بحوالي 71 مليار متر مكعب وتتجمع مياهها من عدة أنهار هي:
    نهر السوباط الذي يلتقي بالنيل الأبيض عند مدينة ملكال جنوب السودان، وإيراده السنوي عند أسوان 11 مليار متر مكعب ومن فروعه الرئيسية نهر "البارو" ونهر "البيور".
    النيل الأزرق، ويمتد من منابعه في الهضبة الإثيوبية حتى التقائه بالنيل الأبيض مسافة تصل على 1520 كم ويستقي هذا النهر مياهه من عدد من الأنهار والنهيرات الصغيرة المتخللة سفوح الجبال ووديانها، وأهمها نهر "الدندر" ونهر الدهر لكن المنبع الرئيسي له هو بحيرة تانا أكبر بحيرات الهضبة الاستوائية، وتمد الهضبة الاستوائية نهر النيل الأبيض بحوالي 14 مليار م3 من المياه سنويا.
    نهر عطبرة، وينبع من من المرتفعات الإثيوبية بالقرب من جوندر شمال بحيرة تانا، ويبلغ معدل تصريفه السنوي حوالي 12 مليار م 3، ولذلك يطلق على الهضبة الاستوائية الخزان الكبير أو خزان المياه، برغم تذبذب كمية المياه التي تشارك بها في مياه النيل
    ومن الجدير بالذكر أن مساهمة النيل الأزرق تساوي ضعف مساهمة النيل الأبيض في مياه نهر النيل، وتصبح ساهمة النيل الأزرق 90% والنيل الأبيض 5% عند الذروة، في حين تصبح 70% للأول و30% للثاني عند الحالات الدنيا
    وإثيوبيا وحدها – خلافا لبقية دول أعالي النيل التي لا تستخدم مياه النيل في الري- هي التي لديها وتخطط لمشروعات تعتمد على مياه النيل مثل مشروع زراعة حوض نهر "البارو" وزراعة حوض نهر النيل الأزرق التي تستلزم استخدام 4 بليون متر مكعب من المياه. ومن هنا خطورة العلاقات المصرية الأثيوبية وسياسة مصر تجاه إثيوبيا حيث أن 60% على الأقل من مياه النيل التي تستخدم في الري قادمة من أثيوبيا. ومن وجهة نظر هندسية بحتة تستطيع إثيوبيا التأثير على مياه النيل الوارد إلى مصر عن طريق أنهار "الدندر" و"الرهد" و"ستيت"، وإن كان ذلك لا يمكن أن يتم إلا بنفقات باهظة. ومن ناحية أخرى فإن أمثل المشروعات تحقيقا لاستفادة مصر من استخدام مياه النيل هو بناء سد وخزان في " جامبيلا " في أثيوبيا
    وعلى الرغم من وجود خمسة اتفاقيات تنظم العلاقة بين مصر وإثيوبيا في ما يتصل بالنيل هي: بروتوكول روما الموقع في 15 إبريل 1891 بين كل من بريطانيا وإيطاليا ـ التي كانت تحتل إريتريا في ذلك الوقت ــ و اتفاقية أديس أبابا الموقعة في 15 مايو 1902 بين بريطانيا وإثيوبيا، و اتفاقية لندن الموقعة في 13 ديسمبر 1906 بين كل من بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، واتفاق التعاون الذي تم توقيعه في القاهرة في الأول من يوليو 1993 بين كل من الرئيس المصري حسنى مبارك ورئيس الوزراء الأثيوبي ــ آنذاك ــ ميليس زيناوي، على الرغم من ذلك فإن إثيوبيا كانت من أوائل دول حوض النيل التي طالبت بإعادة النظر في اتفاقيات مياه النيل بوصفها اتفاقيات سابقة وقعتها نيابة عنها الدول الاستعمارية ومن ثم فإنها تنتقص من سيادتها وعبرت إثيوبيا عن هذه الرؤية صراحة على لسان مدير عام هيئة تنمية الوديان في إثيوبيا ومندوبها في مؤتمر لندن بشأن مياه النيل المنعقد يومي 2-3 مايو 1990 وحتى اتفاق 1993 علقت إثيوبيا مباحثات تنفيذه بعد جولتين متذرعة بأن مصر غير جادة في التوصل لاتفاق.
    وواقع الأمر انه كما قرر أحد الباحثين الأثيوبيين فإن "هناك شكوكاً راسخة بين العديد من الدول المشاطئة للنيل ومن الصعب محوها بجرة قلم" تعود هذه الشكوك في قدر كبير منها إلى ميراث الخبرة التاريخية التي امتزجت فيها سنوات العداء بفترات الصداقة والتعاون. فحديثا اهتمت القوى الأوربية بفكرة الضغط على مصر من خلال مياه النيل فكان الغرض إنشاء قوة مسيحية كبرى في إثيوبيا تواجه القوة الكبرى الإسلامية في مصر، وبهذا أصبح هناك تراث فكري وديني وثقافي يجعل من إثيوبيا مصدرا دائما لتهديد مصر عن طريق مياه النيل، ورسخت هذه الفكرة في رأس الأثيوبيين والمصريين، وانعكست بعد ذلك في سياسة كل من الطرفين تجاه الآخر، وما زالت هذه الفكرة مستمرة
    وامتدادا لهذا الاتجاه يرى "جول بيترز" أن إسرائيل تؤمن بخط استراتيجي ثابت يرتكز على "مبدأ المحيط" والذي يسعى لبناء تحالف غير رسمي مع الدول الموجودة على هامش الشرق الأوسط - ومن بينها إثيوبيا- انطلاقا من كونها دولا غير عربية لها تاريخ من العلاقات العدائية مع العالم العربي، وتعمل على إضعاف شوكة العالم العربي
    وفي هذا السياق يمكن فهم أبعاد مقولة "إفرايم سينيه" في كتابه إسرائيل بعد عام 2000 من أنه "لا يمكن تقدير القيمة الاستراتيجية لإثيوبيا واريتريا دون الإشارة على سيطرتهما على مصادر النيل فهذه المسالة تخلق توتراً بينهما وبين مصر التي تخشى من حدوث أي تغيير هيدرولوجي في مصادر النيل يؤثر على شريان حياتها" احتلت العلاقات الإسرائيلية مع إثيوبيا مرتبة متقدمة في الإستراتيجية الإسرائيلية تجاه إفريقيا؛ حيث اعتبرت إثيوبيا بمثابة البوابة الرئيسية لها للنفاذ والتغلغل في القارة، وموطئ قدم لتثبيت تواجدها في مدخل البحر الأحمر وأعالي النيل، لذلك عملت على تشجيع ظهور الكيانات والدويلات الصغيرة و الضعيفة حول إثيوبيا
    وهدفت إسرائيل من ذلك إلى تهديد أمن مصر المائي من خلال محاولة زيادة نفوذها في الدول المتحكمة في منابع النيل وأهمها إثيوبيا التي مثلت المدخل الرئيس للنشاط الإسرائيلي في منابع النيل، وقد أوصى تقرير صادر عن قسم التخطيط بوزارة الخارجية في الكيان الصهيوني بما أسماه "معاقبة مصر" إذا استمرت في تبني موقف سلبي تجاه إسرائيل، وذلك بإجراءات مختلفة من بينها السعى لدى دول حوض النيل والمجتمع الدولي لتغيير الوضع القانوني لمسالة المياه في حوض النيل
    لذا وطدت إسرائيل علاقتها الاقتصادية بإثيوبيا حتى وصل الأمر على حد احتكارها لتجارة المحاصيل ولأسواق استهلاك العديد من السلع في إثيوبيا، كما استخدمت سياسة الإغراق لاكتساح السوق الإثيوبية بمختلف البضائع والسلع، وإلى جانب إقامة العديد من المستعمرات الزراعية تحت إشراف الخبراء الإسرائيليين على غرار المزارع الجماعية " الكيبوتز" التعاونية "الموشاف"، قامت إسرائيل بتملك وإدارة العديد من المزارع من خلال الشركات الإسرائيلية مثل شركة "انكودا" التي تملكت 50 ألف هكتار في إثيوبيا، وسعت إسرائيل بشكل مباشر لزعزعة الأمن المائي المصري من خلال إقامة العديد من السدود في إثيوبيا التي يمكن أن تؤثر على حصة مصر من المياه الواردة إليها بما اضطر مصر في 17 يناير 1990 - على سبيل المثال - إلى تحذير إسرائيل و إثيوبيا من العبث بمياه النيل، بعد تلقيها تقارير عن نشاطات إسرائيلية في إثيوبيا، وقيام الإسرائيليين باستكشاف إمكانية بناء ثلاثة سدود في إثيوبيا، فأرسلت القاهرة رسالة إلى أديس أبابا عبر ليبيا في يناير 1990 تفيد بأن القاهرة لن تسمح بأي محاولة لإعاقة مجرى نهر النيل"، وطلبت الخارجية المصرية من الحكومة الإثيوبية توضيحا لتأثير السدود التي تبنيها على بحيرة "تانا" على تدفق المياه بمعدلاتها الطبيعية على النيل الأزرق، وجاء الرد بعدم تأثير هذه السدود.
    ونشرت مجلة "لإكسبريس" الفرنسية في عددها الصادر في 11 أغسطس 1991 أن تل أبيب عرضت على إثيوبيا مشروع بناء سدود على نهر النيل تقديرا منها للدور الإيجابي في ترحيل يهود الفلاشا، وفي عام 1997 أعلنت شركة "ناحال" الإسرائيلية المسئولة عن تطوير وتخطيط الموارد المائية في إسرائيل أنها تقوم بمشاريع وأعمال في إثيوبيا لحساب البنك الدولي
    وفي الفترة التي واكبت عقد دول حوض النيل في الإسكندرية قام "أفيجدور ليبرمان" وزير خارجية إسرائيل بجولة تشمل بعض دول منابع النيل، بدأت في إثيوبيا في 2/9/ 2009 واستمرت لمدة عشرة أيام رافقه فيها عدد من كبار ممثلي قطاع الأعمال الإسرائيلي. وعليه كان سعي السياسة المصرية لمحاصرة الآثار السلبية للمخططات الإسرائيلية لزعزعة امن مصر المائي أحد محددات السياسة مصر المائية تجاه إثيوبيا
    كما ألقت بنية وطبيعة التفاعلات في النظام الدولي ظلالها على السياسة المصرية تجاه إثيوبيا فشهدت دول حوض النيل في فترة الثمانينات حالة من عدم الاستقرار التي كانت جزء من مناخ وأساليب الحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي وبالتالي سادت العلاقات بين مصر وإثيوبيا العديد من التعقيدات في التسعينات
    كما استثمرت الدبلوماسية المصرية الظروف الدولية المواتية لعقد إطار التعاون بين مصر وإثيوبيا1993 وإن كان البعض يأخذ على الدبلوماسية المصرية أنها فوتت عقد اتفاق كامل ونهائي مع إثيوبيافي السنوات الأولى مما سمي آنذك النظام العالمي الجديد عام 1991 فلم يعقد الاتفاق إلا عام 1993.
    أهداف سياسة مصر المائية تجاه إثيوبيا
    ويمكن رد هذه الأهداف إلى هدف واحد هو تأمين مياه النيل الذي ينتظم ضمن الهدف الأساسي للسياسة الخارجية المصرية هو الأمن والاستقرار والتنمية اتساقاً مع الأهداف القومية المصرية وفي مقدمتها هدف التنمية وإعادة البناء
    ولتحقيق هذا الهدف اعتمدت مصر أهدافا مشتقة تدور حول ضمان الاستقرار في حوض النيل من خلال السعي لحل المنازعات سلميا ودعم آليات التعاون بين دول الحوض يحكمها في ذلك مبادئ عامة تمثل إطارا ثابتاً لأي توجه مصري للتعاون مع دول حوض النيل ومن بينها إثيوبيا، وهي ثوابت السياسة المائية المصرية تجاه هذه الدول:
    أ‌- اعتبار حوض النيل وحدة متكاملة لا تتعارض فيه المصالح بين دولة وأخرى بل تتكامل لتحقيق الفائدة القصوى للجميع
    ب‌- تطبيق مبدأ الاستخدام المنصف أو العادل وليس الحصص العادلة
    ت‌- قدسية الاتفاقيات القانونية المنظمة لاستخدامات النيل.
    ث‌- تقوم مصر بتنفيذ مشروعاتها المائية في إطار حصتها المقررة ( 55.5 مليار متر مكعب)
    ج‌- تؤيد مصر مبدأ عدم نقل مياه حوض النيل خارج حدود دوله وفقاً لمبادئ هلسنكي 1966.
    ويمكن رد هذه المبادئ إلى مبدأين
    الاعتراف بالحقوق المكتسبة في إطار الاتفاقيات الدولية وبالنسبة لإثيوبياوردت هذه الحقوق في مجموعة من الاتفاقيات و مبدأ الحصول على نصيب عادل ومنصف من إيرادات النهر الإضافية وهذا المبدا لا يعني توزيع المياه بنسب متساوية إنما بنسب عادلة تأخذ في اعتبارها العوامل التالية:
    - طبوغرافية الحوض
    - الظروف المناخية المحيطة بحوض النهر بصفة عامة
    - سوابق الاستعمال بالنسبة لمياه النهر و الاستعمالات الراهنة
    - الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية لكل دولة من دول الحوض
    - العنصر السكاني
    - مدى وجود مصادر بديلة للمياه
    - ضرورة تفادي الإسراف غير الضروري والإضرار بالدول الأخرى المنتفعة.
    انتهجت مصر سياسة مفادها " المرونة في إطار الثوابت" إزاء إثيوبيا وهي التي عبر عنها وزير الري السابق بقوله " التجاوب مع مطالب دول حوض النيل يعني أسلوبين: الأول ألا يأخذوا من حصتنا قطرة مياه واحدة والثاني إقامة مشروعات مشتركة تحقق مزيدا من التعاون معهم وتمنع الاعتداء على حصتنا السنوية
    سياسة مصر المائية تجاه إثيوبيا حتى 1997: المضامين والأبعاد
    كان المعلم العام لتعامل مصر مع دول حوض النيل هو التعامل بشكل مستقل مع كل دولة على حدة، وكان المحور الأساسي للسياسة المائية هو التحالف المصري السوداني في مجال المياه، وقد سبقت الإشارة إلى وجود نوع من التوجس المتبادل بين مصر وإثيوبيا حتى أنه عندما بدأت مصر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في مطالبة إثيوبيا بالالتزام باتفاقية 1891 م واتفاقية 1902 المنظمة لمياه النيل والتي رفضت إثيوبيا الاعتراف بها ثارت مشكلة كبرى بين البلدين ورفض "هيلاسلاسي" مقترح مصر بإنشاء "دولة حوض النيل الكبرى" واتهم الملك فاروق بمحاولة اغتياله عام 1947([i])
    وتجدد الخلاف بعد قيام نظام يوليو 1952 عندما قررت مصر بناء السد العالي دون استشارة دول المنبع، فعارضت إثيوبيا ذلك معتبرة أخذ رأيها أبسط حق من حقوقها في مياه النيل فأصبحت إثيوبيا في نظر مصر دولة معادية خاصة بعد قبولها قنصلاً عاماً لإسرائيل في أديس أبابا عام 1956 وقد استخدم الدين أيضاً في هذه الفترة حيث استخدم هيلا سلاسي فكرة أن إثيوبيا دولة مسيحية كبرى في المنطقة يجب على الدول الغربية المسيحية مساعدتها كما كان هيلا سلاسي يخشى من فكر عبدالناصر الثوري
    وخلال السبعينات ثارت مشكلة النيل مرة أخرى عندما أعلنت مصر عن مشروعها لتحويل جزء من مياه النيل لري 35 ألف فدان في سيناء، وقد أثار هذا الإعلان رد فعل حاد لدى إثيوبيا التي أعلنت أن هذا المشروع ضد مصالح إثيوبيا، وتقدمت بشكوى لمنظمة الوحدة الأفريقية، وأعلن الرئيس المصري محمد أنور السادات أن بلاده ستحارب لو اتخذت إثيوبيا أي للتدخل في مياه النيل.
    وقد كانت السياسة الخارجية المصرية تتأثر بسياسة إثيوبيا الخارجية نفسها التي كانت في قدر كبير منها انعكاساً للتطورات الداخلية في إثيوبيا، فحتى سنة 1984 كانت العلاقات المصرية الأثيوبية تتسم بالتنافس الذي وصل في بعض مراحله إلى العداء والصراع كما هو الحال في الفترة من 1974-1978، وفي هذه الفترة كانت سياسة مصر الخارجية مرتبطة بسياسة الولايات المتحدة في المنطقة والمعادية لإثيوبيا بما عمق الخلاف بين مصر وإثيوبيا إلى درجة التهديد بالحرب، ومنذ عام 1984 بسطت الحكومة الأثيوبية على أغلب أراضيها فعلياً، وهو ما انعكس على سياستها الخارجية فأصبحت أقل حساسية في التعامل مع مصر، وبدأت العلاقات تأخذ شكلاً من الاستقرار بين الدولتين
    وعزز ذلك اتسام سياسة مصر منذ الثمانينات بطابع انتهاج السلام والمصالحة، فاكتسبت طابعاً مميزاً يتسم بالحرص التام على الابتعاد عن أي نوع من المغامرات السياسية والعسكرية
    بدأت سياسة مصر الخارجية تتجاوب وتتفاعل مع توجهات السياسة الخارجية الأثيوبية الجديدة، وبدا ذلك واضحاً منذ عام 1982 عندما عقدت مصر مع إثيوبيا العديد من اتفاقيات التبادل التجاري والتعاون الفني كما ترأس الرئيس المصري حسني مبارك وفد مصر إلى مؤتمر قمة منظمة الوحدة الأفريقية وعقد اجتماعا مع الرئيس الأثيوبي عده المراقبون السياسيون كسراً لحلقة الجمود في العلاقات المصرية الأثيوبية كما اجتمع الرئيس مبارك مرتين بالرئيس الأثيوبي آنذاك "منجستو هيلا ماريام" الذي زار مصر في الفترة من 9-12 أبريل 1988
    وأثناء هذه الزيارة تم الاتفاق على إنشاء لجنة وزارية مشتركة للعمل على تنمية وتطوير العلاقات في مجالات الاقتصاد والتبادل التجاري والعلمي والتكنولوجي والثقافي بين البلدين وتوالت الاجتماعات الرسمية على مستوى الوزراء بين البلدين منذ 1986 لتتناول التعاون المصري الأثيوبي في كافة المجالات
    لكن وقد كانت استمرت إثيوبيا تطالب بإعادة النظر في اتفاقيات مياه النيل وعمليا على أرض الواقع ظهرت تلك الاعتراضات عام 1996 عندما أعلنت إثيوبيا عن نيتها إنشاء عدد من السدود على النيل لتوفر 180 مليون متر مكعب من المياه يتم خصمها من حصة مصر والسودان، بالإضافة إلى طلب بنك التنمية الأفريقي موافقة مصر لتمويل إقامة عدد آخر من السدود الإثيوبية على النيل.
    وتأكيداً لتلك الاعتراضات تقدمت إثيوبيا بورقة عمل في مؤتمر النيل 2002 الذي عقد بإثيوبيا في نهاية فبراير 1997، ودعت فيها على إلغاء الاتفاقيات الموقعة من قبل بما فيها اتفاقية 1959. وأعلن الناطق الرسمي باسم وزارة الموارد المائية الإثيوبية إن بلاده تريد التوصل إلي ما وصفه بالاستخدام العادل لمياه النيل عبر مفاوضات واتفاقيات سياسية.
    وتعضد هذه الرؤية الرسمية التوجه الإثيوبي غير الرسمي فيرى احد الباحثين في كتاب تناول وجهة النظر الإثيوبية في قضية توزيع مياه النيل : إن هناك شكوكاً راسخة بين العديد من الدول المشاطئة للنيل ومن الصعب محوها بجرة قلم .. وحتى الآن فإن مصر ترفض بشدة و لا تبدي أي استعداد لإلغاء معاهدة 1959 أو حتى الدخول في نقاش في هذا الشأن وهذا هو ما يدفعنا للتذكير بان مبادرة حوض النيل مضيعة للوقت ... القضية الحقيقية الأساسية هي توزيع عادل ومتساو لمياه النيل ومناقشة الجوانب الفنية تستلزم اتفاقاً عادلاً ومعقولا يتم الاتفاق عليه.
    ارتكزت مصر في تعاملها مع قضية المياه تجاه إثيوبيا على الاتفاقيات التي تحدد نصيبها من مياه النيل فضلا عن تحديد الأطر التي يجري من خلالها الوصول على اتفاق على أي من المشاريع بشان تطوير النهر بحيث لا يتم تنفيذ هذه المشاريع بدون موافقتها الصريحة، كما حدث عندما تشاورت إثيوبيا مع مصر عام 1996 قبل بناء عدد من السدود بتمويل البنك الدولي فاعترضت مصر مما أدى لتراجع إثيوبيا عن المشروع وفي 2001 وافقت مصر على إقامة 13 مشروعا مائياً على النيل في إثيوبيا.
    وعلى الرغم من أن إثيوبيا قد كانت في حاجة للسدود فإن بناءها على اثر توتر في العلاقات المصرية مع السودان التي حاولت الضغط على مصر ووقع مع إثيوبيا إعلان الصداقة والسلام وقامت بالاشتراك مع إثيوبيا في تأسيس منظمة حوض النيل الأزرق دون اعتبار لمصر التي لم تدع للانضمام إليها
    ومن هذا المنطلق إتم توقيع اتفاق طار التعاون بين مصر وإثيوبيا الذي وقعه الرئيسان "ميليس زيناوي" و مبارك في القاهرة 1993 بعد أن ظلت إثيوبيا لفترة طويلة تعارض عقد أي اتفاقيات مع مصر بشان المياه حتى عام 1993 الذي شهد شهد نقلة نوعية في العلاقات بين البلدين فكانت أول مرة تقبل فيها إثيوبيا الدخول في مفاوضات بشان مياه النيل وقد عقدت جولتان من المحادثات المصرية الإثيوبية لوضع الاتفاق موضع التنفيذ وتم الاتفاق على ضم السودان للمفاوضات وقام وزير الموارد المائية والري المصري بزيارة إثيوبيا في يونيو 1994 وهي أول زيارة يقوم بها وزير مصري لإثيوبيا منذ عام 1982
    لكن صانع السياسة المصرية المائية تجاه إثيوبيا سعى للاستفادة من خبرات الماضي بمحاولة وضع صيغة للتعاون بين مصر وإثيوبيا لاستخدام مياه النيل على أن تكون هذه الصيغة مرنة وقابلة لإعادة النظر والتعديل وليس صيغة جامدة كما حدث في اتفاقية مياه النيل في عام 1959 مع عدم الاعتماد على القواعد القانونية فقط لأنها قواعد نظرية أكثر منها فعلية ولأن القواعد القانونية لا تكفي إطلاقاً لإقامة التعاون بين دول النهر الواحد فسعت السياسة المصرية لإقامة مشروعات مشتركة تؤدي في النهاية إلى خلق نوع من الهيئات المشتركة التي تتمتع بسلطة فوق الحكومات فيما يتعلق بالجوانب الفنية والاقتصادية ذات المصلحة المشتركة فعادة ما تخلق هذه المشروعات المشتركة نوعاً من الاعتماد المتبادل بين الدول التي أنشأتها كما حدث بعد إنشاء خزان جبل الأولياء في السودان عام 1930 والذي أدى لتطوير الرابطة المشتركة بين البلدين وقاد على إنشاء " الهيئة الدائمة لمياه النيل" وكذلك خزان أوين الذي كان أساس تطوير رابطة قوية بين مصر وكينيا وأوغندة فإنشاء خزانات للزراعة وتوليد الطاقة وبمبادأة فنية ومالية من مصر وما سيصحب ذلك من مشروعات بنية أساسية سيؤدي إلى اعتماد متبادل يجب التخطيط والتعاون لتحقيقه والاستفادة من نتائجه فيكن ذلك بداية لإنشاء سلطة تعاونية فوق الحكومات لها القدرة على التنسيق مستقبلاً بين كافة الأنشطة.
    ومع ذلك فإن إثيوبيا هي الدولة النيلية الوحيدة التي تغيب دوما عن أي من اتفاقيات وهياكل إدارة حوض النيل فقد تمتعت بصفة مراقب فقط في تجمع الاوندجو وعقدت إثيوبيا اتفاقا للتعاون الإطاري مع مصر في يوليو 1993 إلا عن اللجنة المشتركة بين الدولتين لم تجتمع سوى مرتين خلال السنوات من 1992 على 1997.
    فبالنسبة لتجمع الأندوجو وهي كلمة تعني الإخاء باللغة السواحيلية، فقد كانت مصر صاحبة فكرة إنشائه بتأييد من زائير والسودان، ويضم أغلب دول حوض النيل في منطقة شرق ووسط أفريقيا، وقد أُعلن عن إنشائه أثناء انعقاد المؤتمر الوزاري الأول لدول حوض النيل والذي عُقد بالخرطوم في نوفمبر 1983 وكانت أهداف التجمع:
    أـ التشاور والتنسيق في المواقف بين دول المجموعة تجاه القضايا الإقليمية.
    ب ـ دعم التعاون بين دول المجموعة في مجال التنمية.
    ج ـ تبادل الخبرات في كافة المجالات بهدف دعم التعاون الإقليمي.
    د ـ أن تنعقد اجتماعات الأندوجو في إطار التعاون الإقليمي الوارد طبقاً لخطة عمل لاجوس الاقتصادية الصادرة في 1980.
    هـ ـ دعم التكامل الاقتصادي بين الدول الأعضاء في الاتفاقية. غير أن هذا التجمع صادفته كثير من العقبات التي حالت دون تحقيق أهدافه ومن أهم تلك العقبات:
    أ ـ نقص التمويل الكافي لتمويل مشروعاته.
    ب ـ التنافس الدائم بين إثيوبيا والسودان على استضافة لجنة المتابعة الدائمة
    أما تجمع التيكونيل فهو تجمع للتعاون الفني بين دول حوض النيل للتنمية وحماية البيئة، وقد أُنشئ هذا التجمع في ديسمبر 1992 بمشاركة ست دول كأعضاء عاملين وهم: مصر ـ السودان ـ تنزانيا ـ أوغندا ـ رواندا ـ الكونغو الديمقراطية. وحصلت باقي الدول وأهمها إثيوبيا على صفة مراقب، واستمر مشروع التيكونيل خلال الفترة من 1992 وحتى 1998، الذي يُعد أول آلية منظمة تجمع دول الحوض بخطة شاملة تضمنت 22 مشروعاً، من أهمها مشروع إعداد إطار للتعاون الإقليمي القانوني والمؤسسي بين دول حوض النيل الذي شكلت له لجنة فنية قانونية تضم ممثلين من دول حوض النيل تجتمع بشكل دوري عدة مرات كل عام، وقد تحولت تلك اللجنة في 2002 إلى لجنة تفاوضية مشتركة.وتعمل هذه اللجنة حتى الآن للاتفاق على الإطار القانوني والمؤسسي المنشود إدارة نهر النيل)[ii](
    سياسة مصر المائية تجاه إثيوبيا منذ 1997 : المضامين والأبعاد
    شهدت تلك الفترة تطوير المقترب المصري من السياسة المائية تجاه إثيوبيا إلى نهج تكاملي تنموي يقوم على الجمع بين أدوات السياسة الخارجية المختلفة الاقتصادية والسياسية والثقافية لضمان فعالية جهود مصر الهادفة لتأمين مياه النيل من خلال تطوير إطار تعاوني لتحقيق التنمية بين دول الحوض جميعها بحيث يتحول النيل – كما عبر وزير الري المصري - إلى رابط وثيق بين مصر وإثيوبيا ودول الحوض بشكل أساسي بدلا من أن يتحول إلى قضية خلافية حول توزيع حصص المياه.
    فشهدت العلاقات بين البلدين انفراجا ملحوظا ، تمثل هذا في انعقاد اجتماعات اللجنة المشتركة وذلك خلال الفترة من 25-27 يوليو من عام 2006 بعد فترة توقف طويلة دامت حوالي 17 عاما وقد أثمرت اجتماعات اللجنة المشتركة الأخيرة بالقاهرة عن توقيع العديد من الاتفاقيات والبروتوكولات في المجالات المختلفة، خاصة في إطار تعزيز وحماية الاستثمار، الشئون الاجتماعية، الإعلام، والسياحة شارك في الاجتماعات من الجانب الإثيوبي وزراء: الخارجية، التجارة والصناعة، الثقافة والسياحة، الإعلام، وزير الدولة للزراعة والتنمية الريفية، ورأس الاجتماعات وزيرا خارجية البلدين. هذا وقد وافقت الدولتان علي عقد اجتماع اللجنة المشتركة بينهما كل عامين، وعقد اجتماع لجنة المتابعة كل ستة أشهر.
    من جانب آخر، فقد امتد التنسيق والتشاور بين البلدين في كافة المجالات ، وقد وضح ذلك خلال زيارة رئيس الوزراء الإثيوبي السيد / ميليس زيناوي لمصر في الفترة من 16-19 أبريل من عام 2005 ، حيث امتدت أنشطة تلك الزيارة وفعالياتها إلى مستويات: ثنائية، وثلاثية ( مع السودان) ، ورباعية ( مع نيجيريا) ، ومتعددة الأطراف (مع الدول المشاركة وقتها في اجتماعات النيباد المنعقدة بشرم الشيخ )وجرى الاتفاق على دعم مبادرة حوض نهر النيل وتم توقيع اتفاقيتين للتعاون بين الجانبين بهدف مضاعفة حجم التبادل التجاري القائم بينهما.
    قد أثمرت زيارة وزير خارجية إثيوبيا السيد/ سيوم مسفين خلال شهر يناير 2007 لمصر عن عقد مشاورات إيجابية وهامة بين الجانبين،حيث التقى خلالها بالرئيس/ حسني مبارك حيث زار وزير الخارجية المصرى إثيوبيا خلال الفترة من 5-6 ديسمبر 2004 ، وقد أعلنت مصر خلال هذه الزيارة – في إطار سياستها لضمان الاستقرار في حوض النيل - عن دعمها للحكومة الإثيوبية في جهودها الرامية لحل النزاع الحدودي مع إريتريا سلميا، كما رحبت مصر بمبادرة السلام الإثيوبية ذات خمس نقاط لحل نزاعها مع إريتريا.
    كان من أبرز الزيارات أيضا زيارة وزير الكهرباء والطاقة المصرى لأديس أبابا ومشاركته في الاجتماع الأول لوزراء الطاقة الأفارقة خلال الفترة من 24-25 مارس 2006 ، والذي جاء عقب اجتماع مماثل لوزراء الطاقة في دول حوض النيل الشرقي بالقاهرة في 15 مارس 2006 . وقد تم خلال الاجتماع التوصل لعدد من المشروعات المشتركة والتوصيات مع نظيره الإثيوبي السيد/ ألمايو تجنو
    وفيما يتعلق بالعلاقات الاقتصادية والتبادل التجاري بين البلدين، فقد زاد حجم التبادل التجاري بشكل عام منذ عام 2000 ، ومقارنة بأرقام العام الحالي والسابق: نجد أن المعدل قد سجل خلال سبعة شهور في عام 2007 مبلغ قدره 70.500 مليون دولار ، مقابل 38.500 مليون دولار عن نفس الفترة من العام السابق، أي بزيادة قدرها 83% . وبالنسبة للشركات المستثمرة تبلغ حاليا 23 شركة وذلك برأسمال مصري ومشترك. هناك أيضا استثمار جديد يتمثل في مصنع العدادات الكهربائية. أيضا هناك إجراءات جديدة لاستيراد اللحوم من إثيوبيا يقوم بها السيد / جيرما بيرو وزير التجارة والصناعة الإثيوبي، من أجل دفع التعاون التجاري بين الجانبين.
    كما سعت مصر لدعم التعاون الاقتصادي مع إثيوبيا من خلال إطار مؤسسي مستقر هو منظمة الكوميسا، حيث تكتسب علاقة مصر بإثيوبيا داخل الكوميسيا أهمية فائقة حيث تمثل السوق المشتركة مدخلاً ملائما من مداخل تنمية العلاقات وتفعيلها مع إثيوبيا خاصة في ظل غياب أي تنظيم إقليمي فرعي يربط مصر بإثيوبيا، كما أن تكثيف الحضور المصري الاقتصادي في إثيوبيا يتصدى للتسلل الإسرائيلي الاقتصادي.
    أما التعاون الفني والمنح المقدمة من الجانب المصري، فهي مستمرة ، حيث تعطي مصر الأولوية دائما للجانب الإثيوبي في العديد من المجالات التدريبية خاصة في المجالات العلمية، الزراعية، الإعلامية، الصحفية والمتخصصة وذلك بجانب المنح والدورات التي يقدمها الأزهر الشريف للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية بإثيوبيا وغيرها من المنح.
    أما المساعدات الخاصة بمتضررى الفيضانات، ضحايا الجفاف، المجاعة وغيرهم فهي مستمرة منذ عام 2003 بلا توقف حيث تقدم مصر المساعدات الغذائية، الإنسانية، الصحية وغيرها لكل من لجنة الاستعدادات ومنع الكوارث الإثيوبية، وكذلك لمنظمة الصليب الأحمر الإثيوبية .
    ولعل الجانب المميز في مسيرة العلاقات بين البلدين في الفترة الأخيرة يتمثل في عودة العلاقات الكنسية "والتي استمرت علي مدار 1600 عاما" لوضعها الطبيعي بعد زيارة وفد كنسي مصري رفيع المستوى لإثيوبيا في أواخر يونيه 2007 ، أعقبه زيارة الأنبا/ باولس بطريرك إثيوبيا علي رأس وفد كنسي رفيع المستوى يضم 10 أساقفة يوم 2007/7/13 للقاهرة.
    وفي إطار التعاون الثقافي، تزايدت الأنشطة الثقافية ومن بينها عمل احتفالية مصرية – إثيوبية مشتركة في 2 نوفمبر من عام 2006 وذلك بمقر السفارة المصرية بأديس أبابا، شارك فيها بفاعلية إتحاد الكتاب الإثيوبيين. كما شهدت الفترة من 31 مارس وحتى 5 أبريل مهرجانا للأفلام المصرية ( تم خلاله عرض 6 أفلام مصرية متنوعة) وشاركت مصر في احتفالات إثيوبيا بألفيتها الجديدة من خلال عدد من فرق الفنون الشعبية (2007) ومعارض للحرف التقليدية (2008 )
    وعلى المستوى المباشر المتعلق بنهر النيل استمرت لقاءات وزيري الري في البلدين، وقد شاركت مصر بفعالية في منتدى تنمية حوض نهر النيل الأول بأديس أبابا ( خلال الفترة من 30 نوفمبر وحتى 2 ديسمبر 2006 ) . يذكر أن المشاركة المصرية قد جاءت من خلال وفد رسمي رفيع المستوى، بجانب مشاركة 8 علماء وباحثين مصريين تقدموا بأوراقهم البحثية أمام المنتدى، هذا بجانب وجود عدد من الإعلاميات والصحفيات من مصر شاركوا في ورشة عمل بناء الثقة بين دول الحوض.
    أيضا قام وزير الري المصري بزيارة لإثيوبيا في شهر مارس 2007 للتشاور مع نظيره الإثيوبي قبل المؤتمر الوزاري لدول مبادرة حوض نهر النيل والذي عقد في كيجالي برواندا في نفس الشهر. وأعلن عن استعداد مصر للتوصل لاتفاقية مع دول مبادرة حوض نهر النيل.
    واعتمدت الحكومة المصرية سياسة عدم الإثارة إزاء المواقف الإثيوبية مع تفهم المطالب الإنمائية المشروعة والتعاون مع إثيوبيا بهدف تعظيم الاستفادة من مصادرها المائية لصالح مشروعاتها التنموية بشرط عدم حدوث أي تأثير سلبي على حصة مصر من مياه النيل، فـ " مصر لا تقف ضد بعض المشروعات المطروحة من الجانب الإثيوبي، طالما لا تؤثر على حصة مصر في مياه النيل، بل على العكس سندعمهما في المحافل الدولية والمؤسسات المالية ، مشددين على أن حصة مصر في مياه النهر خط أحمر لن نسمح أبدا بتجاوزه وموقفنا بهذا الصدد واضح وضوح الشمس"(
    فلم تعترض مصر على إعلان الجانب الإثيوبي بدء دراسة جدوى لبناء سد يستخدم في توليد الكهرباء على النيل الأزرق في إطار مبادرة إقليمية تم إقرارها بالتعاون مع مصر لإدارة مياه النهر. لأن السد لا يتعارض مع الاتفاقية التاريخية الموقعة منذ عام 1929.
    وتدعيما للعلاقات الثنائية بين مصر وإثيوبيا قام وزير الري المصري في 5 مايو 2009 بزيارة إثيوبيا لدعم للتعاون مع إثيوبيا في مجالات التدريب والتعليم والبحوث المائية ، وحفر آبار المياه الجوفية وتصميم المنشات المائية الصغيرة ، إلى جانب التشاور مع الجهات الإثيوبية المختصة حول مسيرة العمل في مبادرة حوض النيل والتغلب على أية عوائق في هذا المجال.
    وفي هذه الزيارة طالب وزير الري المصري المسئولين الإثيوبيين "بالشفافية الكاملة بتسليم المستندات والبيانات الخاصة بأية مشروعات مشتركة لمناقشتها بين الأشقاء في حوض النيل انطلاقا من وحدة المصير وسعي مصر الدائم لتحقيق هدف رفع مستوى الحياة المعيشية لمواطني دول الحوض"
    إلا إن السمة المميزة لهذه المرحلة من سياسة مصر المائية تجاه إثيوبيا هو إدراجها ضمن خطة شاملة للتعاون الإنمائي لدول حوض النيل رغبة في تفعيل مجموعة من الآليات المتكاملة المستندة على الحق في التنمية مع عدم الإضرار بالغير بل والسعي لربط دول الحوض بأنساق من المصالح القادرة على تقليص قدرة القيادة السياسية ورغباتها في دول حوض النيل بانتهاج سياسات متعارضة مع تلك المصالح
    وفي هذا الإطار اقترحت مصر بعد تعديل فترة عمل تجمع التيكونيل في ديسمبر 1998، إنشاء آلية جديدة تضم دول حوض النيل جميعاً بما فيها إثيوبيا وكينيا وتشمل وضع إستراتيجية للتعاون بين الدول النيلية، في فبراير من العام 1999 تم التوقيع علي هذه الاتفاقية بالأحرف الأولي في تنزانيا من جانب ممثلي هذه الدول، وتم تفعيلها لاحقا في مايو من نفس العام، وسميت رسميا باسم: "مبادرة حوض النيل"، (بالإنجليزية: Nile Basin Initiative) وتختصر NIB وتبدأ هذه المبادرة بعمل دراسات لبعض المشروعات التي تقوم على مبدأ الفائدة للجميع ثم تنتقل بعد ذلك إلى مرحلة التنفيذ.
    تميزت مبادرة دول الحوض عن غيرها من التجارب باستنادها إلى مجموعة من القواعد والأسس التي أفرزتها خبرة التعاون المشترك منها:
    إعطاء الأولوية لقاعدة المصالح المتبادلة وتعزيز أطر بناء الثقة على المستويين الحكومي والشعبي
    - الاستناد إلى خطط واضحة لاستخدام وإدارة المياه
    - تجاوز مفهوم أحادية الوظيفة الفنية التي تسيطر على مفاهيم ورؤى دول الحوض
    - الحرص على توفير فرص بناء نظام إقليمي للتنمية الشاملة أفقيا في حوض نهر النيل.
    تقوم المبادرة على عدد من المبادئ العامة التي تساعد على تحقيق أهدافها، وتسهل من عملها؛ وهي:
    * أن المياه حق لكل دول الحوض.
    * عدم قيام مشروع يؤدي إلى الإضرار بمصالح الدول الأخرى.
    * أن تعم الاستفادة من أي مشروع على دولتين على أقل تقدير.
    * اتجاه متزايد باستبعاد فكرة الصراع، باعتبار أن المشكلة هي سوء الاستخدام، وليست ندرة المياه .
    ومن برامج المبادرة برنامج الرؤية المشتركة SHARED VISION PROGRAM (SVP):
    تتمثل الرؤية المشتركة للمبادرة في "تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتمـاعية المستدامة من خلال الاستخدام المتكافئ بالموارد المائية المشتركة بحوض النــيل والانتفاع بها"، وذلك من خلال "إقامة آلية للتنسيق، وخلق بيئة مواتية، لتحقيق الرؤية المشتركة من خلال أعمال ملموسة على أرض الواقع"، والمستهدف هو أن يمتد البرنامج ليشمل الحوض بأكمله، ويساعد على دعم العمل المشترك، وتبادل الخبرات، وبناء القدرات، ذلك بما يكفل أساساً قوياً للتعاون الإقليمي. بدأ تكون برنامج الرؤية المشتركة على مدار الفترة الممتدة من فبراير 1999 وحتى مارس 2001 ليتحول من 4 محاور موضوعية إلى7 مشروعات تغطي الحوض بأكمله، وقد تولت الأمانة العامة للمبادرة تنفيذ هذه العملية وتنسيقها، بينما شاركت فيها اللجنة الاستشارية الفنية مشاركة فعالة، وصدق عليها رسمياً مجلس وزراء المياه بدول حوض النيل في "دار السلام" في22/2/1999.
    كما تجدر الإشارة إلى أن الوزراء المكلفون بشئون الكهرباء في دول حوض النيل قد عقدوا اجتماعاً في "دار السلام" في 20/5/2003 شاركت فيه مصر بوفد ترأسه السيد الدكتور/ حسن يونس، وزير الكهرباء والطاقة، وضمت أهم نتائجه:
    * "إعلان دار السلام" للتعاون الإقليمي بين دول الحوض في مجال نقل الكهرباء والطاقة.
    * التصديق على تنفيذ مشروع تجارة الطاقة بمنطقة حوض النيل.
    * تبني رؤية طويلة المدى لإقامة "منتدى الطاقة بحوض النيل"(Nile Basin Power Forum).
    برامج العمل الفرعية:
    تختص هذه المشروعات بالأحواض الفرعية في كل من الهضبة الإثيوبية وفي منطقة البحيرات العظمى، والهدف من هذه البرامج هو إطلاق مسار موازي للرؤية المشتركة يعمل على تنفيذ مشروعات استثمارية، عابرة للحدود، وذات منفعة مشتركة. وتضم المشروعات الفرعية:
    1- برنامج العمل الاستراتيجي للنيل الشرقي: (ENSAP)
    2- ويضم مصر والسودان وإثيوبيا، ويهدف إلى ضمان الاستخدام الأمثل للمياه، ومواجهة قضايا الفقر. وقد تم البدء في هذا البرنامج من خلال مشروع أولي يسمى "التنمية المتكاملة للنيل الشرقي (IDEN)، يضم سبعة مشروعات فرعية؛ هي:
    أ. نموذج تخطيط النيل الشرقـي. ب. تنمية صادرات المياه متعددة الأغــراض .
    ج. الإنذار المبكر من الفيضانات. د. تطوير وسائل الاتصال بين السودان وإثيوبيا
    هـ. استثمار وتجارة الطاقة للحوض الشرقي . و. الري والصرف.
    ز. إدارة مصادر المياه .
    تم إنشاء "المكتب الإقليمي الفني لحوض النيل الشرقي" ومقره أديس أبابا لتسهيل العمل التعاوني بين الدول الأعضاء، ويديره 3 مديرون واحد من كل دولة.
    واستجابة لهذه السياسة حرصت إثيوبيا على تطمين مصر بشأن مياه النيل فنفى "سيفراوجارسو" وزير الري الأثيوبي وجود أي مشروعات مشتركة بين إثيوبيا وإسرائيل، وأن أي تعاون من هذا النوع يتم في أضيق الحدود وعلى مستوى التدريب الفني الذي لا يرقى إلى تعاون يترتب عليه التزامات من الجانب الأثيوبي ،وأكد سيفراوجارسو أن المسئولين الأثيوبيين حريصون على عدم التوقيع على أي اتفاق، أو الموافقة على قيام مشروعات من شأنها تعرض أمن مصر أو الدول المشاركة في حوض النيل للمخاطر، سواء من جانب إسرائيل أو غيرها من القوى الدولية والإقليمية
    سياسة مصر المائية تجاه إثيوبيا: الفرص والتحديات
    إن تعزي التعاون بين مصر وإثيوبيا يتيح لمصر الاستفادة من المشروعات المشتركة من ناحية والاعتراف بمطالب إثيوبيا من ناحية أخرى بما يجعل حل الخلاف المائي ممكنا بصورة تعاونية لكن في إطار عدد من العوامل أهمها:
    - الوعي بالاعتماد المتبادل والبعد عن الإثارة في تناول قضية المياه بين البلدين
    - إمكانية زيادة إجمالي واردات المياه
    - استثمار الميراث الممتد من المبادرات القائمة على حل النزاعات وبناء الثقة
    - فعالية دور الفاعلين الدوليين المهتمين بحل الصراع بصورة بناءة وتوفير حوافز للتعاون بين الدول المتشاطئة.
    ويرتبط ذلك التعاون بالقدرة على تفعيل مجموعة من الآليات المتكاملة المستندة على الحق في التنمية وعدم الإضرار وفي هذا السياق يمكن التركيز على عدة مستويات للتحرك
    الأول الدخول في مفاوضات سياسية تراعي المصالح المشتركة وعدم الإضرار وتعدد سبل التعاون الجماعي
    المستوى الثاني يتعلق بالبعد التنموي الذي يتبناه العديد من دول الحوض في ما يتعلق بالاستخدام الثل للموارد وكيفية أن يكون متجاوزا للتقلبات غير المتوقعة ويرتبط بهذا تغيير نمط الري من ري مطري إلى ري دائم في إثيوبيا على الأخص.
    المستوى الثالث إشراك المنظمات الشعبية في شبكة من التفاعلات البيئية على مستوى المجتمعات في دول الحوض بما يحقق مقتضيات تغيير الصورة الذهنية المتبادلة والإدراك الحقيقي لمتطلبات التعاون الجماعي. إن التحدي أمام مصر وإثيوبيا هو النجاح في مشاركة الفائدة بدلا من المشاركة في صراع وزيادة الإنتاج بدلاً من إثارة التوترات والتعاون لتطوير حاويات مياه بدلاً من حاويات حروب واستخدام المياه بدلاً من سوء استخدام المياه.



الثلاثاء، أبريل 13، 2010

المقاضاة والمصالحة: مداخل متنافسة أم متكاملة للعدالة الانتقالية

  • Alkasd my other blog
  • Leebaw, Judging the past: Truth, Justice, and Reconciliation from Nuremberg to South Africa, Unpublished dissertation, (Berkeley: University of Calfornia, 2002).

    تدرس هذه الأطروحة التضمينات السياسية للمداخل النظرية المتنافسة للعدالة الانتقالية وتطورها، وتبحث كيف يمكن تقييمها بشكل نقدي، ويدرس القسم الأول من الأطروحة المعضلات النظرية للعدالة الانتقالية من خلال أعمال "كارل ياسبرز" و"هانا أرنت" و"أدورنو", وتحاج بأن اهتمام المناظرة الحالية حول لجان الحقيقة والمحاكم الجنائية الدولية تركز على البعد الرمزي للعدالة الانتقالية، وأنه يجب إيلاء مزيد من الاهتمام بالحكم السياسي في تصميم هذه المؤسسات، وبالخبرة التاريخية التي أنتجتها.
    أما القسم الثاني من الأطروحة فيرسم مسار تطور مدخلين متمايزين للعدالة الانتقالية:مدخل المقاضاة الذي تناصره أغلب منظمات حقوق الإنسان، ومدخل العدالة التصالحية الذي طوره قادة جنوب أفريقيا. ومن خلال الدور المتداخل الذي تقوم به الدعاوى الأخلاقية والسياسية في تصميم مشروعات العدالة الانتقالية المعاصرة تحاول الأطروحة إلقاء الضوء على المخاطر التي تحملها العدالة الانتقالية وإسهاماتها في عملية إضفاء الطابع الديمقراطي، ودور منظومة حقوق الإنسان الدولية في مواجهة والتعامل مع الصراعات الداخلية ومظالم الماضي
    فقد كانت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، ولرواندا،و لجنة جنوب أفريقيا للحقيقة والمصالحة أمثلة بارزة على المؤسسات الوطنية والدولية العديدة التي ظهرت في مختلف مناطق العالم في العقود الماضية استجابة للاعتقاد المتنامي بأن التعامل مع الماضي عنصر ضروري لبناء الأمة وحل الصراع والديمقراطية - وبشكل أوسع - توقع إمكانات تحقيق العدالة مستقبلاً، فيتعامل قادة النظام الخلف (الجديد) مع المظالم المرتكبة تحت حكم النظام السابق من خلال المحاكمات الانتقالية، والتطهير الإداري، والتعويضات - وفي السنوات الأخيرة - لجان الحقيقة التي تحقق في الأنماط التاريخية من العنف وأصبحت أدوات للاستجابة لانتهاكات الماضي، ويعرف الحقل العلمي الذي يدرس هذه المؤسسات وتفسير تفريعاتها بالعدالة الانتقالية.
    ترتبط العدالة الجنائية بمحاكمة ومعاقبة المذنبين في المحاكم، ويقوم هذا الفهم للعدالة الجنائية على تصور للجريمة كأعمال تنتهك القواعد الصريحة لنظام العدالة في حين أن كل جهود العدالة الانتقالية سواء في رواندا أو جواتيمالا أو جنوب أفريقيا تهدف إلى الاستجابة لمجموعة من المشكلات تُعَقِّد مثل هذه الافتراضات عن الجريمة والعدالة. فثمة العديد من البلدان التي تشهد تغيراً جوهرياً في الحكومة أو الدستور وأصبح ينظر - كجزء من عملية التغير السياسي الديمقراطي - لصراعات الماضي وسياسات الدولة السابقة باعتبارها إجرامية، وإنها ليست مجرد عنف واسع النطاق وحسب بل ومظالم جسيمة. وكل من هذه البلدان مقسم بشكل بالغ: فقطاعات عريضة من السكان عانوا الكثير، وأغلبهم إما كانوا ضحية المعاناة أو ضالعين بشكل أو بآخر في إيقاع هذه المعاناة. وبالإضافة إلى الاستجابة لمطالب تحقيق العدالة، فإن على هذه البلدان مواجهة الانقسامات، والكراهية، والخوف، والتهديدات، وعدم الاستقرار الناجم عن الفظائع التي ارتكبت في سياق صراعات الماضي. فلابد لها أن تواجه مسألة كيف يجد هؤلاء الناس الغاية في الانقسام على أنفسهم طريقة للعيش مع بعضهم بعضاً.
    يركز مجال العدالة الانتقالية على الانتقال إلى الديمقراطية، فهذا الحقل تأثر بشكل بالغ بمناصري حقوق الإنسان الذي رأوا أن العدالة الانتقالية توفر جسراً للانتقال من فترة التسلطية والقمع أو الصراع المدني لنظام سياسي أكثر ديمقراطية.
    إن مفهوم العدالة الانتقالية قسم متداخل بين نوعين من المسائل التي عادة ما تعالجها حقول بحثية متمايزة: فتثير العدالة الانتقالية مسائل نظرية صعبة عن تطبيق القواعد بأثر رجعي، وصياغة مفهوم العدل في غياب معايير مشتركة، والظلم المتأصل في أي نظام لإصدار الأحكام، والعلاقة بين العدالة الجنائية والعدالة الاجتماعية، وفرض عدالة المنتصر على المغلوب. كما أن العدالة الانتقالية تتأثر بعالم القوة والمصالح والجبر والاهتمامات النفعية والتحالفات والاستقرار والتي تتم معالجتها تقليدياً في ساحة علم السياسة.
    إن هذين النوعين من الاهتمامات في مجال العدالة الانتقالية يؤثر كل منها على الأخر بطرق معقدة برغم ما تبدو عليه من تعارض وتمايز.
    مفهوم الانتقال نفسه مفهوم إشكالي، فعادة ما ينظر للعدالة الانتقالية كعملية "انقطاع عن الماضي" لكن في المجال البحثي حول العدالة الانتقالية لا يجري التعامل مع الانتقال كنقطة واضحة ومحددة في مسار زمني، بل كفترة غير محددة بدقة تبدأ بالأحداث التي أدت لانهيار النظام امتداداً إلى السنوات الأولى للنظام الجديد. ومؤسسات العدالة الانتقالية مؤسسات مؤقتة ولا تشترك في مهامها مع نظام عدالة قائم وساري في الدولة، ومع ذلك يصعب فرض حدود على تصور الانتقال السياسي نفسه. ويتحدى المجال البحثي بشأن العدالة الانتقالية فكرة أن الانتقال يكتمل بتغيير النظام وذلك بتأكيده على عملية التعامل مع الماضي، فالسياسة بشكل عام – من وجوه عدة – عادة ما تكون في انتقال، بما يعني أن للعدالة الانتقالية تضمينات أوسع للنظرية السياسية وعلم السياسة.
    وقد ظهر مدخلان متنافسان للعدالة الانتقالية، وأصبحا مؤثرين في تشكيل خيارات السياسة فتحاج أغلب منظمات حقوق الإنسان الآن بوجوب التعامل مع العنف السياسي النظامي في ساحات المحاكم وفقاً لمبادئ القانون الدولي، من خلال مقاضاة الأفراد المسئولين عن تنظيم أو ارتكاب هذه الأعمال الوحشية، ويتم تقديم مدخل الملاحقة القضائية الآن تأسيساً على فكرة أن العدالة الدولية في شكل المحاكمات ستسهم في بناء الدولة وحل الصراع، لكن قادة جنوب أفريقيا يحاجون بان لجنة جنوب أفريقيا للحقيقة والمصالحة تقدم بديلاً: "مدخل التصالح" الذي يركز على ضحايا الجريمة والتعامل مع الأضرار الملموسة التي ألحقت بهم من خلال عملية غير رسمية للتوسط بين الطرفين. ويحاج أنصار عدالة التصالح بأنها تبلي بلاءً أفضل من المقاضاة في التعامل مع التوترات والمعضلات المرتبطة بالسياق الانتقالي وتعمل المنظمات الدولية والقادة السياسيون النظر في كيفية تصدير مبادئ عدالة التصالح والتجديد لاستخدامها في سياقات انتقالية جديدة.
    كيف يجب تقييم ممارسات ونظرية العدالة الانتقالية بشكل نقدي ؟ هذا هو السؤال الذي يوجه هذه الأطروحة. فقد استرعت محاكمات نورمبرج انتباه العالم لآثام كبار قادة النازي مثل هرمان جورنج وإدانتهم أمام هيئة دولية، وعلى الرغم من أن المحاكم الدولية المعاصرة ولجان الحقيقة لم تسترع إلا انتباهاً عالمياً أقل فإن المعلقين ركزوا على "الرؤوس الكبيرة" مثل "ميلوسوفتش".
    يتصل أحد التحديات الهامة لجهود العدالة الانتقالية بالطريقة التي يبرر بها مرتكبو الأعمال الوحشية بشكل ممنهج أفعالهم باعتبارها دفاعاً عن النفس، أو لضرورات الطاعة و الواجب، أو كضرورة سياسية. وكيف يمكن تمييز الدعاوى من هذا النوع عن أشكال النفي. وتعني صعوبة ذلك أن تركيز ونطاق التحقيقات الجنائية سيظل محل جدل محتدم في سياق الانتقال وأن جهود "إقامة العدل" في هذه السياقات ستصبح معقدة في العديد من وجوهها.
    فبداية تتأسس أغلب نظريات العدالة الجنائية على سياق من المعاني المشتركة فيه ينشأ الرد على الجريمة، لكن هذا بالضبط هو ما يفتقده السياق الانتقالي، والأهم أن إمكانات عملية إيجاد بنية مترابطة من دعاوى العدل في هذا السياق المتوتر غير المستقر محدودة جداً. فينطوي الانتقال السياسي بوجه عام على تهديدات من قبل المتورطين في الانتهاكات المرتكبة أيام النظام السابق، وربما لا يزالون يسيطرون على عناصر من المنظمات العسكرية وغير العسكرية، وبالإضافة إلى ذلك فإن أقساماً عريضة من الناخبين قد يفضلون نسيان الماضي ويتم التعبير عن هذا في شكل ضغوط على القادة المنتخبين حديثاً لتقديم رؤاهم وحلولهم الوسط في مسألة العدالة. إن الطريقة لتي تتم بها صياغة مفهوم العدالة أثناء فترة الانتقال كاستجابة للأعمال الوحشية الهائلة ستكون حذرة وبشكل ضمني كحل وسط، وستعبر المؤسسات الانتقالية عن أملها في مراجعة الحلول الوسط الانتقالية بمرور الزمن .
    وقد وجدت الأطروحة توتراً هاماً بين طقوس العقاب أو العفو التي تقوم بها هذه المؤسسات والتحقيقات التاريخية التي تجريها. وعليه تقدم الأطروحة رؤى نقدية هامة لمجموعة المخاطر والإسهامات المحتملة للجان الحقيقة والمحاكمات الانتقالية، والتي أهملتها التحليلات القانونية والمعيارية الأولى. فمن المخاطر الرئيسية أن السجلات التاريخية الناتجة عن مؤسسات العدالة الانتقالية والتي تعمل تحت شعار حقوق الإنسان قد تطبع التساومات الانتقالية مع العناصر الإجرامية والقمعية من النظام السابق بطابع الشرعية، ومع ذلك ثمة إمكانية أن تسهم السجلات التاريخية المنشأة في جهود تجاوز الطقوس الرمزية والتعبيرات والتمثلات المؤقتة للعدل في السياق الانتقالي لتقدم أساساً لنقد مستقبلي للتساومات الانتقالية.
    يقدم الفصل الأول رؤية عامة لمناظرات العدالة الانتقالية والمدخل المقترح لتقييمها ثم تنقسم الأطروحة إلى قسمين: يطور القسم الأول مدخلاً نظرياً لتقييم مشروعات العدالة الانتقالية بشكل نقدي اعتماداً على أعمال أربعة منظرين سياسيين استجابوا لمجموعة مشابهة من القضايا في أعقاب النازية ومحاكمات نورمبرج وهم "كارل ياسبرز" و"هانا أرنت" و"بريمو ليفي" و "تيودور أدورنو".
    يدرس الفصل الثاني مفهوم "الانقطاع عن الماضي"، ويبدأ باقتراح بأن المدخل النقدي للتفكير بشأن فكرة المصالحة لابد أن يبدأ ببحث عوائق الاتصال والتغير السياسي في أعقاب الفظائع الكبرى، ثم يقارن بين كتابات ياسبرز وأرنت وأدورنو حول الموضوع مركزاً على الكيفية التي قيم بها كل منهم التوتر الداخل في مراجعة أفكار المجتمع السياسي في السياق الذي استخدمت فيه مُثل المجتمع لتبرير ما ينظر إليه الآن على أنه فظائع وحشية.
    ويستكشف الفصل الأساليب التي استخدمتها الجهود العامة للانقطاع عن الماضي مثل المعاقبة وتسوية الحساب الفعلية والصفح لإبدال الاستجابات السياسة محل البوادر والإيماءات الرمزية الواهنة، ومن ثم الإنكار المشروع والتلافي. وباستخدام كتابات أرنت وأدورنو عن مفهوم والتر بنيامين لل"التذكر" يشير الفصل بأن دور الذاكرة الهام هو في تقديمها أساساً يمكن انطلاقاً منه رؤية العدالة والمجتمع السياسي فيما يتجاوز الإمكانات المحدودة المتاحة في الفترة الانتقالية.
    يدرس الفصل الثالث التوتر والشد والجذب بين هدف الحكم على أولئك الذين تورطوا في جرائم جرت بشكل ممنهج، وهدف فهم كيف ولماذا أصبح هذا التورط ممكناً، وذلك من خلال مقارنة مركزة بين أعمال أرنت وليفي الذين استجابا لهذا التوتر بطرق مختلفة تستبق وتتوقع المناظرات الحالية حول مزايا المقاضاة ولجان الحقيقة. ويركز هذا الفصل على أن هذا الاختلاف يجد جذوره في اختلاف تصورهما لإمكانية الاحتجاج المعنوي ضد الأعمال الوحشية، فتركيز ليفي على فهم خبرات الأفراد الذين وضعوا في مواقف وأوضاع مختلفة يحدد مفهوم المسئولية السياسية والمعنوية الذي استعاره القادة السياسيون ومؤيدو حقوق الإنسان من كتابات ياسبرز و أرنت
    ويدرس الفصل الرابع كيف يصبح الحكم القانوني والقيمي judgment ملائماً من الناحية السياسية في سياق يتسم بالصراع والانقسام والكراهية، ويشير الفصل بأن كتابات أرنت عن الحكم تقدم إطاراً هاماً لتقييم مشاريع العدالة الانتقالية الحالية، ويستخدم تفسير" بيتر يوبن" للحكم السياسي دون التسليم برؤيته عن المجتمع السياسي. ويشير هذا الفصل بأنه يمكن فهم الحكم السياسي بشكل أفضل بتمييز الأحكام السياسية عن الأحكام التاريخية.
    يرسم القسم الثاني من الأطروحة معالم تطور المداخل المعاصرة للعدالة الانتقالية، فيدرس كيف طورت شبكة من منظمات حقوق الإنسان أفكاراً واستراتيجيات لتعزيز العدالة الانتقالية ويتتبع الفصل الخامس تطور مدخل الملاحقة القضائية للعدالة الانتقالية من محكمة نورمبرج إلى المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة ولرواندا.
    ويشرح الفصل السادس كيف تطور مدخل العدالة التصالحية في سياق أربعة مراحل للانتقال في جنوب أفريقيا منذ النزعة النضالية في الثمانينات إلى تطوير وإدارة لجنة الحقيقة والمصالحة.
    وتبحث هذه الفصول هذين المدخلين الذين برزا عن نفس شبكة الأنشطة، وتصف الكيفية التي تحولت بها الأفكار حول العدالة والمصالحة والحقيقة. ويخلص الفصل إلى أن ظهور هذين المدخلين يمكن تتبعه إلى الاستجابات المتباينة للانتقال السياسي في الأرجنتين عام 1983 والصراعات حول الجهود الأرجنتينية لملاحقة انتهاكات حقوق الإنسان المقترفة أيام النظم السابقة قضائياً فبينما استجابت منظمات حقوق الإنسان لهذه الصراعات بالدعوة ل "واجب المقاضاة" وفق القانون الدولي وأيدت محاكمات محدودة لضرب الأمثلة استجابة للصراع السياسي، ناصر آخرون ومن أبرزهم القائد التشيلي "جوزيه زالاكِت" مساراً بديلاً للعدالة الانتقالية بالتأكيد على التفهم والصفح مع توثيق قصص الضحايا. وكان لهذا صداه في دوائر الناشطين في جنوب أفريقيا بميراثها الطويل من العدالة المجتمعية غير الرسمية والمنظمات التي دخلت في العملية الانتقالية والتي أدارها العاملون في المجال الديني و الصحة العقلية لا المحامون.
    يناقش الفصل الختامي الافتراضات الإشكالية في كل مدخل، والتي لن تكون واضحة إذا ما تم تقييم العدالة الانتقالية في علاقتها بمبادئ مجردة للعدالة أو معايير القانون الدولي، ولكنها تبرز عندما يتم بحث المدخلين كجهود نامية استجابةً للصراع المحلي والتورط في الانتهاكات.
    ويحاج هذا الفصل بأن قوة وضعف الملاحقة القضائية ولجان الحقيقة كاستجابات انتقالية للفظائع المرتكبة بشكل منهجي يمكن تقييمها في علاقتها بالدور السياسي والحكم التاريخي في كل نمط من الأنماط المؤسسية، فقانون حقوق الإنسان وجهود دعمها لا يجب اعتبارها أساساً لحل الصراعات الجوهرية أو تطوير نظام تأسيسي للعدالة بل كأساس للتحقيق والاستقصاء النقدي للمظالم التاريخية وللطرق التي من خلالها أصبحت المظالم والتفاوتات شرعية وغرست في نظام العدالة المؤسسي.
    ماضي ومستقبل العدالة الانتقالية :
    تأثرت نظرية وممارسات العدالة الانتقالية بشبكة مؤيدي حقوق الإنسان التي بدأت في تكريس الموارد والاهتمام بمؤسسات العدالة الانتقالية أعقاب التحول في الأرجنتين في 1983 حيث أصبحت منظمات حقوق الإنسان قادرة على التأثير على القواعد الدولية من خلال تطوير شبكات تعبئ المعلومات استراتيجياً وتسعى لا للتأثير على نواتج السياسات وحسب بل ولتغيير مصطلحات وطبيعة المناظرات نفسها، وقد نتج عن هذه الشبكات نهجان لصياغة مفهوم العدالة الانتقالية تُظهِر دراستهما أهمية مدخل التجديد واستعادة العافية، وتحديد بعض أشكال التعارض الناشئة في سياق الجهود الهادفة للمزج بين هذين المدخلين.
    أولاً : تم تطوير مدخل العدالة التصالحية على يد القادة الذين كان عليهم أن يأخذوا في الاعتبار قضايا حقوق الإنسان في سياق الحكم، بينما تَشَكَل مدخل المقاضاة بين مناصري حقوق الإنسان الذين عملوا باستقلال عن سلطة الدولة، وإن احتفظوا بتحالفاتهم وصلاتهم مع منظمات حقوق الإنسان المحلية وجماعات مناصرة الضحايا. لكن "جوزيه زالاكت" انتقد موقف مؤيدي هذا المدخل، وأعاد النظر في مفهوم المصالحة من منظور حقوق الإنسان، وحاج بأن الصراعات المحيطة بالمحاكمات في الأرجنتين هي علامة على القيود التي ترد على المقاضاة في سياق تغير النظام، وناصر لجان الحقيقة كبديل للمقاضاة يَحْكُمُ على جرائم الماضي ويعزز المصالحة في الوقت نفسه. وزالاكت هو أحد المدافعين ذائعي الصيت عن حقوق الإنسان، لكنه أيضاً مستشار الرئيس التشيلي "باتريشيو أيلوين" ومفوض لجنة الحقيقة والمصالحة التشيلية، وقد اتبع نهجه قادة جنوب أفريقيا، وقد تأثر مسعاهم لتطوير مدخل بديل بالكيفية التي سعى من خلالها هؤلاء القادة هؤلاء القادة بعمل موازنة بين الالتزام بمبادئ حقوق الإنسان والحلول الوسط الضرورية لتأمين التغير الديمقراطي.
    على أن تطور مدخل العدالة التصالحية لم يكن فقط نتاج نهج براجماتي، بل تأثر أيضاً بالتأكيد على العدالة الاجتماعية بين قادة جنوب أفريقيا، كما تأثر بأفكار معينة ارتبطت بالكفاح ضد سياسة الفصل العنصري (الأبارتهايد ) وأهمها: العقائد السوداء، ومحاكم الشعب في المدن والتي ضَمَّنت نقد المبادئ الرسمية للعدالة في مقاومتها لسياسة الفصل العنصري، وربطت العدالة الاستجابية غير الرسمية بالتغير الاجتماعي، وخلال عملية التفاوض في جنوب أفريقيا حاج القادة ممثلو المؤتمر الوطني الأفريقي بأن المقاضاة ليست مثيرة للانقسامات من الناحية السياسية وحسب، بل ومحدودة القيمة قياساً إلى أهداف العدالة الاجتماعية والقدرة على تلبية حاجات الضحايا.
    لكن العدالة التصالحية ليست مجرد نتاج لحلول تساومية أو جهود لشرعنة الحلول الوسط، بل تطورت كمدخل نظري بديل لخوض غمار توترات السياق الانتقالي، تماما مثلما كما كان على مؤيدي مدخل المقاضاة أن يطوروا طريقة للتعامل مع الانقسامات السياسية والصراعات الناشبة بفعل المقاضاة الانتقالية.
    تتضح أهمية وبروز نقد جنوب أفريقيا لمدخل المقاضاة من الكيفية التي جرى بها تصدير مبادئ التصالح المرتبطة بلجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا إلى أقطار لا تزال الملاحقة القضائية جارية فيها، وتثير هذه التطورات التساؤلات حول الجهود الجديدة لمزج عناصر من مدخلي العدالة الانتقالية، ويقف القاضي رتشارد جولدستون في وضع فريد من حيث مساعدته في تطور لجنة الحقيقة والمصالحة والمحاكم الجنائية الدولية المؤقتة، حيث عين بوصفه قاضياً رئيساً للجنة الحقيقة للتحقيق في أحداث العنف التي جرت خلال عملية التفاوض في جنوب أفريقيا. وكان لنجاح اللجنة أثره البالغ على قرار إنشاء لجنة الحقيقة وبعدها أصبح جولدستون أول مدع عام في المحاكم الجنائية الدولية المؤقتة، وهي الوظيفة التي اقتضت منه صرف قدر كبير من جهده لحشد الدعم لها، وبعدها عاد إلى جنوب أفريقيا لينضم لهيئة المحكمة الدستورية ويصر جولدستون أن مدخل جنوب أقريقيا للعدالة الانتقالية لا يتعارض بل يتمم عدالة التقاضي فالمحاكم يمكنها إرساء المسئولية الفردية بإظهارها أن مرتكبي الجرائم المرعبة لابد وأن يدفعوا الثمن، لكن لجان الحقيقة تناسب بشكل أفضل مهمة مساعدة مجتمع مدمر في الوصول لفهم أعمق لأسباب معاناته فنطاق التاريخ أوسع من إثبات التهمة على قلة معينة من الأفراد.
    وقد تأثرت البوسنة بخبرة جنوب أفريقيا ودعم معهد الولايات المتحدة للسلام إنشاء لجنة للحقيقة في البوسنة التي يرى" جاكوب فينسي" رئيس رابطة مواطنين من أجل الحقيقة والمصالحة أنها ستحسن العلاقة بين الجماعات العرقية، وأن عمل المحاكم لم يكن له تأثير يذكر على رواية الأطراف المختلفة للتاريخ والتي لا زالت تصف أبناء الجماعات الأخرى على أنهم أعداء ألداء، بما قد يمهد لصراع جديد. ويحاج جاكوب بأن اللجنة ستعالج هذه المشكلة من خلال "عدالة تضميد الجراح".
    إن تطورات العدالة الانتقالية في أقطار جنوب أفريقيا ويوغوسلافيا السابقة وسيراليون وغيرها تبرز القيود التي ترد على كلا المدخلين: المقاضاة، و التجديد والتعافي. كما أن المنظور التاريخي يظهر صعوبة التوفيق بين المبادئ والمقدمات المتعارضة في كلا المدخلين. فهما ينطويان على أفكار متعارضة حول معنى ودور حقوق الإنسان الدولية فمدخل المقاضاة يشتق مبادئ العدالة من معايير حقوق الإنسان الدولية الرسمية، ويدعم المحاكمات الدولية كوسيلة لتقديم شكل من أشكال تعليم مبادئ حقوق الإنسان العالمية للناس المتورطين في صراع محلي في حين يستخلص منهج التصالح والتجديد مبادئ العدالة من القيم التقليدية والمجتمعية، ويسعى مؤيدوه لتطوير أساس لحقوق الإنسان عابر للثقافات من خلال إعلاء مفهوم الكرامة الإنسانية المرتبط بحقوق الإنسان، مع إيلاء وزن أقل للحقوق الفردية.
    ومن ناحية أخرى فإن المدخلين يقومان على أساليب متعارضة لفهم الصرع والمسئولية فمدخل المقاضاة يقوم على تصور قانوني بأنه يمكن حل الصراع من خلال الالتزام بقواعد اصطلاحية formal ويميل مؤيدوه لرؤية أن السبب الأساسي للأعمال الوحشية الممنهجة هو الإفلات من العقاب. أما مدخل العدالة التصالحية فيقوم على رؤية أنه يمكن التعامل مع الصراع من خلال جهود القضاء على الألم والمعاناة والكراهية التي سببتها انتهاكات الماضي، ويميل مؤيدوه إلى تحديد الاستجابة المعنوية والمعاناة - وليس غياب العقاب - كأهم أسباب الانتهاكات التي تجري بشكل منهجي. وقد أثارت الطرق المختلفة التي فهم بها المدخلان الصراع طرقاً مختلفة أيضاً لصياغة مفهوم المسئولية، فمدخل المقاضاة يعزو المسئولية لأفراد معينين عن اقترافهم أعمالاً معينة تنتهك القواعد، في حين أن مدخل التصالح يعطي الأولوية لإقامة مسئولية جماعية لمواجهة تبعات وتداعيات جرائم الماضي، ولابد من أخذ هذه المبادئ المختلفة والمتضاربة في الاعتبار لدى محاولة المزج بين المدخلين .
    افتراضات إشكالية لكلا المدخلين
    يرى "ميتشل إجناتييف" أن أغلب جهود مناصرة لجان الحقيقة والمحاكم الجنائية الدولية تقوم على "بنود عقدية " مثل فكرة أن "الحقيقة مؤكدة و لا تقبل المنازعة حولها"، وأنه لدى معرفة الجميع بها تصبح لها قدرة مداوة الجراح والمصالحة، وبالمثل تحدد الأطروحة مجموعة من الافتراضات لهذين المدخلين للعدالة الانتقالية يمكن اعتبارها مبادئ عقدية، وتسعى لدراسة تضميناتها من خلال تتبع تطورها.
    فكلا المدخلين التجديدي ومدخل المقاضاة يتشاركان مجموعة من المشكلات على ما بينهما من تعارض، فكلاهما تطور عبر تقديم حجة مؤيديهما للاستجابة للصراع الكثيف على حساب كيفية تحديد محور تركيز ونطاق التحقيقات الجنائية، وفي كلا المدخلين أدى هذا بمؤيديهما للاعتماد بشكل متزايد على البعد الرمزي للعدالة كأساس لا لتجاوز الصراع وحسب، بل ولحله أيضاً فمؤيدو المقاضاة الانتقالية استجابوا للصراعات على حساب جهود إجراء التحقيقات الجنائية من خلال التركيز على جرم الأفراد واقتراح أن العدالة الدولية تتجاوز النضالات المحلية للوصول للسلطة، وتيسر المصالحة الوطنية. واستجاب مؤيدو مدخل التصالح للصراع السياسي بالتأكيد على أن الهدف المشترك ب"تضميد الجراح" سيقدم أساساً للعدالة والمصالحة معاً، لكن الدعاوى النظرية الخاصة بالآثار الاجتماعية للإدانة والعقاب وكذا الداعمة لعدالة التصالح والتجديد تتأسس على مقدمات تتصل بوجود سياق من القيم والتوقعات المشتركة بينما يعتمد مؤيدو العدالة الانتقالية على افتراض أن البعد الرمزي للعملية سيحول الاتجاهات والمعتقدات لتولد قيماً مشتركة.
    لكن الحال ليس كذلك ففي ألمانيا والأرجنتين والبلقان نبذت قطاعات عريضة من السكان شرعية المحاكمات الجنائية القائمة على معايير قانونية دولية وفي جنوب أفريقيا نبذت القيادات السياسية المرتبطة بالأبارتهايد شرعية لجنة الحقيقة والمصالحة باستثناء أحكام العفو وهو ما وافقهم فيه غالبية السكان البيض.
    ثمة مشكلة أخرى تتعلق بإهمال هذا الطرح رؤية إمكانية تيسير الأعمال الرمزية لتجنب التفكير الأخلاقي والسياسي الذي يرد على جرائم الماضي. فقد لاحظ "ياسبرز" و"أدورنو" و"أرنت" أن الجهود العامة لتكريس الانقطاع عن الماضي قد تعمل على تغييم الكراهية المستمرة وامتدادات الماضي المستمرة. وقد ظل مؤيدو لجان الحقيقة والمحاكم الجنائية إلى حد ما غامضين بشأن هذه المسألة، فعلى الرغم من ادعائهم بأن الرسالة الرمزية للعدالة الانتقالية ستولد تحولاً سياسياً واجتماعياً أوسع، فإنهم اعتمدوا على غموض الدعاوى الرمزية كاستجابة استراتيجية للصراع الكثيف أكثر من اهتمامهم بكيفية الحكم على الماضي، وهذا يقوض منطق المدخلين لربط العدالة الانتقالية بحل الصراع والمصالحة الوطنية، كما يقوض الدعاوى الأخلاقية على جانب كلا المدخلين.
    وتفاقمت هذه المشكلات بتجاوز المدخلين للعديد من القضايا، فهما وضعا مبادئ متجاوزة لتخدم كأساس للعدالة الانتقالية لكنهما أهملا رؤية الدور الذي تقوم به الحلول الوسط السياسية في تأطير الكيفية التي تحكم بها المؤسسات على الماضي لذلك خلط مؤيدو المدخلين التنازلات السياسية والحلول الوسط ب"المصالحة الوطنية" بما أدى بمؤيدي العدالة الانتقالية للمبالغة في أهمية الدور الذي تضطلع به هذه المؤسسات في تحويل العلاقات السياسية والاجتماعية.
    ومع الأخذ بهذه المشكلات المشتركة في الاعتبار، يمكن تحديد مشكلات خاصة بكل مدخل فأحد الافتراضات الإشكالية لمدخل المقاضاة أن المقاضاة الدولية تحمي وتحصن العدالة من النضالات المحلية، الأمر الذي أدى إلى إهمال فهم كيف تتقاطع المحاكمات الدولية مع الاهتمامات المحلية. وتشير الحالات الدراسية التي تناولتها الأطروحة أن الصراعات المحلية أثرت على طرق تأطير التحقيقات، وعلى الطرق التي تم بها تفسير محاكمات الأفراد. وقد عقًّد هذا دور العدالة الدولية كاستجابة للنضالات المحلية، كما أضعف إهمال هذه العوامل الحجج المطروحة لصالح مدخل المقاضاة. فعلى سبيل المثال، دعا النداء العاجل الصادر عن منظمة مراقبة حقوق الإنسان للمحاكمة " عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية " دون تحديد واضح لمن هذا الذي ستتم محاكمته، وعن أية جرائم ضد الإنسانية تحديداً، وخلال أية فترة زمنية، فلو جرى اتخاذ قرار بمحاكمة أمراء الحرب دون التعامل مع مسألة معاملة "طالبان" للمرأة - وهي جريمة لم تذكر في النداء العاجل المشار إليه- فسيكون لذلك تضميناته الخطيرة للدعاوى الأخلاقية لهذه المحكمة. إن قراراً بمن ستجري محاكمته وعن أية جرائم سيتأثر بجهود منع الصراعات والأعمال العسكرية التي تقوم بها الولايات المتحدة وحلفاؤها في هذه الدولة. ويثير هذا تساؤلات حول الدعوى بأن مدخل المقاضاة الدولية يسمو بشكل متأصل على البدائل الأخرى، هذه الدعوى التي تتأسس على مقولة أن المحاكمات الدولية تتجاوز تسويات الحلول الوسط بصورة لا تستطيعها لجان الحقيقة والتعويضات.
    أما بالنسبة لمدخل التجديد والتعافي، فيلاحظ أن خطط تطوير لجان الحقيقة في سيراليون والبوسنة قد أدمجت فيها التركيز على تضميد الجراح المأخوذ بشكل غير نقدي عن جنوب أفريقيا، لكن هذا الطرح بدوره يعاني العديد من المشكلات أولها: أن قادة جنوب أفريقيا أرسوا فكرة الحقيقة الشافية على جهود لمقاربة عملية الوساطة غير الرسمية والتي تمثل محور عدالة التصالح والتجديد، لكن هذه العدالة وغيرها من أشكال العدالة غير الرسمية تفترض مجتمعاً له قيمه المشتركة التي ترشد وتوجه هذه العملية وفي غياب مثل هذا المجتمع فإن التركيز على المعالجة والتضميد قد يشوش ويُغْمي المظالم والصراعات بدلاً من أن يواجهها .
    وثانياً فإن هدف مداواة الأفراد ومرتكبي الفظائع من خلال الشهادات لا يتفق وجهود لجان الحقيقة لتقصي المسئولية عن جرائم الماضي. انتقد خبراء الصحة العقلية داخل جنوب أفريقيا الافتراض بأن لخبرة الشهادة تأثيراً علاجياً على الأفراد ناهيك عن الدولة بأكملها، كما فسر البعض المفهوم التقليدي للعدالة في جنوب أفريقيا بأنه مخادع و – بشكل غير مقصود – عنصري، فالأغلبية السوداء في جنوب أفريقيا ترغب في الصفح عن آثام الماضي لأنها مضطرة لذلك وفق المفهوم التقليدي للعدالة.
    إن المبادئ العقدية التي تؤثر على مناصرة العدالة الانتقالية المعاصرة إشكالية لا لأنها تتجاهل حدود الحقيقة في حَلّ الصراع، وإنما لإنها تؤدي أيضاً إلى تجنب الدور الذي يقوم به الصراع ، والحل الوسط ، وعدم المساواة كسمات تميز السياقَ الإنتقاليَ في تحديد السجلات الرسمية التي تقوم على إخراجها هذه المؤسسات. وقد أدى الميل للتَركيز على بنودِ العفو والقيمةِ الرمزيةِ للعقابِ بالمُحامين والعلماءَ على حدّ سواء لإهْمال إمكانيةِ إمكانية ِأَن توفر هذه الأحكامِ والسجلاتِ التاريخيةِ أساساً لتقييم تسوياتِ الحلول الوسط الإنتقاليةِ بشكل نقدي. وفي الوقت نفسه ،أهمل النقاد خطر قيام هذه الاحكام التاريخية بشأن المحاكم الجنائية ولجان الحقيقةِ بوَضِع طابع الشرعيةِ على تاريخ انتقائي فتَمْنعُ بذلك إعادة التقييمِ النقدي لشروطِ الانتقال. يَتطلّبُ التقييمُ النقدي لهذا البُعدِ مِنْ أبعاد مشاريعِ العدالةِ الإنتقاليةِ انتباها إلى الكيفية التي تؤطر بها الأحكام السياسية الناتجة في سياق انتقالي الأحكام التاريخية.
    مقارنة مؤسسات العدالة الانتقالية بذلك
    من خلال عرض بعض الافتراضات الإشكالية في كل من مدخل المقاضاة ومدخل العدالة التصالحية للعدالة الانتقالية تشير الأطروحة بأنّ بعض الاختلافات المتصورة بينهما مُضَلِّلة فلا تعني العدالة العدالة التصالحية بالضرورة تعزيز "الشفاء" على الصعيد الوطني أو على الصعيد الفردي. ولا توفر عدالة المقاضاة بالضرورة إدانة أخلاقية واضحة لجرائمِ الماضي ولا تَرْدع تكرارَها في المستقبلِ. بأي معنى إذن يختلف المدخلان ؟
    إن أحد السبل الهامة للبحث في هذه المسألة يتمثل في النظر في كيفية عمل الطرق التي يتم بها ربط الرموزِ والطقوسِ بالعدالة الانتقالية في سياقات مختلفة وعند نقاط مختلفة في عملية الانتقال السياسي ان الحكومة الجديدة يمكن ان تدعو الى المصالحة واصدار العفو الخاص دون القلق من ان هذه الاحكام من شأنها ان يتلاعب من اجل استعادة السلطة الشرعية أو من قبل النظام.فقد كان توازن القوى في الانتقال الجاري في جنوب افريقيا بحيث أمكن للحكومة الجديدة ان تدعو الى المصالحة ووأن تصدر العفو دونما قلق من أن يتم التلاعب بهذه الاحكام ليَستردَّ النظام السابق القوَّة أَو الشرعية ولكن ، لم يكن هذا هو الحال ، على سبيل المثال ، في سيراليون حيث قَبلَ قائد المتمردين Foday Sankoh فوداي سانكوح العفو كبادرة للمصالحةِ ثم واغتنمه كفرصة لشن هجوم جديد على الدولة.
    وتقترح الأطروحة أساساً آخر لمُقَارَنَة مؤسساتِ العدالةِ الانتقالية بالنَظْر إلى الكيفية التي تُطوّربها أحكاماً تاريخية، وتقدم نقطة انطلاق لدراسة بعدين مِنْ أبعادِ هذه المقارنةِ أولاً، أن الأحكام التاريخية التي اصدرتها لجان تقصي الحقائق والمحاكم تقدم أشكالاً مختلفة الاحتجاج الأخلاقي والسجلات التي تقوم بوضعها توفر اساسا لمختلف الاستجابات النقدية لفظائع الماضي ثانياً أن جميع مؤسسات العدالة الانتقالية وإن كانت تتأثر بتسويات الحلول الوسط السياسية فإنها تتأثر بطرق مختلفة لابد من أخذها في الاعتبار لدى المقارنة محاولة والجمع بينها.

الاثنين، يناير 18، 2010

التعددية المذهبية والاستقرار السياسي: دراسة حالة النظام الإيراني بعد الثورة الإسلامية

  • Alkasd my other blog
  • على‮ ‬بوابة‮ ‬الخـــان
    والمعبد‮ ‬والمسجد‮ ‬والدير
    هويت ‮ ‬فى‮ ‬ســجود
    كأنك‮ ‬ترمقنى‮ ‬من‮ ‬هناك
    الإمام‮ ‬الخمينى‮ ‬

    قراءة نظرية
    شهدت العقود الأخيرة من القرن المنصرم تصاعداً في بروز الانتماءات الأولية ولكيانات اجتماعية دون الدولة بما شكل تهديداً للاستقرار السياسي وتحدياً لسيادة الدولة كما يؤشر هذا التصاعد على إخفاق السياسات التي اتبعها العديد من الدول لبناء الدولة الأمة سواء في الجنوب أو في الدول الصناعية والما بعد صناعية المتقدمة فقد أدى انهيار الاتحاد السوفيتي إلى ما أطلق عليه الثورة العرقية في الدول التي كانت تقع ضمنه بعد سنوات طويلة من السياسات الصارمة لتذويب التنوعات الإثنية والعرقية بين الجماعات التي كان يضمها وساعد على انتشار هذه الثورة التقدم في تقنيات المعلومات والاتصالات التي تعاظم تأثيرها مع تبني القوة المهيمنة في النظام العالمي للعولمة بأبعادها المختلفة السياسة والاقتصادية حيث أدت الآثار التي حملتها قوى العولمة في مجالات الهجرة والتعليم والإعلام إلى إبراز الاختلافات العرقية والدينية والثقافية وساعد على تنامي وعي الجماعات الاجتماعية بذاتها وبخصوصيتها وبالأخص من خلال مقارنة نفسها بغيرها من الجماعات.
    وبطبيعة الحال فإنه لا تخلو أي دولة أو مجتمع من شكل أو آخر من التعددية الاجتماعية إلا أن تواتر الأحداث في العالم العربي الإسلامي يشير إلى زيادة الوعي بالانقسام المذهبي وما يحمله من تداعيات على الاستقرار السياسي لدول المنطقة لذلك برز الاهتمام بسياسات و أدوار طرفي هذه العلاقة الاجتماعية الدولة والجماعات التي تضمها وبالأخص باعتبار أن هذه الجماعات تقوم – إلى جانب استنادها إلى أسسها الموضوعية من تمايز لغوي وديني وثقافي- ككيان فكري متكون اجتماعياً – Social construction حيث تتصاعد وتكمن الانقسامات الاجتماعية بقدر توافر الظروف المساعدة والعوامل التي تدفع تصاعدها بما يؤكد على دور سياسات إدارة التعددية المجتمعية – و انعكاساتها على التعددية السياسة – في تحقيق الاستقرار السياسي.
    وعلى الجانب الآخر هناك الأساليب والآليات التي تنتهجها الجماعات الاجتماعية للحفاظ على هويتها والحصول على الامتيازات الاقتصادية والسياسية والتأثير على الدولة بشكل عام.
    1- المشكلة البحثية
    تتمثل المشكلة البحثية في دراسة العوامل التي تجعل التعددية المذهبية تهديداً للاستقرار السياسي من خلال دراسة سياسات إدارة التعددية المذهبية من قبل الدولة والمحددات والعوامل التي تدفع الجماعات المذهبية لتبني سياسات تؤثر على الاستقرار السياسي وذلك من خلال دراسة العوامل التي تدفع الجماعات المذهبية لاعتماد العنف بمختلف أشكاله كأحد موارد الجماعة المذهبية لدعم نفوذها والتأثير على الدولة.
    2- تساؤلات الدراسة
    ولتناول المشكلة تسعى الدراسة للإجابة على تساؤل رئيس مضمونه ما العوامل الأساسية التي تدفع الجماعة المذهبية لتبني سياسات عنيفة تهدد الاستقرار السياسي ومن هذا التساؤل الرئيس يتفرع عدد من الأسئلة على النحو التالي:
    هل يؤدي تعاظم الاتجاه إلى إسباغ الطابع المذهبي على الدولة إلى تبني الجماعة المخالفة في المذهب لتبني سياسات عنيفة للدفاع عن هويتها ومصالحها ؟
    هل يؤدي تطابق حدود الانقسام والتهميش الاقتصادي والاجتماعي والسياسي مع الانقسام المذهبي إلى تبني الجماعة المذهبية المخالفة سياسات عنيفة للدفاع عن هويتها ومصالحها ؟
    وتسعى الدراسة للإجابة على هذه الأسئلة من خلال دراسة حالة النظام الإيراني بعد الثورة الإيرانية التي عدت ثورة شيعية عملت قيادتها وعلى رأسها الإمام الخميني على توطيد دعائم النظام السياسي الثوري كنظام شيعي إسلامي يقوم على ولاية الفقيه والدور المحوري لرجال الدين في النظام السياسي واستهدف النظام إسباغ الطابع الشيعي على الدولة والحفاظ على الأيديولوجية الثورية من خلال إقامة مؤسسات جديدة وتبني العديد من السياسات ومن ناحية أخرى فقد فرض وجود جماعة مذهبية مخالفة من أهل السنة والجماعة على النظام الجديد تطوير رؤى وسياسات للتعامل مع هذه الجماعة المذهبية في إطار الطبيعة المذهبية للدولة.
    3 - فروض الدراسة:
    توجد علاقة عكسية بين التعدد المذهبي والاستقرار السياسي
    وإلى جانب هذه الفرضية الرئيسة تسعى الدراسة إلى التحقق من الفرضيات التالية
    توجد علاقة ارتباط إيجابي بين ارتفاع درجة الطابع المذهبي للدولة وتبني الجماعة السنية سياسات عنيفة للدفاع عن هويتها ومصالحها.
    توجد علاقة ارتباط إيجابي بين تطابق حدود الانقسام والتهميش الاقتصادي والاجتماعي والسياسي مع الانقسام المذهبي وتبني الجماعة المذهبية المخالفة (السنة) سياسات عنيفة للدفاع عن هويتها ومصالحها.
    4 - أهداف الدراسة:
    تهدف الدراسة إلى التعرف على العوامل التي تجعل من التعدد المذهبي تهديدًا للاستقرار السياسي ودراسة طبيعة التعددية المذهبية في إطار النظام الإيراني الذي يؤسس شرعيته على تبني المذهب الشيعي والنظام الإسلامي في الحكم.
    5- أهمية الدراسة:
    تتمثل الأهمية النظرية لهذه الدراسة في دراستها لأثر التعدد المذهبي على الاستقرار السياسي في دولة إسلامية فتمد دراسة التعددية إلى خارج مجال الخبرة الغربية التي تكاد المذاهب الدينية فيها تمثل عقائد مختلفة كما أن ثمة ندرة في الدراسة العلمية للتداعيات السياسية للتعدد المذهبي في إيران حيث يتناول أغلب الدراسات الأقليات الدينية والجماعات العرقية دون التطرق للجماعة السنية إلا فيما ندر.
    أما من الناحية العملية فإن دراسة الخبرة الإيرانية في التعددية المذهبية أهمية خاصة سواء بالنظر للدور المحوري لإيران كقوة إقليمية – بغض النظر عن تقييم مضمون هذا الدور- أو للاستفادة من هذه الخبرة خاصة مع التداول العلني لمخططات تقسيم المنطقة العربية لكانتونات طائفية وعرقية ومذهبية ليسهل السيطرة عليها ولرسم فسيفساء شرق أوسطية عريضة من مختلف الألوان الطائفية والعرقية والدينية يستمد الكيان الصهيوني من تفتته وتشظيه شرعية وجوده ويصبح مركز السيطرة فيه وتعطي الحالة العراقية مؤشراً خطيراً في هذا الصدد من حيث إمكانية تطبيق هذا السيناريو سواء بالنسبة للدول العربية أو إيران.
    6- الدراسات السابقة:
    Hamid Ahmadi, The Politics of Ethnic Nationalism in Iran, Unpublished Dissertation, Ottawa, Carleton University, 1995.
    تتناول هذه الأطروحة بالدراسة النقدية الإثنية القومية وتكون الهوية الإثنية لتفسير أسباب وأصول الحركات القومية الكردية والأذرية والبلوشية وتستعرض الأطروحة الأدبيات السابقة حول الإثنية القومية لتخلص إلى ان مفاهيم الجماعات القومية والإثنية والقبلية هي مفاهيم متنازَعَة بطبيعتها ومن ثم يصعب النظر إليها على أنها مفاهيم عالمية بل ستجاوز معناها ومضمونها حدود الزمان والمكان ومن ثم تركز الدراسة على الخصوصية التاريخية للحالات المبحوثة
    وعليه تسعى الدراسة لتجاوز الأطر النظرية السائدة لتقديم تفسير لتسييس الروابط اللغوية والعرقية والدينية يؤكد على دور الدولة المركزية العلمانية الحديثة علاقتها بزعماء القبائل ودور النخب في استغلال الاختلافات اللغوية العرقية في تشكيل الهوية الجماعية إضافة للعامل الخارجي في دعم الهوية العرقية وبالأخص دور المستشرقين الغربيين لتخلص الدراسة إلى أن الحركات القومية الإثنية هي تراث مخترع فالجماعة الإثنية هي "جماعة متخيلة"وبرغم أهمية الدراسة فإنها لم تهتم بالتعدد المذهبي ومدى توظيفه كأساس للقومية.
    John R. Bradly, Iran Ethnic Tinderbox, Washington Quarterly, Vol. 30, N0 1, Winter 2006-2007.
    ترصد الدراسة بروز دور الأقليات بسبب الأزمة الناجمة برأي الكاتب عن التمييز الذي تمارسه ضدها الحكومة المركزية والأهم المساعدات التي تتلقاها هذه الأقليات من دول الجوار وتحديداً الأكراد والتركمان لكن الدراسة تشير في الوقت ذاته إلى إدراك النظام الإيراني مخاطر الاضطرابات العرقية وترصد الدراسة إمكانات إثارة الأقليات العرقية للمشكلات التي يمكن تهدد النظام الإيراني وتهتم الدراسة بالجماعات السنية المسلحة في بلوشستان وأهمها جماعة جند الله وتشير لاهتمام الولايات المتحدة بالأقليات ومدى تأثير الاضطرابات في إيران على المناطق الحدودية مع العراق وإمكانية تعرض إيران للتفكك إذا ما ارتكبت الأخطاء التي وقعت فيها الدول المتعددة العرقيات والتي كانت سبباً في تفكك بعض هذه الدول وتخلص الدراسة إلى أن تأجيج المشاعر القومية والدينية له مخاطره على السياسة الأمريكية في المنطقة في الوقت الذي لا تبدو فيه أي من هذه الأقليات راغبة في الانفصال عن الدولة الإيرانية.
    Eliz Sananarian, Religiouse Minorities in iran,( Cambridge: Cambridge University Press, 2000).
    يقدم الكتاب دراسة تجمع بين الوصف والتحليل لأوضاع الأقليات في إيران وسياسة الدولة تجاهها واستجابة هذه الأقليات لهذه السياسة وأوجه الاتساق والاختلاف في هذه الاستجابة ويقتصر الكتاب على الأقليات الدينية المعترف بها والممثلة في مجلس الأقليات وبرغم أهمية الكتاب فإنه تعرض لوضع اليهود والبهائيين بقدر من التحيز والمبالغة.
    Rasmus Christian Elling, State of Mind, State of Order: Reactions to Ethnic Unrest in the Islamic Republic of Iran, Studies in Ethnicity and Nationalism: Vol. 8, No. 3, 2008.
    تبحث هذه الدراسة سياسة الدولة الإيرانية تجاه الجماعات العرقية من خلال تحليل خطاب قادة الدولة بصدد الاضطرابات العرقية للتوصل إلى مفهوم هؤلاءالقادة للولاء في ارتباطه بالالتزام الأيديولوجي والسلامة الإقليمية وتخلص الدراسة إلى أن هؤلاء القادة استخدموا مقترباً واعياً فلم ينفوا كلية المظالم التي كانت سبباً في هذه الاضطرابات وفي الوقت نفسه استخدموا هذه الاضطرابات لإذكاء الشعور الوطني من خلال الإحالة إلى مؤامرات خارجية تهدد سلامة البلد كما وظفوا سياسة العصا ضد المحتجين والجزرة للموالين.
    Hussein D. Hassan, Iran: Ethnic and Religious Minorities, CRS Report for Congress, Washington, 2008.
    هذه الدراسة دراسة وصفية لأوضاع الأقليات الدينية والإثنية المختلفة ومن بينها الجماعة السنية حيث ترصد تكوينها العرقي وسياسة النظام الإيراني تجاهها وبرغم أن الدراسة صادرة عن مركز دراسات الكونجرس الأمريكي فقد أتت متوازنة وتعتمد إلى حد كبير على مصادر محايدة.
    سهام فوزي حسين، التنوع الإثني والمذهبي والأمن القومي، رسالة ماجستير غير منشورة، ( جامعة القاهرة: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 2008).
    هدفت هذه الدراسة إلى بحث عوامل تحول الجماعة الإثنية والمذهبية إلى عامل يهدد الأمن القومي من خلال دراسة الحالة العراقية وخلصت الدراسة إلى أن النزاع الإثني حالة طارئة على المجتمع العراقي وأن العنف الطائفي لم يكن نتيجة الخلافات المذهبية والطائفية لكنه أدى إلى تقوية الإحساس بهذه الاختلافات وأن التغيرات الجوهرية في النظام والاحتلال الأجنبي جعلت الجماعات الإثنية تسعى لاستغلالها لتغيير الأوضاع القائمة لصالحها.
    تحديد أهم المفاهيم المستخدمة في الدراسة:
    أ- مفهوم التعددية والتعددية المذهبية
    فى اللغة : ورد فى المعجم الوسيط : تعاد القوم أى عدّ بعضهم بعضا ، تعدد : صار ذا عدد ، عدد الشىء : أحصاه وجعله ذا عدد . ويقال : عادهّم الشىء : إذا تقاسموه وكان بقدر عددهم . وفى المعجم الوجيز وردت كلمة تعدد بمعنى : تنوع ، وصار ذا عدد . وفى المنجد : وردت كلمة تعدد وتعادّ بمعنى : زاد فى العدد . وفى مختار الصحاح : قال الأخفش ، ومنه قوله تعالى (جمع مالا وعدده) أى أعدّه لحوادث الدهر من المال والسلاح .. وفى لسان العرب لابن منظور : يتعددون على عدد كذا أى يزيدون عليه فى العدد .
    ومن هنا فإن التعددية تقابل الأحادية والمجتمع التعددى هو الذى يعتمد تكوينه على اختلافات وتميزات ثقافية بين جماعاته المختلفة ، ويرى البعض أن ظاهرة التعددية موجودة فى كل المجتمعات ، فلا يخلو‮ ‬مجتمع‮ ‬ما‮ ‬من‮ ‬وجود‮ ‬جوانب‮ ‬تعددية‮
    ولقد شهد التاريخ البشرى نظما سياسية إمبراطورية ، مما جعل »التعددية« فى صورتها الثقافية واللغوية أمراً مقبولا ومتصوراً ، فهى معطى تكوينى وتاريخى ، يمكن فهمه فى سياق تطور المجتمع، وسمة للتكوينات البشرية الموجودة فى إطار الحدود السياسية لدولة وترتبط التعددية بمفاهيم أخرى مثل » الأقليات« أو »الطوائف« ، وقد يختزل المفهوم حول مسألة الطبقات فى المجتمـع.
    وعلي ذلك يمكن القول بأن التعددية المجتمعية - باعتبارها صفة ثقافية لصيقة بالمجتمع - لا تتضمن بالضرورة دلالة خلقية أو تقويمية ، وهى يمكن أن تكون ، إيجابية أو سلبية ، وفقا للصيغة السياسية التى يتم تطويرها للتعامل معها . ومن ثم فهى مفهوم نشط ومتحرك ، يرتبط بتطور‮ ‬الأفراد‮ ‬والجماعات‮ ‬والمجتمعات‮ ‬،‮ ‬‬وعليه يمكن التمييز بين التعددية بالمعنى السابق أوplurality والتعددية كمبدأ لإدارة المجتمع والدولةpluralism
    ‬صور‮ ‬التعددية‮ ‬والعلاقة‮ ‬بينها: ‬
    يميز الدارسون بين ثلاثة صور من التعددية هى: التعددية الثقافية ، والتعددية الاجتماعية ، والتعددية حيث تتميز المجتمعات البسيطة بدرجة عالية من التجانس اللغوى والثقافى والعرقى ، فى حين تتميز المجتمعات التعددية بانقسامات لغوية وثقافية وعرقية ودينية وطائفية ، مما يشكل مجتمعات منفصلة تمايزت فى الأوضاع الاجتماعية، وتباينت فى الرؤى والمواقف السياسية .
    هذا وتختلف صور التعددية الثقافية والاجتماعية من حيث أطرها المؤسسية المختلفة ، فبعضها أكثر تأثيراً من غيرها على المؤسسات السياسية فى المجتمع . إذ ترسى الاختلافات العرقية معانى اجتماعية عميقة من التباين والتنوع الثقافى ، وتشكل ضغوطا ملموسة فى البيئات ذات التعدد‮ ‬الثقافى‮ ‬والاجتماعى‮ . ‬كما‮ ‬تتفاوت‮ ‬فى‮ ‬حدتها‮ ‬من‮ ‬مجتمع‮ ‬تعددى‮ ‬إلى‮ ‬آخر‮ ‬،‮ ‬وتبلغ‮ ‬أقصاها‮ ‬فى‮ ‬حالة‮ ‬المجتمعات‮ ‬التى‮ ‬تقوم‮ ‬على‮ ‬التفرقة‮ ‬والتمييز‮ ‬العنصرى‮ .‬
    أما التعددية المذهبية فتشير للتعدد وفقاً لاختلاف المذهب ضمن الدين الواحد ( وهو في حالة الدراسة الدين الإسلامي ) فيمكن تعريف التعددية المذهبية بأنها التنوع استناداً إلى اختلاف الانتماء للمذهب الديني إلى سنة وشيعة
    ويمكن التمييز - فى إطار التعددية الثقافية والاجتماعية - بين نوعين من التعدديات : أولهما التعددية المغلقة والتعددية المنفتحة التي تشهد تداخلا فى العضويات ، إذ يصبح غالبية السكان أعضاء فى أغلب المؤسسات والجمعيات والنقابات ، ويدخلون فى أنشطة عديدة ، ويرتبطون بمصالح مختلفة مع أفراد من الجماعات الأخرى ، مما يجعل النوع الثانى أكثر ميلا نحو.‬ وتشــكل التــعددية الثقافية محدداً رئيسيا لهيكل المجتمع التعددى ، إذ تؤدى - فى تحليل فيرنيفال - ذات الدور الذى تلعبه القوى الاقتصادية .
    ويعد فيرنيفال أول من عنى بالتعدديــة الثقافية ، وقد خلص من دراسته إلى أن التعددية الثقافية تقوم على فكرة رئيسية مفادها : وجود أبنية مؤسسية مستقلة لكل من الجماعات المكونة للمجتمع ، لا يجمعها مع بعضها سوى سلطة الدولة ، التى لا تعدو بدورها أن تكون تعبيرا عن سيطرة إحدى الجماعات القوية ، والتى تستخدم الدولة للسيطرة على الجماعات الأخرى .
    ومن هنا يمكن القول بأن التعددية الثقافية لدى كل من فيرنيفال وسميث ، هى أيديولوجية للسيطرة والصراع من أجل السلطة بين الجماعات المختلفة ، خاصة فى حالة التباينات الثقافية البارزة . ويتوقف ذلك على طبيعة التغير فى هيكل العلاقات بينها
    ‮ . ‬وتتمثل‮ ‬أهم‮ ‬أنماط‮ ‬التعددية‮ ‬ في نمطين رئيسيين:
    : ‬نمط‮ ‬الصراع‮ :‬فيه يتضمن هذا المجتمع - عند فيرنيفال - مزيجاً من جماعات تختلط مكونة وحدة سياسية واحدة دون أن تتحد أو تتماسك ، كل فئة متمسكة بديانتها وثقافتها ولغتها وأفكارها وأساليبها الخاصة ، غير أن التعامل بينها يتم من خلال السوق . وأما سميـــث فقد وضع فى مقالته »التعددية الثقافية والاجتماعيةSocial and Cultural Pluralism خصائص المجتمعات التعددية التى تتسم بالتنوع الثقافى والانقسام الاجتماعى فى إطار نظرى أكثر دقة ووضوحا وشمولاً ، وأهم ما يميز هذا‮ ‬الإطار‮ ‬أنه‮ ‬يفرق‮ ‬بين‮ ‬آليتين‮ ‬رئيسيتين‮ : ‬تتمثل‮ ‬الأولى‮ ‬فى‮ ‬التكامل‮ ‬،‮ ‬والأخرى‮ ‬فى‮ ‬الضبط‮ ‬والتنظيم‮ ‬،‮ ‬ومن‮ ‬خلالهما‮ ‬تعيش‮ ‬الجماعات‮ ‬المتنافسة‮ ‬معاً‮ ‬فى‮ ‬إطار‮ ‬ذات‮ ‬المجتمع‮ .‬
    ومن هنا تفرض التعددية الثقافية الضرورة الهيكلية لسيطرة إحدى الجماعات الثقافية ، وتستبعد إمكانية التوازن الهيكلى أو التكامل المؤسسى بين الجماعات المختلفة ، وتفرض تنظيما غير ديمقراطى للعلاقات بين الجماعات .أما ‬أن‮ ‬كوبر‮ ‬kuper‮ ‬يرى‮ ‬أنه‮ ‬لا‮ ‬يمكن‮ ‬المطابقة‮ ‬بين‮ ‬التجانس Homogeneity ‮ والتناغم Harmony‮ ‬،‮ ‬ولا‮ ‬بين‮ ‬التعددية‮ ‬والصراع ‮ .‬
    أما نمط التوازن فيقوم على التوازن بين الجماعات المكونة للمجتمع . والتوازن الحركى هو اصطلاح يستخدم لوصف العلاقات المتناغمة بين الجماعات المكونة للمجتمع التعددى ، حيث أن توزيع القوى بين الجماعات يشكل وضعاً مناسباً لتقييد احتكار السلطة ، ويعطى الفرصة لممارسة الحقوق الفردية. ويشكل‮ ‬الالتزام‮ ‬بالقيم‮ ‬المشتركة‮ ‬الأساس‮ ‬الأول‮ ‬للتكامل‮ ‬الذى‮ ‬يميز‮ ‬نمط‮ ‬التوازن‮ . ‬
    أما مفهوم التعددية السياسية فيشير إلى مشروعية تعدد القوى والآراء السياسية ، وحقها فى التعايش، والتعبير عن نفسها والمشاركة فى التأثير على القرار السياسى فى مجتمعها .. والتعددية السياسية بهذا المعنى هى إقرار واعتراف بوجود التنوع ، وبأن هذا التنوع‮ ‬لابد‮ ‬أن‮ ‬يترتب‮ ‬عليه‮ ‬اختلاف‮ ‬فى‮ ‬المصالح‮ ‬والاهتمامات‮ ‬والأولويات‮ . ‬وتكون‮ ‬التعددية‮ ‬بهذا‮ ‬إطارا‮ ‬مقننا‮ ‬للتعامل‮ ‬مع‮ ‬هذا‮ ‬الاختلاف‮ ‬،‮ ‬بحيث‮ ‬لا‮ ‬يتحول‮ ‬الى‮ ‬صراع‮ ‬يهدد‮ ‬سلامة‮ ‬المجتمع‮ ‬وبقاء‮ ‬الدولة‮ .‬ويعرفها‮ ‬هنرى‮ ‬كاريل‮ ‬بأنها‮ : ‬ترتيبات‮ ‬مؤسسية‮ ‬خاصة‮ ‬لتوزيع‮ ‬السلطة‮ ‬الحكومية‮ ‬والمشاركة‮ ‬فيها ‮ .‬
    ب - الاستقرار السياسي
    كثيراً ما يجري تعريف الاستقرار السياسي في العديد من الأدبيات بأنه الحفاظ على نظام شرعي على مدار فترة زمنية ممتدة وفي إطار هذا التعريف العام فإن مفهوم الاستقرار السياسي من المفاهيم المركبة التي يمكن تحديدها بالتعرف على مكوناتها وأبعادها فيشير الاستقرار بشكل عام إلى حالة توازنية لنظام معين غالبا نتيجة تمتعه بدرجة عالية من التكيف والاستجابة للتغيرات في البيئة الخارجية والضغوط والمطالب الواردة من البيئة الداخلية.
    يمكن تمييز اتجاهين أساسيين في تعريف الاستقرار السياسي الأول يربط بين الاستقرار السياسي بعدم التغيير أو تدرجه أي الحفاظ على الوضع القائم والآخر يربط بين الاستقرار السياسي وغياب العنف السياسي أو تقلصه سواء صدر هذا العنف من النخبة باستخدام وسائل القهر المختلفة أو من الجماهير قي شكل مظاهرات وأعمال شغب واضطرابات
    إلا أن هذين الاتجاهين يتجاهلان نسبية مفهومي التغيير والعنف السياسي في علاقتهما بالاستقرار فمن ناحية فإن مضمون التغيير وأهدافه هي التي تحدد علاقته بالاستقرار السياسي فقد يستهدف التغيير زيادة شرعية وكفاءة النظام ومن الاستمرار دون تغيير ما يؤدي إلى استمرار النظام على اهتزاز شرعيته وفساده بما قد يؤدي إلى انهياره في الأجل الطويل ومن ناحية أخرى فإن فإن ممارسة العنف السياسي لا تشير بالضرورة على عدم الاستقرار السياسي والمثال على ذلك الاضطرابات الصناعية في الولايات المتحدة في الثلاثينات من القرن المنصرم والعكس بالعكس فليس كل غياب لمظاهر العنف السياسي يدل على الاستقرار كما تشير الحالة اللبنانية قبيل نشوب الحرب الأهلية
    وعليه يمكن تعريف الاستقرار السياسي بأنه ظاهرة تتميز المرونة والنسبية تشير على قدرة النظام على توظيف مؤسساته لإجراء ما يلزم من تغييرات لمجاوبة توقعات الجماهير وتوجهاتها واحتواء ما قد ينشأ من صراعات دون استخدام العنف السياسي إلا في أضيق نطاق دعماً لشرعيته وفعاليته في حين يشير عدم الاستقرار السياسي إلى عجز النظام عن تحقيق هذه الأهداف بما يؤدي للعنف المتبادل وتوسيع دائرة الصراع وإضعاف شرعية النظام وفعاليته .
    ويتسق هذا التعريف مع تعريف دان كوثران الذي يرى الاستقرار السياسي هو نتيجة سلطة النظام أي قدرته على الحكم وتتكون هذه السلطة من الشرعية المناسبة لاكتساب التأييد لدعوى النظام باستحقاقه الاستمرار في تولي الحكم والقدرة القاهرة على تحقيق انصياع أولئك الذين لا يعتقدون في ذلك و التأييد والانصياع هما بدورهما نتيجة حسابات الفاعل السياسي التي يجريها في سياق الواقع الذي تشكله قدرات النظام ودرجة مأسسته وفعاليته وتكبفه و ووحدة النخبة وموقع النظام من النظام الدولي .
    ويشير هذا التعريف إلى الظروف والمواقف الملائمة للاستقرار السياسي وفي هذا الإطار تحدد الأدبيات العديد من عوامل الاستقرار السياسي من بينها الإشباع الاجتماعي الاقتصادي والفعالية السياسية التي تشير إلى قدرة المؤسسات والتنظيمات المختلفة على أن تعبر في أدائها لوظائفها عن قدر كبير من التكيف والترابط والذاتية وذلك من خلال الأبنية والهياكل المناسبة والتجانس الثقافي الحصانة من التدخلات الخارجية غير المناسبة والقيادة الكارزمية.
    ويتخذ عدم الاستقرار أشكال عدة سواء على مستوى النخبة أو مستوى الجماهير فعلى مستوى النخبة تتراوح مؤشرات عدم الاستقرار التحكم في الموارد السياسية والاقتصادية وتقييد أنشطة المعارضة واللجوء للقوانين الاستثنائية والتدخل غير القانوني في الانتخابات والاستعانة بالقوات النظامية لممارسة الضبط الداخلي كما تمثل الانقلابات العسكرية صورة شائعة لعدم الاستقرار النخبوي أما على مستوى الجماهير فإن عدم الاستقرار يمثل نوعاً من الاحتجاج الجماهيري الواعي على سلوك النخبة أو على النظام السياسي ويأخذ هذا الاحتجاج أشكالا متنوعة بدءً من المقاومة السلمية السلبية حتى العصيان المباشر والمظاهرت وأعمال الإرهاب.
    وقد لاحظ العديد من الدراسات أن العلاقة بين التعددية الاجتماعية (ومن بينها المذهبية) وبين عدم الاستقرار السياسي ليست علاقة مباشرة ولا آلية فعلى الرغم من انتشار التصور الصراعي للتعددية ومن ثم الربط بينها وبين عدم الاستقرار السياسي فإن هذه العلاقة يتوسطها العديد من المتغيرات منها درجة الانقسام الاجتماعي ونموذج العلاقة السائدة بين الجماعات (هل تنفرد جماعة واحدة بالسيطرة السياسية والاقتصادية في مواجهة بقية الجماعات وهل تتبع سياسيات تمييزية ) وطبيعة الثقافة السياسية السائدة في هذه الجماعات مما أن هناك العديد من العوامل التي تعوق أو تساعد على لجوء الجماعة إلى العنف ومن ثم زعزعة الاستقرار السياسي مثل تمتع الجماعة بقدر عال من التنظيم والمؤسسية يجعلها تشعر بالثقة المفرطة في تسلحها ومن ثم تلجأ إلى العنف لتحقيق مطالبها خاصة إذا ما وجدت قيادة عسكرية تنتهج أيديولوجية عنيفة وتعتقد أن حقوق الجماعة لن تتحقق إلا باللجوء إلى العنف .
    وتعد الجماعة المذهبية نوعاً من الجماعات الإثنية التي تعرف باعتبارها جماعة من البشر تدرك ذاتها أو يدركهم الآخرون على أساس تميزهم الثقافي أو اللغوي او العرقي أو الديني عن غيرهم من الجماعات وفي إطار الطرح السابق فإن تأثير التعددية المذهبية على الاستقرار السياسي يبرز من خلال تسييسها وهو ما أثار اهتمام علم السياسة بالقومية الإثنية أو الإثنية المسيسة والتي يقصد بها تنظيم التحالفات السياسية على أسس إثنية أو أن حيازة المزايا السياسية والاقتصادية تقوم بالأساس على أسس إثنية كالانقسام المذهبي.
    - منهج الدراسة:
    تستخدم الدراسة منهج دراسة الحالة لأهميته في دراسة موضوع البحث إذ أن هذا المنهج هو دراسة جميع الجوانب المتعلقة بدراسة الظواهر والحالات الفردية بموقف واحد فتعتبر المؤسسة أو الجماعة أو النظام السياسي وحدة الدراسة ويقوم منهج دراسة الحالة على التعمق في دراسة المعلومات الخاصة بمرحلة معينة من تاريخ هذه الوحدة أو مختلف مراحل تطورها بغرض الوصول إلى تعميمات علمية متعلقة بوحدة الدراسة وبغيرها من الوحدات المشابهة لها ويتيح هذا المنهج دراسة الظاهرة المبحوثة (التعددية المذهبية) في مختلف تشابكاتها بما يوفر عمق الدراسة ودقة النتائج.
    كما تستخدم الدراسة مقترب أو مدخل الجماعة الذي يعتبرها وحدة التحليل الأساسية و ليس الفرد حيث تؤثر الجماعة - وخاصة الجماعات المرجعية مثل الأسرة وجماعة الرفاق والجماعة المذهبية - على اتجاهات وسلوك أعضائها كما أن النظام السياسي يتكون من شبكة معقدة من الجماعات التي تتفاعل وتتضاغط فيما بينها باستمرار وتشكل هذه الضغوط عملية الصراع في المجتمع والتي تقرر نتائجها من الذي يحكم، ومن ثم فإن التغير في النظام السياسي يتوقف على التغير في تكوين الجماعات .
    وليس هناك تعريف واحد للجماعة لكن من أبرز تعريفات الجماعة التعريف الذي طورها رائد دراسة الجماعة في العلوم السياسية أرثر بنتلي بأنها " قطاع معين من رجال المجتمع لا يأخذ صفة الانفصال عن الجماهير بل عن نشاطها فهي جماهير تنوي التحرك نحو نشاط محدد" ومن ثم فإن جوهر الجماعة بالنسبة له هو النشاط والمصلحة أما ديفيد ترومان فقد رأى أنها " مجموعة من الأفراد لها بعض الخصائص المشتركة "
    وتشير دراسة الاستخدامات المختلفة لمفهوم الجماعة أنها تنطوي على معيارين أو أكثر من المعايير التالية: وجود سمة مشتركة أو أكثر بين أفرادها، أن يدركوا أنفسهم على أنهم كياناً متمايزاً عن غيرهم وعيهم بالاعتماد المتبادل بين جزء مصالحهم وأهدافهم والتفاعل فيما بينهم في سعيهم لتحقيق هذه المصالح والأهداف واستمرار الجماعة (ومن ثم تطورها) عبر الزمن و وجود مجموعة من القواعد الاجتماعية التي تنظم وتوجه تفاعلات الأعضاء، و مجموعة من الدوار التي يرتبط بها أنشطة والتزامات وحقوق معينة.
    وتجري دراسة الجماعة بالتركيزعلى قضايا مثل الخصائص الذاتية للجماعة من قبيل حجم عضوية الجماعة ودرجة تماسكها حجم مواردها ونشاطها من حيث كثافته وتنوعه والأساليب والطرق التي تستخدمها الجماعة لتحقيق أهدافها إلى جانب علاقتها بالجماعات الأخرى الموجودة في المجتمع وفعالية الجماعة في تحقيق أهدافها .

    أولاً: الانقسام المذهبي والخريطة الإثنية والمذهبية في إيران
    1- أصول الانقسام المذهبي في إيران
    2- بين التعدد الإثني والانقسام المذهبي
    ثانيا:إضفاء الطابع المذهبي سياسات النظام واستجابة الجماعة السنية
    1- إضفاء الطابع المذهبي من الثورة إلى الدولة وبين الإصلاحين والمحافظين
    2- مذهبية النظام وإدارة الانقسام المذهبي
    3- الاستجابة السنية المحددات والأبعاد.
    ثالثا: التهميش الاجتماعي والعنف المذهبي
    نتائج الدراسة والخاتمة
    أولا:
    الانقسام المذهبي والخريطة الإثنية والمذهبية في إيران
    أصول الانقسام المذهبي:
    ينقسم المسلمون في إيران بين المذهب الشيعي الإمامي الإثنا عشري ومذهب أهل السنة والجماعة والشيعة الإمامية الاثنا عشرية هم تلك الفرقة من المسلمين الذين زعموا أن عليًا هو الأحق في وراثة الخلافة دون الشيخين وعثمان رضي الله عنهم أجمعين وقد أطلق عليهم الإمامية لأنهم جعلوا من الإمامة القضية الأساسية التي تشغلهم وسُمُّوا بالاثنى عشرية لأنهم قالوا باثني عشر إمامًا دخل آخره محمد المهدي بن الحسن العسكري السرداب بسامراء حسب اعتقادهم فهم يلقبونه بالحجة القائم المنتظر .
    وتتمثل أهم قضايا الخلاف بين السنة والشيعة في :
    الإمامة: وتكون بالنص، إذ يجب أن ينص الإمام السابق على الإمام اللاحق بالعين لا بالوصف، وأن الإمامة من الأمور الهامة التي لا يجوز أن يفارق النبي صلى الله عليه وسلم الأمة ويتركها هملاً يرى كل واحد منهم رأيًّا. بل يجب أن يعين شخصًا هو المرجوع إليه والمعوَّل عليه. وكل الأئمة معصومون عن الخطأ والنسيان، وعن اقتراف الكبائر والصغائر كما أن كل إمام من الأئمة أُودع العلم من لدن الرسول، بما يكمل الشريعة، وهو يملك علمًا لدنيًّا ولا يوجد بينه وبين النبي من فرق سوى أنه لا يوحى إليه، وقد استودعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أسرار الشريعة ليبينوا للناس ما يقتضيه زمانهم.
    الغيبة: حيث يرى الشيعة أن الزمان لا يخلو من حجة لله عقلاً وشرعًا، ويترتب على ذلك أن الإمام الثاني عشر قد غاب في سردابه، كما زعموا، وأن له غيبة صغرى وغيبة كبرى. ويعتقد الشيعة بالرجعة فيعتقدون أن الحسن العسكري سيعود في آخر الزمان عندما يأذن الله له بالخروج ويقولون بأنه حين عودته سيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جورًا وظلمًا، وسيقتص من خصوم الشيعة على مدار التاريخ.
    • التقية: وهم يعدونها أصلاً من أصول الدين، ومن تركها كان بمنزلة من ترك الصلاة، وهي واجبة لا يجوز رفعها حتى يخرج القائم، فمن تركها قبل خروجه فقد خرج عن دين الله تعالى وعن دين الإمامية، كما يستدلون على ذلك بقوله تعالى: (إلا أن تتقوا منهم تقاة) وينسبون إلى أبي جعفر الإمام الخامس قوله: "التقية ديني ودين آبائي".
    ويحتفل الشيعة بعيد غدير خم : وهو عيد يصادف اليوم الثامن عشر من شهر ذي الحجة ويسمونه بالعيد الأكبر، وصيام هذا اليوم عندهم سنة مؤكدة، وهو اليوم الذي يعتقدون أن النبي قد أوصى فيه بالخلافة لعلي من بعده.
    ويمثل تولي الشاه إسماعيل الصفوي 907 هـ ملكاً على إيران بعد أن انهكتها الحروب العثمانية نقطة فارقة في انتشار المذهب الشيعي في إيران.
    اما أهل السنة فقد أطلقوا على أنفسهم هذه التسمية لاستمساكهم واتباعهم لسنة النبي صلى الله عليه وسلم . وسموا بالجماعة ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في إحدى روايات الحديث السابق : " هم الجماعة " . ولأنهم جماعة الإسلام الذي اجتمعوا على الحق ولم يتفرقوا في الدين وهم يثبتون العصمة للرسول، والأمة في مجموعها معصومة من الاجتماع على ضلالة، أما آحادها فلا عصمة لأحد منهم، والمرجع عند الخلاف يكون للكتاب والسنة مع الاعتذار للمخطئ من مجتهدي الأمة. والجماعة هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والتابعون لهم بإحسان، المتمسكون بآثارهم إلى يوم القيامة، وهم الفرقة الناجية.ـ وكل من التزم بمنهجهم فهو من الجماعة، وإن أخطأ في بعض الجزئيات.
    ـ الإمامة الكبرى تثبت بإجماع الأمة، أو بيعة ذوي الحل والعقد منهم، ومن تغلّب حتى اجتمعت عليه الكلمة وجبت طاعته بالمعروف، ومناصحته، وحرم الخروج عليه إلا إذا ظهر منه كفر بواح فيه من الله برهان.وكانت عند الخارجين القدرة على ذلك .ـ الصلاة والحج والجهاد واجبة مع أئمة المسلمين وإن جاروا.
    ـ الصحابة الكرام كلهم عدول، وهم أفضل هذه الأمة، والشهادة لهم بالإيمان والفضل أصل قطعي معلوم من الدين بالضرورة، ومحبّتهم دين وإيمان، وبغضهم كفر ونفاق، مع الكفّ عما شجر بينهم، وترك الخوض فيما يقدح في قدرهم. وأفضل الصحابة أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، وهم الخلفاء الراشدون. وتثبت خلافة كل منهم حسب ترتبيهم. ومن الدين محبة آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وتولّيهم، وتعظيم قدر أزواجه ـ أمهات المؤمنين، ومعرفة فضلهن، ومحبة أئمة السلف، وعلماء السنة والتابعين لهم بإحسان ومجانبة أهل البدع والأهواء.
    الخريطة الإثنية والمذهبية في إيران:
    بلغ عدد سكان إيران 70.3 مليون نسمة في يونيو 2000، ووفقاً لبيان صادر عن وكالة الأنباء الإيرانية يتوزع السكان بين عدة جماعات عرقية أهمها: الفارسي 51% ، والأذري 24%، والجيلكي والمازندراني 8%، العربي 3%، والكردي 7%، واللور2%، والبلوش 2%، والترك2%، وعناصر اخرى1%يقدر عدد سكان إيران عام 2008 بنحو 70.5 مليون نسمة يتوزعون على مختلف المذاهب والأعراق والأديان التي تتداخل وتتقاطع انتماءتها فمن الناحية الإثنية ينتمي الإيرانيون إلى 9 جماعات إثنية على النحو الذي يوضحه الجدول التالي:
    الجماعة الإثنية عددها
    (تقديريا) نسبتها إلى عدد السكان الديانة السائدة اللغة امتداداتها عبرالحدود درجة الاستيعاب
    2000 2008
    العرب 615000- 2 مليون
    2.1 مليون
    3% سنة وشيعة العربية العراق والخليج العربي متوسطة وترتبط بالإقامة في خوزستان
    الآذريين 8.8 – 10 مليون
    16 مليون


    24% شيعة التركية أذربيجان عالية جداً
    بختياري 300000- مليون
    ------ - شيعة لورية ------ عالية جداً
    البلوش 500000- مليون
    1.4 ملبون -
    2% سنة البلوشية باكستان جنوب أفغانستان تركمانستان الخليج منخفضة
    الأكراد 3.8 مليون
    5مليون -
    7% الأغلبية سنة وأعداد كبيرة من الشيعة وبعض أتباع الصوفية الكردية بلهجات متعددة العراق تركيا سوريا أرمينيا جورجيا أذربيجان منخفضة
    اللور 300ألف- 580 ألف
    1.5 مليون -
    2% شيعة اللورية -- عالية
    القاجاق 800 ألف- مليون
    --- ---- شيعة التركية ---- متوسطو ومحدودة مع القبائل
    الشاهسافانية 310 ألف
    ---- ----- شيعة التركية ----- متوسطة ومستوعبين مع الآذريين
    التركمان 1.1 مليون
    1.4 مليون
    --
    2% سنة التركية تركمانستان وأفغانستان منخفضة

    المصدر:
    Minority Rights Group Report, 2008.
    Eliz Sananarian, Religiouse Minorities in iran,( Cambridge: Cambridge University Press, 2000).
    Hussein D. Hassan, Iran: Ethnic and Religious Minorities, CRS Report for Congress, Washington, 2008.
    ويكشف الجدول السابق عن تداخل الانتماءات الدينية واللغوية والعرقية لكن يلاحظ بالنسبة للسنة أن الإحصاءات الرسمية للدولة تقول أنهم يشكلون 10 % من السكان، إلا أن مصادر السنة تؤكد أنهم يشكلون ثلث حجم السكان البالغ عددهم أكثر من 70.5 مليون نسمة، ومصادر مستقلة تقول أن السنة يشكلون نحو 15%من سكان إيران وهم مقسمون إلى 3 عرقيات رئيسة هي الأكراد والبلوش والتركمان، إلى جانب العرب في إقليم خوزستان ويرى البعض أن كل إثنية من هذه الإثنيات تشكل اثنية منفصلة تتمتع بدرجة من التماسك الذاتي بغض النظر عن الانتماء لنفس المذهب السني ويسكن السنة بالقرب من خطوط الحدود التي تفصل إيران عن الدول المجاورة ذات الأغلبية السنية مثل باكستان وأفغانستان، والعراق وتركمانستان، أما المسلمون السنة من العرق الفارسي فوجودهم محدود لذلك يرى البعض أن المشكلات التي يتعرض لها أهل السنة في إيران مرجعها ليس المذهبية وحدها وان كانت اكبر العوامل، فجزء منها يعود لأسباب عرقية في دولة متعددة العرقيات مثل إيران، أو لأسباب جغرافية فمعظم أهل السنة يقيمون على أطراف الدول التي تصل بينهما وبين دول سنية هي على خلاف مع إيران مثل العراق أو أفغانستان أو باكستان فهذه الأسباب وغيرها كانت مبررا لإثارة الشك تجاههم، فهم في نظر النظام الإيراني ليسوا مجرد فصيل يختلف مذهبيا معه، ولكنهم عرق مشكوك في انتمائه إلى جسد الدولة الإيرانية، وكثيرا ما يتهمون بالقيام بعمليات التهريب أو الاتصال بالجهات المعادية، وهي مبررات كافية للنظام الإيراني للتنكيل بهم، من وجهة نظرهم .

    مواقع انتشار الجماعات الإثنية في إيران
    المصدر: Hussein D. Hassan, Iran: Ethnic and Religious Minorities, CRS Report for Congress, Washington, 2008, p 11.
    فتشير الخبرة التاريخية إلى أن اختلاف المذهب وحده لم ينهض قط أساسا لانتهاج سياسة مناهضة للدولة إلا في حالات محدودة جداً على النحو الذي سيأتي تفصيله فبالنسبة للبلوش الذين ينتمون جميعهم للمذهب السني فقد استمروا في إطار الدولة الصفوية دون محاولة الخروج عليها برغم التنافس بين الأسر الحاكمة على السيطرة على إقليم بلوشستان وفي السبعينات من القرن التاسع عشر قسمت بريطانيا الإقليم بين الهند وإيران وأفغانستان وتمتع زعماء القبائل بقدر من الاستقلال النسبي حتى تأسيس الدولة البهلوية على يد رضا شاه 1921 ومع ذلك فإن تأثيرات الحركة القومية البلوشية التي قادها زعماء البلوش في باكستان ( ومن رموزهم دوست محمد خان ) ظلت بعيدة إلى حد كبير عن بلوش إيران وفي أواسط القرن المنصرم ظهرت بعض الحركات القومية مثل "جبهة التحرير البلوشية" التي تأسست عام 1964 على يد جمعة خان والحركات اليسارية مثل حزب بلوشستان الديمقراطي الذي تأسس في بغداد في الستينات لكنها توقفت جميعاً عن العمل بعد الوفاق العراقي الإيراني في معاهدة الجزائر ولمم تتمتع بالشعبية التي تمتع بها حزب الوحدة الإسلامية هو جماعة دينية شبه سياسية تأسست في ظل تخفيف قبضة الحكومة الإيرانية بعد زوال حكم الشاه ولا يعد هذا الحزب الذي تزعمه مولوي عبد العزيز مُلا زادة حزباً قومياً بقدر ما هو حزب يعبر عن السنة البلوش وكان مولوي نائباً في مجلس الشورى وأمر اتباعه بالتصويت لصالح إنشاء الجمهورية الإسلامية في أبريل 1979 .
    في حين شهد إقليم الأحواز الذي يعده البعض إمارة عربية ألحقت قسراً بإيران حركة نضال عنيف برغم انتماء عدد له اهميته من الأحوزازيين إلى االمذهب الشيعي .

    ثانيا
    إضفاء الطابع المذهبي: سياسات النظام واستجابة الجماعة السنية
    1- إضفاء الطابع المذهبي من الثورة إلى الدولة وبين الإصلاحيين والمحافظين
    سعى النظام الثوري الجديد في إيران للتأكيد على هوية النظام الإسلامية والمذهبية من أول يوم بداية من تحديد اسم النظام الذي استهدف لا الانقطاع عن النظام السابق وحسب بل والتأكيد على هوية وتوجهات النظام الجديد فدفع رجال الدين عام 1979 باتجاه تأكيد الهوية الدينية للنظام بمساندة الإمام الخميني الذي تمتع بشعبية كارزمية طاغية فجاءت نتيجة الاستفتاء الأول على السؤال هل توافق على الجمهورية "الإسلامية" بالموافقة بأغلبية كاسحة بنسبة 98% وكانت المناسبة الثانية لتأكيد مذهبية الدولة والنظام هي صياغة الدستور الإيراني الذي اشترك في صياغته فقهاء مجلس الخبراء الذي تم انتخابه في 2/7/ 1979 وناقشه مجلس الشورى الإسلامي ثم أقره مجلس صيانة الدستور واعتمده الخميني وتم إقراره في الاستفتاء العام الذي أجري في 1/12/ 1979وينص هذا الدستور المادة (5) على ولاية الأمر وإمامة الأمة في فترة غيبة ولي العصر المهدي المنتظر للفقيه الجامع للشروط وهو ما عادت المادة (107) لتؤكد عليه وفي المادة (12) منه ينص الدستور على أن الدين الرسمي لإيران هو الإسلام والمذهب الرسمي هو المذهب الجعفري الإثنى عشري بدون تغيير إلى الأبد وقد استثنى الفصل الرابع عشر المختص بكيفية إعادة النظر في الدستور ولاية الفقيه والدين والمذهب الرسمي لإيران من مجال اختصاص "لجنة إعادة النظر " في الدستور ويؤكد الدستور في المادة 57 على أن السلطات الثلاث في إيران تمارس صلاحياتها بإشراف " ولي الأمر المطلق وإمام الأمة" وقد تناول الدستور في المادة الرابعة منه و المواد من 91-97 إنشاء مجلس صيانة الدستور وأهدافه وتشكيله وأسلوب عمله ويعمل المجلس على ضمان توافق أية قوانين أو قرارات مع أحكام المذهب الشيعي والشريعة الإسلامية بوجه عام ويقرر المجلس توافق القوانين مع أحكام الشريعة بأغلبية أعضائه الإثنى عشر على أن يكون من بينهم كافة أعضائه من الفقهاء ( سنة أعضاء) وللمجلس دوره المهم في منع أي من المعارضين للنظام في نزول الساحة السياسية حيث يمنع مرور أي مرشح يمكن أن يعتبر يحمل أفكاراً تتضمن خروجاً على النظام أو مساساً بقيمه او تجاوزاً لمعطياته في أية انتخابات بدءً من انتخابات المجالس المحلية حنى انتخابات مجلس الخبراء وانتخابات رئيس الجمهورية فلمجلس صيانة الدستور حجب أي مرشح بدعوى عدم أهليته التعليمية أو العقائدية أو بسبب ممارساته السياسية ويعد هذا المجلس الدعامة الأساسية للنظام والمؤازر الصلب لزعيم الثورة الإيرانية سيد علي خامنئي من أجل الحفاظ على ولاية الفقيه وأسس الفكر الشيعي الأصولي.
    ويتناول الفصل الثامن من الدستور القيادة وحدود القائد وصلاحياته فالقائد أو الزعيم هو الشخصية الأولى في النظام وله صلاحيات واسعة بناء على ولاية الفقيه التي أشار إليها الدستور في المادة الخامسة منه والتي تنص على أنه في زمن غيبة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف تكون ولاية الأمر وإمامة الأمة في جمهورية إيران الإسلامية بيد الفقيه العادل المتقي البصير بأمور العصر.
    وعلى الجانب المؤسسي عمل الإمام الخوميني منذ نجاح الثورة على تغلغل وجود الفقيه في كافة أجهزة ومفاصل النظام السياسي عن طريق تعيين ممثلين له في كافة أجهزة الدولة والجيش والمناطق الجغرافية وكان هؤلاء يعرفون بممثلي الإمام وكانوا مسئولين بشكل مباشر أمامه شخصياً وبالإضافة إلى ذلك تم العمل على إرساء عملية التمذهب في المؤسسة العسكرية حيث تم إنشاء إدارات أيديولوجية داخل وحدات الجيش تخضع للسيطرة المباشرة للشباب العلماء المتحمسين للثورة وكانت مهمتهم تثقيف الضباط والجنود بالأيديولوجية الإسلامية وامتدت هذه الجهود إلى مؤسسات التنشئة ففي التعليم تمت إضافة مجموعة من المناهج الفقهية في مرحلة التعليم ما قبل الجامعي واشترط في التعليم الجامعي حصول الطالب على شهادة بأنه يؤمن بقيم الحكومة الإسلامية ومبادئها كما أحكم النظام قبضته على وسائل الإعلام التي خضعت لسيطرة وزارة الثقافة والإرشاد أو لمرشد الثورة وذلك من خلال اختيار قادة هذه المؤسسات من المتحمسين للمذهب الشيعي والأسس الفكرية للنظام وعلى رأسها ولاية الفقيه.
    وقد تصاعدت قوة التيار الإصلاحي مع تولي الرئيس خاتمي رئاسة الجمهورية في 1997 مع ملاحظة أن أوصاف المحافظ والإصلاحي واليميني واليساري لها خصوصية خاصة في الخبرة الإيرانية بحيث أنه قد تحمل مضامين تتعارض مع النظرة الشائعة ومن ناحية ثانية فإنه كلاً من التيارين يضم أطيافاً عديدة قد تتقاطع برغم اختلافها بشأن قضية جزئية أو فكرة معينة ومن ناحية ثالثة فإن المحافظين والإصلاحيين يؤمنون جميعهم بالأسس العامة للنظام وبكثير من الإيجاز والتبسيط يمكن القول أن الجدل بين الإصلاحيين والمحافظين يتمحور حول عدد من القضايا تحمل على نحو أو آخر دلالاتها للانقسام المذهبي في إيران ومن أهم هذه القضايا:
    - قضية ولاية الفقيه ويعبر عنها البعض بالعلاقة بين الإسلام الشيعي والديمقراطية
    - الانفتاح والتبادل الثقافي
    - العلاقة مع الولايات المتحدة والغرب
    - تطوير الاقتصاد ودور سياسة الخصخصة فيه
    - قضية نماذج العدالة والحرية
    وبطبيعة الحال فإن الجدل بين الإصلاحيين والمحافظين والتنافس السياسي بين المعسكرين لا يمثل اهتمام هذه الدراسة إلا بقدر دلالاتها لإدارة التعددية المذهبية والانقسام المذهبي.
    فبالنسبة لولاية الفقيه التي ارتبطت بإسباغ الطابع الشيعي على الدولة والنظام السياسي فقد صاغها الإمام الخوميني تطويراً لأفكار الشيخ محمد بن مكي الجزيني المتوفى 1366م أو الإمام أحمد ةالنراقي ت 1820 وتقوم النظرية على أن للفقهاء ولاية عامة يمارسها الفقهاء من خلال الحكومة إلإسلامية التي تطبق فيها الشريعة الإسلامية خروجاً على مبدأي الانتظار والغيبة الذين حكما الفكر الشيعي ويلاحظ أن ولاية الفقيه لم تحظ بقبول كافة فئات مجتهدي الشيعة حتى بعد الثورة كما أن المفكرين يتوزعون على خط متصل من رافض تماماً لها ويتبنى فكراً علمانياً يقترب من فكر المفكر السني المصري الشيخ علي عبد الرازق إلى من يقبلها بصياغات مخففة مختلفة إلى المتحمسين لتطبيقها بشكل حرفي بانغماس رجال الدين في تسيير أمور السياسة اليومية ويلاحظ أن الإمام الخميني هو الذي صاغ فكرة ولاية الفقيه فإنه كان في البداية متخوفاً من انخراط رجال الدين بشكل مباشر في الحكم فدعم ترشح بني صدر للرئاسة .
    ولنظرية ولاية الفقيه دلالات هامة بالنسبة لعلاقة الدين بسياسة و الإسلام الشيعي بالديمقراطية وأسس شرعية النظام بشكل عام ومن ثم بالعلاقات المذهبية
    فمثلاً يرى الاتجاه المتشدد في ولاية الفقيه أنها نظام يفوق كافة أشكال الحكم الأخرى التي تستمد شرعيتها من الرضا الشعبي والتعاقد وأن النظام المستن لولاية الفقيه يمثل نمط الحكومة المبنية على ا؟لأسس الدينية أو ا"الحكومة الإسلامية الولائية " التي تستمد شرعيتها من الله عز وجل فللولي الفقه العصمة التي للنبي و للأئمة المعصومين وشرعية القوانين ليست في موافقتها لإرادة الشعب معبرا عنها في الدستور أو من خلال نوابه المنتخبين بل من صدورها من الولي "فولاية الفقيه عبارة عن أشخاص مكلفين من قبل الله لإدارة المجتمع" وعليه فإن المؤسسات والدستور تستمد شرعيتها من الولي الفقيه وليس هناك تلازم بين مشروعية الحكومة وقبول الشعب لها ويرى المتبنون لهذه الصيغة أن ولاية الفقيه وحدها هي التي تحقق الحرية لكنهم يربطون بين الحرية ومفهوم الحق والواجب فإذا كانت الحرية حقاً فإن هذا الحق يؤطره نوع من الواجب تجاه الحرية " فالحرية والمشاركة السياسية تشير إلى ذلك النوع من الحرية التي توجد في قوالب معينة تكون الحرية بمقتضاها في قالب المسئولية تجاه الله تعالى " فأصل الحقوق البشرية كلها يعود إلى "حق الله"
    وقد ارتبطت رؤى المحافظين والإصلاحيين في هذا الخصوص بحزمة من السياسات في القضايا الاقتصادية والثقافية والخارجية المشار إليها آنفاً فيتبنى المحافظون – انطلاقاً من تصورهم لمسئولية الدولة – دور اكبر للدولة في الاقتصاد وفق خطة مركزية غالبا ما يؤدي تطبيقها إلى قدر من عدم التوازن الإنمائي لصالح المركز والحضر على حساب المنطق الريفية والحدودية التي يتركز فيها السنة برغم خطاب المحافظين الراديكالي عن نصرة المستضعفين كما أن المحافظين أقل تسامحاً تجاه الاختلاف المذهبي وتجاه حرية الرأي والتعبير بشكل عام أما الإصلاحيون فهم أكثر انفتاحاً وتأكيداً على قيم الحرية والمشاركة ومن ثم أكثر تسامحاً مع الاختلاف المذهبي
    فعلى سبيل المثال يعلي خاتمي من قيمة الحرية بل ويرى أن المصير الاجتماعي للدين يتوقف على مدى إتاحته للحرية وأنه جينما يتعارض الدين مع الحرية فإن الدين هو الذي سيخسر ويرى خاتمي أنه توجد حقوق متبادلة بين الدولة والأفراد يتعين عليهما احترامها
    2 - مذهبية النظام وإدارة الانقسام المذهبي
    ارتبط إضفاء الطابع المذهبي على الدولة والنظام بقدر غير قليل من التمييز ضد مذهب أهل السنة والجماعة على النحو الذي يظهره فحص الإطار القانوني الذي يحكم العملية السياسية والمشاركة فيها:
    فقد نص الدستور في المادة 19 على المساوة على المساوة بين جميع أفراد الشعب وتمتعهم بجماية القانون
    المادة 12 تنص على "الإسلام هو الدين الرسمي والمذهب الجعفري الاثنا عشري هو المذهب الرسمي في هذه البلاد... أما المذاهب الإسلامية الأخرى من الحنفية والشافعية والحنبلية والمالكية والزيدية فلها حرمتها واحترامها واتباع هذه المذاهب أحرار في مراسيمهم الدينية وشؤونهم المذهبية طبقاً لفقههم وعقيدتهم كما أنهم أحرار في التعليم الديني لأبنائهم وفي الأحوال الشخصية، ودعاويهم معتبرة في المحاكم أيضاً".
    3-وتنص المادة 12 من الدستورعلى أنه في كل منطقة يتمتع أتباع احد المذاهب بالأكثرية، فإن الأحكام المحلية لتلك المنطقة تكون وفق ذلك المذهب مع الحفاظ على حقوق أتباع المذاهب الأخرى وعدم التدخل في شؤونهم المذهبية.
    حرية استخدام اللغات الخاصة: حيث نصت المادة (15) على أن (لغة الكتابة الرسمية والمشتركة؛ هي الفارسية لشعب إيران، فيجب أن تكون الوثائق والمراسلات والنصوص الرسمية والكتب الدراسية بهذه اللغة والكتابة، ولكن يجوز استعمال اللغات المحلية والقومية الأخرى في مجال الصحافة ووسائل الإعلام العامة، وتدريس آدابها في المدارس إلى جانب اللغة الفارسية)، كما نصت المادة (16) على أن (بما إن لغة القران والعلوم والمعارف الإسلامية العربية، وان الأدب الفارسي ممتزج معها بشكل كامل، لذا يجب تدريس هذه اللغة بعد المرحلة الابتدائية حتى نهاية المرحلة الثانوية في جميع الصفوف والاختصاصات الدراسية).
    3- حرية تشكيل التنظيمات والهيئات المختلفة: حيث المادة (26) على أن (الأحزاب والجمعيات، والهيئات السياسية، والاتحادات المهنية، والهيئات الإسلامية، والأقليات الدينية المعترف بها، تتمتع بالحرية بشرط إلا تناقض أسس الاستقلال، والحرية، والوحدة الوطنية، والقيم الإسلامية، كما انه لا يمكن منع شخص من الاشتراك فيها، أو إجباره على الاشتراك في احدها).
    وتنص المادة 15 من الدستور على وجوب تدريس لغات تلك القومية في مختلف المراحل التعليمية.
    لكن الطابع المذهبي يظهر في مواد أخرى متعلقة مثلا بمجلس الشورى أو الجيش''لا يحق لمجلس الشورى الإسلامي أن يسن القوانين المغايرة لأصول وأحكام المذهب الرسمي للدولة'' مادة 72، وتكررت في المادة 85
    وينص قانون الانتخابات الثادر عام 1983 على أن يكون المرشخ لمجلس الشورى "معتقداً بنظام الجمهور الإسلامية"
    وقسم الرئيس: ''إنني باعتباري رئيسا للجمهورية أقسم بالله القادر المتعال في حضرة القرآن الكريم أمام الشعب الإيراني أن أكون حاميا للمذهب الرسمي ....'' مادة 121 .
    وينص الدستور على إفراد مقعد في مجلس الشورى للأقليات المختلفة كما أنهم ممثلون في مجلس الأقليات بخلاف السنة
    وعلى صعيد إسباغ الطابع المذهبي شكلت الحكومة الإيرانية مع بدايات الثورة وزارة باسم وزارة الجهاد والتعمير وهي بمثابة العمل التبشيري في أواسط أهل السنة، وقد أصدرت هذه الوزارة مجلة باسمها تتحدث عن نشاطاتها وإنجازاتها في تحويل أهل السنة عن مذهبهم أما في التعليم فإن الطابع الشيعي يدخل من باب المناهج الدراسية التي تركز على التشويه والطعن في عقائد أهل السنة والجماعة من خلال الأناشيد المقررة على الطلبة في المراحل الابتدائية والمتوسطة، ومن خلال المواضيع المطروحة في كتب القراءة والتي تدعو إلى الشرك الصريح من خلال تمجيد مزاراتهم والتي يسمونها حرم على غرار الحرم المكي والمدني.
    كما عمد النظام إلى تأسيس مراكز إسلامية شيعية كبيرة وسط المناطق المأهولة بأهل السنة، وعهد بمسئوليتها لفقهاء غير ملمين بظروف هذه المناطق، مما كان يعني حتمية استياء أهل السنة، خاصة أنهم ممنوعون من حرية الدعوة لمذهبهم بالمثل.
    وأما الشق الثاني في التعليم: فهو أسلوب إدارة المدارس وكيفية معاملة السنة في السلك التعليمي من حيث كونهم مدرسين أو طلبة، إن وزارة المخابرات قامت بتعيين مدرسين في جميع المدارس الحكومية في المدن والأرياف تحت اسم المشرف التربوي ووظيفة هذا المشرف تنحصر في متابعة المدرسين والطلبة من حيث انتمائهم ونشاطهم المذهبي كالمواظبة على الصلوات مع الجماعة في المدرسة أو حث الآخرين من السنة للصلاة أو على الأقل لفت أنظارهم إلى ما يحدث على الساحة من مؤامرات بحق السنة من ظلم وغير ذلك من الأمور التي يرقبها ويتابعها المشرف التربوي والذي بدوره يفتح هذا الملف عند أي أمر إداري آخر كالتسجيل في الجامعة بالنسبة للطلبة أو تقديم طلب نقل مكان العمل بالنسبة للمدرسين حيث أنه ترفض كل هذه الطلبات بناء على التقارير المعدة من قبل المشرف التربوي .
    أما من حيث تداعيات الطابع المذهبي على أرض الواقع فإن السنة بلرغم كونهم أكبر أقلية في إيران، إلا إن مستوى تمثيلهم السياسي في البرلمان والتشكيل الوزاري لا يتناسب مع نسبتهم العددية، حيث منعوا من تمثيل برلماني يتناسب مع حجمهم الحقيقي، إذ لا يمثلهم في البرلمان سوى 14 نائباً فقط، وليس لهم أي وزن حقيقي في البرلمان بل يستغل وجودهم لأهداف سياسية بما ينافي مصالح السنة، كما يتهم السنة في إيران الحكومة بإنجاح العناصر السنية الموالية لها وليست المعبرة عن مطالبهم .
    وألّف المجلس الأعلى للثورة الثقافية مجلس شورى للتخطيط والبرمجة لمدارس أهل السنة وقرر هذا المجلس تنظيم ودعم المدارس الدينية لأهل السنة لكن في الواقع استهدف استقلال المدارس وحرية أهل السنة في إيران
    كما أن المنتمين للمذهب محرومون من تولي المناصب العالية في الدولة كرئاسة الجمهورية أو رئاسة البرلمان بغض النظر عن التأييد الجماهيري تأييد جماهيري، حيث يشترط الدستورفي الفقرة الخامسة من المادة الخامسة عشرة بعد المائة الاعتقاد بمذهب التشيع كشرط أساس لتولي المناصب.
    أما الإدارات أو الوزارات المهمة كالداخلية والخارجية والمخابرات وحرس الثورة والتعليم والتجارة والدفاع فإن السنة مستبعدون منها تماماً.
    إلا عن ذلك لم يمنع الحكومات المتعاقبة من تحسين صورتها أمام العالم الخارجي وأمام الطائفة السنية فحاول النظام استحداث مناسبات تقرب بين الشيعة والسنة، مثل قيام الزعيم آية الله خامنئي باستحداث أسبوع الوحدة بين السنة والشيعة في الفترة من 12 إلى 17 ربيع الأول من كل عام، كنوع من التقريب بين اتخاذ أهل السنة يوم 12 ربيع الأول احتفالاً بمناسبة مولد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، واتخاذ الشيعة يوم 17 ربيع الأول لهذه المناسبة، فأصبح أسبوع الوحدة يضم التاريخين .
    كما شكل الرئيس خاتمي في عهده لجنة لمتابعة شئون السنة مشكلة من رئيس (شيعي) وهو ابن شقيقة الرئيس خاتمي، والذي كان مديرا للمخابرات قبل ذلك في احد الأقاليم ذات الأغلبية السنية، واثنين من المسلمين السنة، و استحدث الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد في 1/3/ 2006 منصب مستشار يختص بشئون أهل السنة في إيران، عين فيه عالم الدين السني مولوي محمد إسحق مدني .
    3 - الاستجابة السنية المحددات والأبعاد:
    ثمة العديد من الأسباب – على جانب الجماعة المذهبية - التي يمكن ان تؤدي بالجماعةالمذهبية لانتهاج الأساليب العنيفة يمكن إجمالها فيما يلي:
    - عدم الشعور بالأمان الناجم عن التغير قي الأحوال السياسية والاقتصادية مع غياب المؤسسات المتسمة بالحيادية الاستقلالية التي يمكن اللجوء إليها لتعويض غياب العدالة والمساوة وكبديل للجوء للعنف
    - طبيعة عمليات التنشئة الاجتماعية ونقل الثقافة التي قد تغذي أنماطاُ من العقليات والاتجاهات التي تدفع لتبني العنف مثل عدم الثقة الذي يزيد من حدة شعور الجماعة بالظلم أو عقلية الضحية التي تجعل الجماعة المذهبية تعتبر نفسها ضحية ومن ثم تؤمن بضرورة اللجوء للعنف للتأكيد على عدم القبول بالاستمرار في موقف الضحية ولو اقتضى الأمر التضحية بالذات في سبيل أهداف الجماعة
    - وجود قيادة كارزمية ذات خلفية عسكرية أو نضالية تنتهج أيديولوجيا عنيفة وتعتقد أن حقوق الجماعة لن تتحقق إلا باللجوء للعنف .
    - ويظهر استعراض استجابة السنة كجماعة مذهبية وبقيادة الزعامات والقيادات المذهبية لعملية إضفاء الطابع المذهبي على غياب هذه العوامل إلى حد بعيد فقد اتخذت استجابة السنة الأشكال التالية:
    - دعم الأفراد والقوى السياسية التي تعدها الجماعة السنية أكثر تسامحاً مع التعدد المذهبي:
    فمثلاً منح قطاع كبير من أهل السنة في إيران أصواتهم في الجولة الأولى لانتخابات الرئاسة الإيرانية لمهدي كروبي رئيس البرلمان السابق، من أجل تحقيق عدد من المطالب، منها: الحصول على حقوق متساوية مع باقي المواطنين الإيرانيين، وإقامة مسجد لهم في طهران وغيرها من الحريات، ثم عادوا وأعطوا أصواتهم في الجولة الثانية للانتخابات الرئاسية التي جرت في 24-6-2005م إلى الرئيس الإيراني السابق المخضرم علي أكبر هاشمي رفسنجاني الذي حل في المرتبة الثانية بعد إعلان فوز أحمدي نجاد. وقبله دعم السنة انتخابمحمد خاتمي والعديد من الوجوه الإصلاحية .
    - رفع المظالم والمطالب إلى قيادات النظام الإيراني كما حدث عندما وجه نواب أهل السنة في مجلس الشورى الإسلامي في 1/5/2004 رسالة مفتوحة إلى المرشد الأعلى للثورة الإسلامية الإيرانية علي خامنئي اعتراضًا على صدور كتاب باسم كتاب الحقيقة والوحدة في الدين، وعلى الرغم من أنهم لم يشيروا في رسالتهم بشكل صريح وواضح إلى مضمون هذا الكتاب، إلا أنهم اعترضوا على ما جاء في هذا الكتاب من إهانة لأهل السنة وتجن – من وجهة نظرهم – على الحقائق التاريخية.
    و يظهر استعراض منظمات النضال العنيف في منطق تواجد السنة ضمن العرقيات الأربع أن هذه الحركات هي حركات عرقية قومية وليست مذهبية
    فمثلاً في الأحواز تتمثل أهم هذه الحركات في ما يلي:
    الحركة الثورية الديمقراطية لتحرير الأحواز وتاسست عام 1980 وطالبت بالحكم الذاتي.
    حركة الشباب العربي الحوازي وهتأسست عام 1984 على يد مجموعة من الشباب ذوي الارتباطات بالحركات اليسارية العربية كحركة التحرير الوطني الفلسطيني
    حركة التجمع الوطني في عربستان وتأسست عام 1986 وانضمت إليها حركة الشباب العربي الأحوازي وغيرت اسمها عام 200 إلى حركة التجمع الوطني في الأحواز وينادي بالحكم الذاتي
    الحزب الوطني العربستاني وتأسس في 13 : 6/ 1998
    أما حزب الوفاق الإسلامي فقد تأسس عام 1998 بعد تولي خاتمي رئاسة الجمهورية في إيران حيث أعلن نفسه كحزب بعمل ضمن الدستور الإيراني.
    أما في إقليم بلوشستان فإن حزب الوحدة الإسلامية لم يدعم حركات معارضة النظام ولم يتورط في أحداث العنف التي شهتها زاهدان عاصمة بلوشستان في الثمانينات أما الحركات التي اتجهت للعنف السياسي فأغلبها حركات قومية يسارية مثل منظمة الشعب البلوشي الديمقراطية التي ضمت عددا من الفضائل اليسارية بقيادة رحمت حسين بور وأيضاً جبهة تحرير بلوشستان اليسارية ومجلس الحماية البلوشي الذي يميل إلى الوسط وبالمثل لا يمكن اعتبار جماعة جند الله معبراً عن الجماعة السنية في بلوشستان برغم نشاطه في مجال العمليات القوات المسلحة الإيرانية و التي اتسمت بالجرأة والتخطيط والتي لم تستثن حتى رئيس الجمهورية أحمدي نجاد من هجماتها في 16 ديسمبر 2005 فهذه الجماعة التي تضم ألف مقاتل كانت على علاقات وثيقة بالولايات المتحدة وكانت تتلقى الدعم منها حتى عام 2001 حتى سحبت الأخيرة دعمها لها بالاتفاق مع طهران
    ويمكن أن يعزى ذلك جزئياً إلى طبيعة القيادة المذهبية من ناحية وإلى طبيعة الثقافة السنية التي تحبذ الصبر على الخروج على السلطة لأن "الوداعة" خلف حاكم جائر أفضل من الصراع الذي يهدد بالفتنة .

    ثالثا: التهميش الاجتماعي والعنف المذهبي
    يعاني السنة في الأعراق المختلفة البلوشية والعربية والكردية من العديد من مظاهر التهميش الاجتماعي والاقتصادي من بينها :
    احتكار الشيعة للمناصب الأساسية على مختلف المستويات في القوات المسلحة حيث تتوجس الحكومات المتتالية من السنة ، وهذا الخوف من السنة دفعها إلى أن تضع وتحصر جميع القوى العسكرية والثروات الاقتصادية والصناعية تحت قبضة الشيعة فتمنع الحكومة السنة من الالتحاق ببعض مؤسساتها العسكرية كقوات الأمن أو الجيش ولو على شكل رتب صغيرة وفي حالة تسرب بعض السنة إلى الجيش فإن السني يكون في موقع لا يملك أدنى صلاحية أو يكون موظفاً على هوامش الأمور الإدارية، بل إنه حتى أثناء الخدمة العسكرية يظل الأفراد المنتمون إلى المذهب السني طوال مدة الخدمة في أماكن منزوعة السلاح، أما بالنسبة لوزارة حرس الثورة فإنها لا تقبل ولا تعين أي موظف سني لديها على أي مستوى من المستويات حتى الإدارية وينطبق نفس الأمر على وزارة المخابرات والتي وهي الوزارة الوحيدة من بين مثيلاتها في العالم أجمع التي يرأسها رجل دين وهو آية الله فلاحيان، الأمر الاذي يعتبره البعض مؤشراً على أنها تستهدف تصفية المخالفين لمذهبهم وعلى رأسهم السنة، كل هذا حتى تبقى القوة العسكرية في البلاد وتبقى الأسلحة والقرارات الصادرة بشأنها بيد الشيعة فقط.
    وقياساً على المؤسسة العسكرية فإن الثروة الصناعية والاقتصادية هي في قبضة الشيعة كذلك، وحين أقول في قبضة الشيعة أعنى بذلك توفير كل الفرص لجعل هذه الثروات في متناول الإنسان العادي لا موظف الدولة من الشيعة، فلقد دأبت الحكومة منذ توليها زمام الأمور على حرمان السنة ومناطق السنة من جميع أنواع المصانع والصناعات الثقيلة والخفيفة، كما حرمتهم من إعطائهم أي ترخيص لبناء أو مساهمة في أي مصنع أو حتى شركة وطنية وإن وجدت بعض المصانع في مناطق السنة فإنها يمتلكها الشيعة أما عن مجال التجارة والاستيراد والتصدير فإن السنة - كما ذكرنا - ممنوعون من الحصول على جميع أنواع الرخص التجارية، لذا فإن غالبية المواد الغذائية في مناطق السنة لا تكاد تصل إليهم إلا عن طريق التهريب كالسمن والأرز والسكر من الدول المجاورة كالخليج وباكستان.
    وتعد خوزستان الجنوبية التي يسكنها غالبية من السنة العرب من أفقر المناطق في إيران شأنها شأن بلوشستان والمناطق الكردية وعلى الرغم من أنها تعد عصب الاقتصاد الإيراني اعتماداً على ما تمتلكه هذه المحافظة من موارد هائلة تتمثل في احتياطات النفط والغاز الطبيعي فهذه المنطقة تمد طهران بنحو 80% من هذه السلعة الاستراتيجية بالإضافة إلى مخزون ضخم من المياه العذبة فإن هذه المنطقة تعد من أفقر المناطق في إيران وأقلها نموا وتطوراً ولاسيما أنه لم يجر حتى الآن التخلص من آثار الحرب العراقية الإيرانية ويعاني العرب السنة في هذه المنطقة من ارتفاع معدلات البطالة والفقر إضافة لسياسة التفريس، وسياسة الاستيطان والتهجير، حيث عمل النظام الإيراني على خلخلة الوجود الأهوازي، من خلال عمليات تهجير قسري للقبائل العربية في الإقليم إلى العمق الإيراني، وفي المقابل تم جلب آلاف المستوطنين الإيرانيين إلى الإقليم.
    وبالمثل يعاني إقليم بلوشستان مركز الجماعة السنية من الفقر والبطالة حيث أن نسبة تتراوح بين 35-50 % ممن يعانون من البطالة هم من سكان محافظة بلوشستان السنية المذهب كما يعاني سكان بلوشستان من الحرمان التعليم ومن الوظائف وعدم السماح لهم بممارسة أية مظاهر تعبرعن هويتهم أو ثقافتهم كما تتردد انباء عن قيام قيام الحكومة المركزية بالتغيير المتدرج للتوازن العرقي في بلوشستان كما تم هدم عدد كبير من مساجد أهل السنة، حتى في المناطق ذات الأغلبية السنية، مثل: سلماس، شاهين دز، وكنار وشابهار في بلوشستان، وهشت بر في جيلان، فضلاً عن هدم مسجد الشيخ "فيض" بشارع خسروي في مدينة مشهد بمحافظة خراسان وتحويله إلى حديقة عامة وساحة خضراء، وإغلاق عدد آخر من مساجد أهل السنة أيضًا في كل من مدن: شيراز وأورميه وسنندج وسقر ومياندواب وغيرها
    وقد رصدت المنظمات المختلفة لحقوق الإنسان حالات عديدة من التعدي على حريات حقوق السنة لكن يلاحظ أن تصاعد الإحساس بالهوية المذهبية ليس نتيجة آلية لتصاعد التهميش الاجتماعي والاقتصادي فثمة دور للسياسات العامة الاقتصادية والاجتماعية التي تتبعها الدولة فتؤثر العوامل الاقتصادية على استجابة الجماعة المذهبية من خلال المشكلات الاقتصادية مثل ارتفاع معدلات البطالة والتضخم وفشل السياسات الإصلاحية الاقتصادية من خلال توليد إحباطات على المستوى الجماعي كما أن عدم عدالة النمو الاقتصادي وتكافؤ توزيع راس المال وسياسات التحديث تحدث نوعا من عدم الرضا لكن حتى تنتج هذا العوامل أثرها لابد من تمتع الجماعة المذهبية بعد خصائص تتعلق بحجم الجماعة ودرجة انتشارها ومدى تجانسها من حيث الخصائص الثقافية الأخرى وطبيعة قيادتها والتركز الجغرافي إلى جانب إدراك الجماعة أنها مستهدفة بالسياسات التمييزية وأنها تمثل تهديداً لهويتها وبقائها واستمرارها
    وفي حالة الجماعة السنية في إيران فإن توزعها بين نحو 5 عرقيات وتشتتها المكاني وضعف تجانسها وتمسكها قياساً إلى التجانس العرقي داخل كل جماعة عرقية ولغوية يؤدي إلى إضعاف أثر عوامل التهميش الاجتماعي وبالتالي أثرها على تبني الجماعة المذهبية استجابة عنيفة إزاء المظالم الواقعة عليها من النظام
    النتائج والخاتمة
    هدفت هذه الدراسة إلى بحث العلاقة بين التعددية المذهبية والاستقرار السياسي من خلال دراسة اثنين من العوامل التي تتوسط هذه العلاقة هما زيادة الطابع المذهبي للنظام والدولة وتطابق الانقسامات الاجتماعية واللغوية والاقتصادية.
    ويشير تحليل البيانات في إطار الحالة الإيرانية وما يقدمه من دلائل إلى وجود العديد من الشواهد التي تنفي صحة الفرضية الأولى التي تربط إيجاباً بين تصاعد الطابع المذهبي وتزايد عدم الاستقرار السياسي فمن ناحية فإن النظام الإيراني وإن عرف درجة كبيرة من عدم الاستقرار على مستوى النخبة في شكل اللجوء لإجراءات تقييدية استثنائية وأحياناً العنف ضد الجماعة السنية فإنه لا يمثل تصاعداً واضحاً مقارنة بالعنف الذي مارسه الشاه تجاه الجماعات العرقية المكونة للجماعة السنية. أما على مستوى الجماعة السنية فإن سياسات إدارة الانقسام المذهبي بما تسببت فيه من عدم استقرار نسبي من جاب النخبة لم تؤدي إلى انتهاج أساليب عنيفة من الجماعة السنية تجاه النظام، فهذه السياسات وإن وفرت بيئة مواتية لإمكانية اللجوء للعنف السياسي كأحد مظاهر عدم الاستقرار السياسي الرئيسة فإن طبيعة الجماعة المذهبية وقيادتها قد حدت من فرص تحول هذه الإمكانية إلى ممارسة واقعية.
    أما بالنسبة للفرض الآخر المتعلق بوجود علاقة ارتباط إيجابي بين تطابق خطوط الانقسام المذهبي والطبقي والاجتماعي وتصاعد عدم الاستقرار السياسي فتدعم الشواهد صحة هذا الفرض حيث يدعم هذا التطابق الإحساس بالهوية الواحدة وفي ظل سياسات تمييزية يمكن أن يؤدي هذا التطابق إلى تبني الجماعة المذهبية أساليب عنيفة تهدد الاستقرار السياسي للحفاظ على هويتها.

    قائمة المراجع
    المراجع العربية
    أولاً المعاجم والقواميس
    المعجم‮ ‬الوسيط‮ ‬
    المعجم‮ ‬الوجيز.‬،‮ ‬دار‮ ‬المشرق‮ ‬ببيروت، 1986.
    مختار‮ ‬الصحاح‮
    ثانياً الكتب
    1- إبراهيم خلف العبيدي، الأحواز أرض عربية سليبة، بغداد : وزارة الثقافة والإعلام، 1981.
    2- أحمد‮ ‬ثابت‮ ‬،‮ ‬التعددية‮ ‬السياسية، (‬القاهرة‮ ‬،‮ ‬الهيئة‮ ‬المصرية‮ ‬العامة‮ ‬للكتاب‮ ،‮1990 )‬،‮
    3- السيد زهرة، الثورة الإيرانية: الأبعاد الاجتماعية والسياسية، القاهرة ، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، 1985
    4- حامد عبدالماجد، مقدمة في منهجية وطرق بحث الظواهر السياسية، ( القاهرة: قسم العلوم السياسية بكلية الاقتصاد، جامعة القاهرة، 2000)
    5- حجت مرتجى، التيارات السياسية في إيران المعاصرة ، القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،، 2002
    6- عباس عسكرة، القضية الأحوازية ، (لندن، دار الحكمة، 2004)
    7- محمد أبو زهرة ، المذاهب الإسلامية، القاهرة: المطبعة النموذجية ، 1960.
    8- محمد السعيد إدريس، الانتخابات التشريعية في إيران: مجلس الشورى السابع ومستقبل المشروع الإصلاحي القاهرة: مركز الدرسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام،2005.
    9- مروان عبدالمجيد إبراهيم، أسس البحث العلمي لإعداد الرسائل الجامعية، (عمان: مؤسسة الوراق، 2000)
    10- مصطفى حلمي ، قواعد المنهج السلفي، (القاهرة: مكتبة وهبة ، 1985)
    11- ناصر القفاري ، أصول مذهب الشيعة الإمامية ، بيروت دار التراث 1997.
    ثالثاًً: الرسائل الجامعية
    1- أمل كامل حمادة، الخبرة الإيرانية في الانتقال من الثورة إلى الدولة، رسالة دكتوراة غير منشورة، 2007.
    2- باكينام رشاد الشرقاوي، الظاهرة الثورية والثورة الإيرانية، رسالة ماجستير غير منشورة، (جامعة القاهرة: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 1993.
    3- سميرة بحر، الأقباط في الحياة السياسية المصرية، رسالة دكتوراة منشورة، القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية 1979
    4- نصر محمد أحمد عارف، نظريات السياسة المقارنة وتطبيقها في دراسة النظم السياسية العربية، رسالة دكتوراة، (جامعة القاهرة: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية،1995)
    5- نيفين عبد المنعم مسعد، الأقليات والاستقرار السياسي في الوطن العربي، رسالة دكتوراة غير منشورة (جامعة القاهرة: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 1987)
    رابعا: الدوريات
    جابر‮ ‬سعيد‮ ‬عوض‮ ‬،‮ ‬التعددية‮ ‬فى‮ ‬الأدبيات‮ ‬المعاصرة‮ : ‬مراجعة‮ ‬نقدية‮ ‬،‮ ‬قراءات‮ ‬سياسية‮ ‬،‮ 1994
    خامساً :مواقع انترنت وصحف
    1- عبد المنعم محمود البلوشي، معاناة أهل السنة في إيران،
    http://albainah.com/Index.aspx?function=Item&id=1633&lang=
    p://www.alrased.net/show_topic.php?topic_id=1227&query=إيران
    2- محمد السعيد عبد المؤمن، مستشار أحمدي نجاد لشئون أهل السنة
    http://albainah.com/Index.aspx?function=Item&id=10683&lang
    3- طارق حسن، إيران نموذج العقل الطائفي، الأهرام 14/6/ 2008.

    References:
    A- Encyclopedia [
    David L. Sills, (Ed.), International encyclopedia of Social Sciences, Vol. 6, ( The Macmillan Company & The Free Press, 1965
    B-Books
    Cothran, Dan Political Stability and Democracy in Mexico the "Perfect Dictatorship"? Westport, Ct: Prager, 1994
    L. kuper‭ & ‬M‭.‬G‭. ‬Smith‭, (‬eds‭.), ‬Pluralism‭ ‬in‭ ‬Africa‭ ( ‬Berkeley‭ : ‬univ‭. ‬of‭ ‬California‭ ‬press‭, ‬1969‭)
    Zaidi , Akbar S., (ed), Regional Balalances and the National Question in Pakistan. Lahore: Vanguard, 1992
    B- Periodicals
    ‬ Jo- Yun Cho, "The Sources of Regime Stability in North Korea: Insights from Democratization Theory" Stanford Journal of East Asian Affairs. Vol. 5, No.1, 2005
    Minority Rights Group Report, 2008
    Maheshwar singh, “Ethnic Conflict and International Security: Theoretical considerations”. World Affairs, Vol. 6, No 4, Oct./Dec, 2002.