عمرانيات

مدونة تهتم بقضايا العمران الإنساني بالبحث والترجمة الزائر الكريم: تفضل بزيارة مدونتي الأخرى Mnzoor.blogspot.com Alkasd.blogspot.com

الأربعاء، يونيو 21، 2006

الأيديولوجيا والأسطورة: حالة العولمة

  • Alkasd my other blog
  • مقدمة:
    لدراسة الأيديولوجيا أهمية خاصة باعتبارها في أبسط معانيها نسق رمزي من الأفكار المتداخلة (كالمعتقدات والتقاليد والمبادئ والأساطير ) التي تشكل التصور الذي تطوره جماعة معينة عن العالم وإضافة إلى مجموعة الخبرات والأفكار والآراء التي تستند إليها في تقويمها للظواهر المحيطة بها ويسعى هذا النسق للتعبير عن الواقع وتقديم خريطة له وتقديم صورة مرتبة للنظام الاجتماعي القائم والمرغوب فيه بحيث يصبح محوراً لخلق الوعي الجمعي.
    فدراسة الأيديولوجيا السياسية هي دراسة وتحليل لطبيعة ودور هذا النسق من الأفكار والافتراضات والمبادئ السياسية التي تسعى لتقديم إجابات كلية عن الوجود الاجتماعي، وتقدم لمعتنقيها دليلاً للعمل لتحقيقها في الواقع. وبهذا المعنى هي دراسة نشأة و ديناميكية تطور واعتناق وتطبيق والنظريات والأفكار السياسية التي تقدمها أيديولوجيا معينة ويمكن من خلالها تفسير – جزئياً- السلوك السياسي للفاعل الاجتماعي.
    أهمية الدراسة
    وتكتسب هذه الأهمية طابعاً عملياً عندما يكون محور الدراسة هو العولمة التي أصبحت يشار إليها على أنها روح العصر فلو تم اعتبار العولمة كذلك فإنه كما يقول كارل ماركس لا يمكن معرفة أي عصر إلا من خلال فهم وعي هذا العصر لذاته وتمييز هذا الوعي عن بنيته الاجتماعية وآليات عملها فبهذا التمييز وحده يمكن فهم الصيرورة التاريخية لظواهر محددة.
    وعليه يمكن التمييز بين ما يرتبط ب"ظاهرة العولمة" من ظواهر موضوعية من الخطاب المرتبط بها ومحاولة تحديد متضمناته وأصوله الأيديولوجية وهذا التمييز يمثل ضرورة لتجاوز اجترار الجدل المستمر حول مفهوم العولمة وماهيتها والمواقف المتضادة بالشجب والإدانة والرفض أو ضرورة الإذعان لها و التبشير بها.
    هدف الدراسة
    تسعى هذه الدراسة لتحديد العولمة كأيديولجيا من خلال محاولة كشف بعض الأساطير المؤسسة للخطاب الأيديولوجي المرتبط بها وتوظيف نظام الهيمنة القائم لهذه الأساطير.
    مشكلة الدراسة وتساؤلاتها :
    هل يقدم الخطاب السائد حول العولمة رؤية متماسكة يمكن أن تكون أساسًا لأيديولجيا سياسية وما الأساطير التي يستند إليها هذا الخطاب وكيف يقوم بتوظيفها
    مقولة الدراسة:
    وتسعى الدراسة للإجابة على هذا التساؤل لاختبار مقولة مفادها أن أيديولوجيا العولمة تتأسس على عدد من الأساطير التي تتسم بالغموض وعدم التجانس الذي تستغله لإخفاء طابعها الأيديولجي وتحقيق قدر أقبل من القبول لنتائجها النظرية
    منهج الدراسة:
    بالنظر لطبيعة الموضوع تستخدم الدراسة منهج تحليل الخطاب للكشف عن حفريات خطاب العولمة وأسسه الفكرية من أفكار و أساطير وذلك من خلال النقاط التالية:

    أولاً: مفهوم الأسطورة والأيديولجيا
    ثانيا:ً العولمة كأيديولوجيا
    ثالثاً: الأساطير المؤسسة للعولمة
    أولاً مفهوم الأسطورة والأيديولوجيا
    الأيديولوجيا من أكثر المفاهيم السياسية إثارة للجدل والخلاف إن لم تكن أكثرها على الإطلاق ويمكن إرجاع هذا – جزئياً – لسببين:-
    - أن المفهوم يجمع جوانب نظرية وعملية ويطرح إشكالية العلاقة بين الفكر والعقيدة من ناحية والسلوك من ناحية أخرى، وكذلك العلاقة بين المعطيات المادية والإدارة السياسية.
    - لأن تعريف الأيديولوجيا ذاته لم ينجُ من النزاع بين الأيديولوجيات ذاتها في تعريف المفهوم وملامحه وأبعاده وتشابكاته النظرية والعملية، فقد استخدم المفهوم من جانب الأيديولوجيات المختلفة كسلاح في مواجهة خصومها، ونقد أفكارهم، إما باتهامها أنها أيدولوجيات لا صلة لها بالواقع، أو العكس: باتهامها أنها مجرد أفكار متناثرة لا تشكل أيديولوجيا متكاملة صالحة للتطبيق الشامل لتغيير الواقع أو إصلاحه بشكل كلي.
    بدأ استخدام كلمة أيديولوجية إبان الثورة الفرنسية على يد "أنطوان ديستوت دوتراسي" (1754 – 1836م)، واستخدمت لأول مرة بشكل علني عام 1796م، وقد عرف "دوتراسي" الأيدلوجية بأنها علم جديد للأفكار يقوم بتفسير وفهم الأفكار(آثار الوعي بالمعنى العام)، وخصائصها وقوانينها، علاقاتها بالرموز التي تمثلها وخاصة وهذا التعريف هو تعبير حرفي عن الكلمة ،فالشق الأول للكلمة هو مقابل الأفكار idea والثاني مقابل العلم Ology
    وقد كان دوتراسي متأثرًا بالولع السائد (آنذاك) بفكرة العقلانية التي كانت في أوجها مع صعود مذهب الحداثة، ورأى أنه من الممكن (موضوعيًّا) اكتشاف جذور الأفكار ونشأتها الأساسية للعلم ، ثم علاقة هذه الأفكار بالرموز التي تتخذها في المجتمعات، والتي تقوم بوظيفة تقديمها للجمهور فالأيديولوجيا عند دوتراسي "فكر نظري يعتقد أنه يتطور مجرداً عن معطياته الخاصة، لكن في الواقع هو تعبير عن وقائع اجتماعية خاصة الاقتصادية منها، والتي لم يعها من قام بها أو على الأقل لا يدرك أنـها تحدد فكره" وإن "علم الأفكار" هذا يتطور؛ ليأخذ مكانه جنبًا إلى جنب مع العلوم المنضبطة كالأحياء والطب وغيرها،وبما ان كل طرق البحث تتأسس على الأفكار؛ فإن علم الأفكار الجديد هذا سوف يصبح تاج العلوم.
    "في اللحظة التي صاغ فيها Institute National. عام 1706 الكلمة الفرنسية Idéologie، كان لدى دو ترسي و رفاقه ما يدعوهم إلى الأمل في أن ما أنشأوه من "علم للأفكار" كان خليقا بأن يؤدي إلى إصلاحات في المؤسسة الاجتماعية بدءا بعمل إصلاح جذري شامل في قطاع المدارس بفرنسا، ولفترة من الوقت تحقق لجماعة الأيديولوجيين وضع رئيسي فاعل في مجال صنع وتشكيل السياسة بين دوائر الصف الثاني من صفوف المعهد القومي Institute National ولسوء الحظ كان مقدراً عليهم الاصطدام بأهداف نابوليون بونابارت ونواياه الخفية، حيث شرع نابوليون في العمل على إلغاء الجماعة والقضاء عليها، وذلك أثناء العمل على إعادة تنظيم المعهد (1802-1803) فأصدر أوامره باستبعاد عناصر الجماعة بوصفهم أناسا حالمين مغرقين في الخيال بعيدين عن الواقع، وعمل على اضطهادهم والسخرية منهم بمرارة مطلقا عليهم اسم "أصحاب النظريات الواهمة" Idéologues".
    كان نابليون مصيبا في أن ينسب ميلاً راديكالياً هداماً إلى علم الأيديولوجية الذي اخترعه دستوت حيث أشار إلى أن أيديولوجيا "دستوت" تغفل دراسة القوانين المعروفة للقلب الإنساني ودروس التاريخ فهذا العلم يقف ضد الفكرة المثالية عن مفاهيم قبلية سابقة علىالتجربة كما يقف ضط أية إمكانية للحتمية التاريخية، فقراءة "دستوت" لتراث لوك وكوندياك ساقته إلى الاعتقاد كما يقول في كتابه "مبادئ الأيديولوجيا" بأنه لا وجود لأفكار فطرية مادام كل الفكر مستمداً من الإحساس كما أنه " لايوجد شئ بالنسبة لنا إلا بواسطة الأفكار التي نمتلكها عنه لأن أفكارنا هي كينونتنا بأكملها هي وجودنا نفسه" وعليه بدا له أن الطريق الوحيد لتجنب الموقف الارتيابي القائل بأن المعرفة الحقة مستحيلة هو تحليل العملية التي بواسطتها تترجم أذهاننا الأشياء المادية لأشكال مثالية واتخذ هذا المجال طابعاً نظامياً في قسم مجمع فرنسا الذي كان يدرس العلوم الأخلاقية والسياسية وأطلق عليه علم الأفكار.
    وهكذا نشأت الأيديولوجيا كعلم شارح أو كعلم للعلم فقد ذهبت إلى أنها قادرة على تفسير من أين جاءات العلوم الأخرى وعلى تقديم سلسلة أنساب علية للفكر ويؤكد هذا العلم على الحركة والعملية التي خلالها يتفاعل البشر مع محيطهم المادي وبذلك رأى "دستوت" أن "الأيدبولوجيا" تحقق فتحاً فلسفياً خطيراً بتجاوزها التضادات القديمة بين المادة والروح وبين الشياء والمفاهيم لذلك كان منساقاً للسير في اتجاهين متعاكسين نحو تصور مثالي للنزعة الخطأ وتصور إمبريقي للحقيقة (الصدق)
    وبالرغم من هذا التقدير للأفكار عند نشأة استخدام مصطلح الأيديولوجيا وعلو الآمال التي كانت معقودة عليه، فإن هذا الفهم والتصور للأيدولوجيا يختلف عن تعريفاتها وتصوراتها اللاحقة وما آلت إليه.
    يعتبر البعض ماركس هو مَنْ أعطى لكلمة أيديولوجية الأهمية التي تكتسيها اليوم في كل ميادين البحث ، فهو المفكر الذي أحيا –بظهور كتابه "الأيديولوجيا الألمانية"- استخدام هذا التعبير الذي امتد إلى وقتنا هذا فكان ماركس يعرف "الأيديولوجي" (في مقابل الوقائع الاقتصادية)، باعتباره "ما هو تمثل أو اعتقاد، نظام فلسفي أو ديني" وتبنى "المنحى النابوليوني في استعمال مصطلح "الأيديولوجيا" بما في ذلك من تلميحات الازدراء والاستخفاف، فقد أصبح مفهوم الأيديولوجيا معه يعني "الوعي الزائف" الذي يتحكم في إنتاجه الموقع الطبقي للأطراف الاجتماعية فحقيقة العلاقات الاجتماعية تظهر لهم مشوهة بسبب مصالحهم، وبصفة عامة بسبب وضعهم داخل نظام الإنتاج.
    وطبقا لما يقول به ماركس، فإن كل أيديولوجيا تحتوي على معتقدات توجه سلوك الآخذين بها، وأن كل طبقة اجتماعية معتنقة لأيديولوجيا من الأيديولوجيات، إنما تفعل ذلك لأن الأيديولوجيا التي تعتنقها تناسب أو تلائم منظومة معينة، وإن تكن مؤقتة، من النظم الاقتصادية"، وقد استخدم ماركس الأيديولوجيا "في أغلب الأحيان كوصف، فهو يتحدث عن: الأيديولوجيا الألمانية، أو أيديولوجيا الجمهور، أو الموقف الأيديولوجي، أو الأيديولوجيا البرجوازية .. ولكنه لم يحدد أو يقدم تعريفا للأيديولوجيا باستثناء أن الأيديولوجيا هي مكونات البناء الفوقي، وهي الوعي الزائف الناتج من التكوين الطبقي للمجتمع، والذي يؤدي إلى ستر التناقضات الطبقية وبالتالي يساعد على إمكانية استمرار وضع الاستغلال..ومن ثم اعتبرت الإيديولوجيا طريقة لإخفاء الواقع الاجتماعي، بل أكثر من ذلك فهي -أي الإيديولوجيا- تحاول تقديم عالم مزيف ومغشوش، وفرض وجهة نظر للطبقة المهيمنة على الطبقة الأضعف.
    لكن ريكور، في كتاب “الإيديولوجيا واليوتوبيا” يدعو إلى قراءة أكثر من ماركس: هناك ماركس الشاب، الإنساني، كما عبرت عنه كتبه "مخطوطات في الاقتصاد والسياسة سنة 1844م"، و"الإيديولوجيا الألمانية"، ثم ماركس الكهل، والكلاسيكي، كما قدمه "رأس المال". ولقد كانت البنيات الاقتصادية للمجتمع هي الهم الأساس لماركس وعندما تناول ماركس الشاب مفهوم الإيديولوجيا، انتقد المثالية التي تقول باستقلالية الأفكار ومفارقتها للواقع، وارتباطها بتطور العمل الجماعي. أما في أعمال ماركس الكهل، تتخذ الإيديولوجيا مصدراً للنقد الاجتماعي الوضعي، كما هو شأن البنيوية الماركسية للويس التوسير. ويؤكد ريكور على أن وظيفة الإيديولوجيا: أولاً: تزييف الواقع، ثانياً: مشروعية السلطة، وثالثاً: الإدماج الاجتماعي.
    .. وبالنسبة لماركس فـ" إن الماركسية وهي تنتقد الأيديولوجيا البرجوازية، والمثالية الألمانية.. وتتبنى هموم الطبقة البروليتارية والشغيلة، وتقدم نفسها في ذلك كله كـ"علم".
    هذا التمييز تبلور عند مع كارل مانـهايم الذي "يعتبر تفسيره للوعي الأيديولوجي حتى الآن هو السائد في الغرب حيث عالج مسألة العلاقة بين الأيديولوجيا والمجتمع، والأيديولوجيا والعلم، خاصة في كتابيه، سوسيولوجيا المعرفة 1927، والأيديولوجيا والأوتوبيا 1929، فـالعلم بالنسبة لمانـهايم موضوعي، لأنه حيادي وبعيد عن العاطفة، بينما تبقى الأيديولوجيا لتحيزها ولطابعها الطبقي ذاتية ومشوهة للعلم الحقيقي حول الواقع تتميز عن العلم من حيث إن الوظيفة العملية للإيديولوجيا كمنظومة من التمثلات تتغلب على الوظيفة النظرية (أو وظيفة المعرفة).
    وبصورة مشابهة يرى التوسير أن العلم نقيض الأيديولوجيا، وأن المعرفة تبدأ بالأيديولوجيا، ويتعين تخليصها منها وإحلال العلم محل الأيديولوجيا، وهو ما يسميه بالانقطاع المعرفي. وهو في هذا يختلف مع كل من ماركس وجرامشي. فمن زاوية ماركس: لا يحل العلم محل الأيديولوجيا، ولكنه يكشفها فقط، وإن تغير الواقع هو الذي يقضي عليها ومن زاوية غرامشي، فإن فكرة الانقطاع المعرفي تتناقض مع فكرة التحليل والتركيب في تكوين الأيديولوجيا.
    كما يرفض ريكور هذه الثنائية الصارمة الحدود التي تقوم على للنظر للعلم كمعرفة موضوعية، تخضع للمراقبة والملاحظة دون تداخل ذاتي بما يؤدي إلى تصور خالص للحقيقي، وخطاب أحادي ينتهي إلى حقيقة مطلقة سعى ريكور إلى تجنبه من خلال إدراك أن نتئج الأبحاث العلمية أقل شمولية ومفعمة بالنظرة التاريخانية، ويسعى ريكور إلى تقديم رؤية أكثر رحابة تجعل من العلم والفلسفة طريقاً لتمثل الواقع وفهمه.
    وإذا كان العلم ينجح في تجاوز أخطائه ويقدم للإنسان إمكانية لتنظيم حوادث الطبيعة في وعيه، وفهمها في نظام سببي يجعلها قابلة للتمثل المنظم فإن الأيديولوجيا تفعل ذلك أيضا: إنـها تعطي الإنسان قدرة على تأويل العلاقات الاجتماعية وتنظيم وعيه بحوادثها، بل وتنظيمها بمقتضى منطق أو قاعدة أو مبدأ أو قيمة يتواضع عليها الناس، ويحصل الاجتماع بينهم على اعتمادها. وهنا لا تقل الوظيفة الاجتماعية للأيديولوجيا عن الوظيفة المعرفية للعلم.
    استمرت رؤية الأيديولوجيا على أنها الوعي الطبقي عند لوكاتش في كتابه "التاريخ والوعي الطبقي" والوعي الطبقي نتاج البناء الفوقي ومساو له، وبالتالي فإن لكل طبقة أيديولوجيا لكنه أعطى للوعي الطبقي أو الأيديولوجيا دوراً في التأثير على القاعدة الاقتصادية، أي رفض اعتبارها نتاجاً جانبياً غير مؤثر في القاعدة ويرى أن الوعي الحقيقي غير الوعي المحتمل، وأنه هو الذي يعبر عن الدور التاريخي للطبقة. ، هي باختصار "وعي وإدراك الملموس، سواء كان ذلك في ميدان الفلسفة أو العلم أو المنطق".
    لقد أعطى غرامشي الأيديولوجيا والبناء الفوقي استقلالية وقدرة على التأثير على البناء التحتي الذي كانت الأيديولوجيا عنده "تساوي الفلسفة وتساوي النظرة الكونية الشاملة، وتساوي السياسة، أي مجمل الأفكار التي تحرك مجتمعا ما، أو تكون أساساً لوجوده وحركته. وهي لا تشمل فقط النظريات والأفكار العامة، بل تشمل كذلك كل أنساق القيم والمعتقدات ، واعتبر الأيديولوجيا بناء مكوناً من العديد من العناصر المتناسقة المشدودة بعضها إلى بعض في وحدة بنائية واحدة تتمحور حول عنصر أيديولوجي طبقي .
    لا تعبر الأيديولوجيا عند المفكر الفرنسي التوسير عن العلاقة بين الناس وظروف وجودهم، ولكنها تعبر عن الطريقة التي يعيشون بها العلاقة بينهم وبين ظروف وجودهم. وبالتالي لا يشترط أن يكون التعبير صحيحا أو زائفا أو مشوّها. ولكنه خليط من كل ذلك. وأن لها وجوداً مادياً وتتجسد في مؤسسات وأجهزة أسماها أجهزة الدولة الأيديولوجية.
    وفي هذا الإطار عمل ألتوسير (Althusser) على التمييز بين الأيديولوجيا الكلية والأيديولوجيات الجزئية؛ فالأولى أقرب ما تكون إلى الثقافة أي الإطار الاعتقادي أو الفكري العام المؤطر للمجتمع. أما الثانية فتعني الأيديولوجيا الطبقية، أو الجزئية العاملة في المجال السياسي والثقافي. فالمفهوم العام للأيديولوجيا بوصفها ثقافة يماثل ما يدعوه دوركايم باسم: (الوعي الجماعي) ( La conscience collective)لأيديولوجيا ظاهرة كلية تتعلق بمستويات الوجود الاجتماعي كافة: المستوى الاجتماعي، والمستوى السياسي، والمستوى السيكولوجي، والمستوى المنطقي، بحيث إن السوسيولوجي يمكنه أن يكشف عن الوظيفة الإدماجية للأيديولوجيا،وعالم السياسة بمقدوره أن يحلل الوظائف الأساسية للأيديولوجيا بوصفها مصدرًا للمشروعية وإطارًا مرجعيًا للعمل السياسي، وعالم النفس يمكنه أن يحلل وظائفها السيكولوجية لدى الفرد وارتباطها باستعاراته السيكولوجية الخاصة، أما المنطقي فبوسعه أن يحلل آليات التفكير الأيديولوجيا في كل هذه المستويات الأساسية.
    أما عالم الاجتماع كارل مانهايهم فيعتبر الأيديولوجيا حصيلة الأفكار والآراء والتصورات المحافظة التي تؤيد الطبقة الاجتماعية المسيطرة في المجتمع، وتساند مصالحها فهي منظومة (ذات منطق خاص ونظام داخلي خاص) من التمثلات (صور - أساطير - أفكار أو مفاهيم حسب الحالات) المتمتعة بنوع من الوجود، وبدور تاريخي في مجتمع محدد.وبهذا الفهم تكون الأيديولوجيا تأويلات للوضعية، لكنها ليست نتاج تجارب ملموسة، بل هي نوع من المعرفة المشوهة لهذه التجارب، التي تستهدف طمس معالم الوضعية الحقيقية، والتي تؤثر على الفرد كضغط خارجي"
    عليه يمكن تمييز المفهوم الجزئي والخاص (الجدالي) للإيديولوجيا، عن مفهومها الشمولي والعام (البنيوي). فالأول يتضمن بوعي الأنانية العادية في الحياة السياسية: الإيديولوجيا هي الفكر السياسي للآخر. وهو بالإضافة إلى ذلك يظل في المستوى النفسي، ويعني إما التضليل المقصود، أو الخطأ الراجع إلى “وضعية طبقية”. وبالنسبة للمفهوم الكلي (البنيوي) فإن الأدلجة عملية عامة تطبع كل أشكال الفكر الملتزم، وهو ما يفسر أن الفئة التي تحمل الوعي الصحيح، بالنسبة لمانهايم، ليست هي البروليتاريا المنخرطة في الحركة التاريخية، بل هي فئة المثقفين الخالية من الارتباطات.المقولة المركزية في هذا المفهوم الكلي والعام ليست إذن هي التضليل المقصود أو الخطأ، بل هي تحول الجهاز المفهومي للفكر من خلال منظور خاص.
    وتنقسم الأيديولوجيا عندمانهايم إلى "تعبير أيديولوجي "انفصالي انعزالي"، وآخر "جماعي"، يأخذ الإنسان بالنوع الأول عندما تنظر فئة اجتماعية معينة إلى "الأفكار" و"التصورات" المعينة للخصم على أنـها تصورات تشوه الواقع بصورة واضحة (بالكذب والتحريف والخداع..). أما تعبير الأيديولوجيا الجماعي" فيتم استعماله لوصف "الهيكل الفكري الجماعي الكامل" لفئة اجتماعية أو لمرحلة كاملة على أنـها مشوهة، أما النظريات الاجتماعية للفئات الاجتماعية المعارضة أو المضطهدة، فإن مانـهايم يصفها على أنـها يوتوبيا.
    ويعرف مانـهايم اليوتوبيا على أنـها نوع من التفكير يتمحور حول تمثل المستقبل واستحضاره بكيفية مستمرة. وعرف الأديولوجيا بأنـها التفكير الذي يهدف إلى استمرار الحاضر ونفي بذور التغيير الموجودة فيه.." يربط مانهايم الإيديولوجيا واليوتوبيا بالوعي الخاطئ. إذ أن كليهما “متعاليان على الكائن الاجتماعي”. فالإيديولوجيا، من حيث إنها متجهة صوب الماضي، ستكون وظيفتها هي الحفاظ على الوضع الاجتماعي، في حين أن اليوتوبيا، وهي مشرئبة نحو المستقبل هي عامل ثوري.
    إن الشكل الأول لليوتوبيا يتجاهل التاريخ، في حين يتدخل الشكل الثاني فيه بقوة في إطار هذا الاستعمال الثاني سيقترب مفهوم اليوتوبيا بالأحرى من مفهوم الأسطورة الاجتماعية.
    يرى مانـهايم أن الأيديولوجيا في حقيقتها تعبير يستخدم لاتهام المعارضين من وجهة نظر طرف يعتبر أن أفكاره تعبر عن الحقيقة المطلقة التي لا تتأثر بموقع معين في المجتمع، أو بمرحلة تاريخية معينة، ويرى أن الماركسية ينطبق عليها القول نفسه، وأن ماركس لم يصل إلى نـهاية المنطقية التي يتعين أن يوصله إليها تفكيره بحكم وضعه الاجتماعي وانحيازه الاجتماعي.. ،ولهذا سعى مانـهايم إلى "تخليص المعرفة من الفكر الأيديولوجي ليترك مكانه لعلم اجتماع المعرفة الذي يعترف بالتأثير الحضاري والاجتماعي في نشوء المعرفة" . سعى مانـهايم إلى "استبدال "العقيدة الأيديولوجية" بما يسمى بسوسيولوجيا المعرفة لاعتقاده أنـها تقدم حلا لمسألة نسبية المعرفة الاجتماعية، كما أنـها تنفي التحليل المتحيز "الوحيد الجانب".
    فالمفهوم الكلي للأيديولوجيا عند مانهايم يقصد به أيديولوجيا عصر معين، أو جماعة تاريخية معينة، حيث تتجلى لنا مميزات البنية الكلية للفكر في ذلك العصر أو عند تلك الجماعة"
    وهكذا فإن تعريفات الأيديولوجيا قد تصل أحياناً إلى حد كبير من العمومية فقد عرفت على أنها "نسق من أفكار عن العالم الاجتماعي تضرب بجذور عميقة في مجموعة محددة من القيم والمصالح لكن الأيديولوجيا لا تضرب بجذورها في الواقع الاجتماعي فحسب بل وفي تطلعات الأفراد".
    في حين يعرف البعض الأيديولجيا كقناع أو كتعارض مع العلمية أو حتى كرؤية للكون cosmology والقاسم المشترك بين هذه التعريفات أنها تطرح علاقة مركبة بين الواقع والأيديولوجيا فهي تعكسه وتحاول تسويغه أيضاً والواقع ليس مجرد واقع مادي بل واقع اجتماعي نفسي روحي وهو واقع إلى جانب تطلعات وآمال
    فالأيديولوجيا نسق من المعتقدات والمفاهيم (واقعية ومعيارية) يسعى إلى تفسير ظواهر اجتماعية معقدة من خلال منطق يوجه ويبسط الاختيارات السياسية / الاجتماعية للأفراد والجماعات فهي نظام الأفكار المتداخلة (كالمعتقدات والتقاليد والمبادئ والأساطير ) التي تؤمن بها جماعة معينة أو مجتمع ما وتعكس مصالحها واهتماماتها الاجتماعية والأخلاقية والدينية والسياسية والاقتصادية وتبررها في نفس الوقت فالأيديولوجيا تتضمن نظرة الإنسان للأشياء المحيطة به والتصور الذي يطوره عن العالم وهي في الوقت نفسه تشير إلى مجموعة الخبرات والأفكار والآراء التي يستند إليها في تقويمه للظواهر المحيطة به.
    الأيديولوجيا نسق من الفكار والقيم مثقل بالمشاعر مشبع بالأساطير مرتبط بالممارسة يتناول الإنسان والمجتمع ، والشرعية والسلطة، ويتبنى الإنسان هذا النسق بشكل روتيني ويتأكد ويتوطد بحكم العادة ويتم نقل هذه الساطير والقيم بطريقة مبسطة وكفء من خلال الرمز والصور والاعتقادات اليديولوجية المتماسكة مع نفسها إلى حد ما وتتسم بدرجة من الوضوح كما أنها متفتحة على الأمثلة والمعلومات الجديدة والأيديولوجيات لديها إمكانية كبيرة لتسيير الجماهير
    إن الأيديولوجيا تقوم بدور الوسيط لأنها نسق رمزي يستخدم كنموذج لأنساق أخرى اجتماعية ونفسية ورمزية وهي قد تشوه الواقع أو تخطئه، لكنها تشويه يعكس حقائق معينة ويطمس أخرى لتوصيل رسالة معينة للمؤمنين بها فقدرة الأيديولوجيا هي في قدرتها على الإحاطة بالحقائق الاجتماعية وصياغتها صياغة جديدة، فالأيديولجية لا تستبعد عناصر معينة من الواقع بقدر ما تسعى لتقيم نسق يضم عناصر نفسية واجتماعية ودينية... مماثل للواقع الذي تدعو إليه الأيديولوجية. إن السؤال الذي تثيره الأيديولوجيا هو مدى فعاليتها في رسم صورة للواقع الاجتماعي وتقديم خريطة له وأن تكون محوراً لخلق الوعي الجمعي.
    إن استخدام مفهوم الأيديولوجية كأداة تحليلية يتطلب تعدد مستويات البحث بوصف منطقها الداخلي وحتى ادعاءتها عن نفسها وسماتها الأساسية كجانب معبر عن الواقع، وأيضاً كبرنامج سياسي يحاول أن يغير الواقع لحساب رؤية جديدة ومصالح محددة وعلى كلا المستويين يقدم مفهوم السطورة أداة تحليلية هامة لفهم غدعاءات الأيديولجيا عن نفسها واستكشاف طبيعة المصالح التي تكمن وراءها
    الأيديولوجيا والأسطورة
    تأثر مفهوم الأسطورة برؤية الحداثة الأوروبية التي اعتبرت مساحة الأساطير مساحة غير واقعية ولا عقلانية، وربطت الأسطورة بالدين والخرافة في ثلاثية تعكس -في نظرها- أسباب التخلف وتناقض العلم، وقصرت العقل على الإحاطة بالواقع ومنهج التجريب وما يدعيه من الضبط والموضوعية لذلك ترادف معنى الأسطورة والخرافة في الأذهان، بداية من كبار الأدباء العرب من أمثال (أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ) في كتاب الحيوان،حتى عالم النفس الأشهر (كارل غوستاف يونغ) الذي لم يفرق ما بين الأسطورة والخرافة .
    استمر تخبّط كثير من النقّاد والباحثين في تعريف الأسطورة باعتبار أنها ترتبط بمفاهيم أخرى من خرافة وفلكلور وتاريخ وأعراف وتقاليد ومعتقدات روحية واعتبر بعضهم الأسطورة مزيج من كل تلك المصطلحات بحيث يمكن تعريفها بأنها حكاية غير واقعية سادت في المجتمعات البدائية والتقليدية وهي تفسّر بعض مظاهر الطبيعة والكون والمشكلات التي تعترض طريق هذا الفرد دون أن يجد لها تفسيراً مباشراً ويقول ( مالينوفسكي ) في كتابه السحر والعلم والإيمان : الأسطورة في المجتمعات البدائية ليست مجرد قصة محكية بل هي واقع معاش وتهدف إلى تقوية العقيدة ووضع قوانينها وحماية الأخلاق وهي قصة نشطة ليست تافهة كما أنها ليست تفسيراً ذهنياً أو خيالاً فنياً بل هي عقد براجماتي للإيمان البدائي والحكمة الأخلاقية .
    فالأسطورة وفق هذا الفهم قصة شعبية غير واقعية تتسم بأفكار تفسر حقيقة الظواهر المختلفة في حياة الإنسان لذا فهي تفسير ذهني وخيال جامح وهي إذا كانت مستمرة حتى في عصر التكنولوجيا والعلم وثورة المعلومات فإن هذا تعبير عن حاجة الإنسان إلى استخدام خياله في تفسير الظواهر التي يعجز العلم عن تفسيرها مما يؤدي به إلى تفكير بدائي خارج عن نطاق الواقع بالإضافة إلى حاجته النفسية إلى تحليل مشكلاته وكشف أسرارها بهذه الطريقة فهي مساحة اللاوعي واللاعقلانية في الفكر المعاصر.
    يقول فيكو : الشاعر وصانع الأسطورة يعيشان في عالم واحد ولديهما موهبة واحدة وهي قوة التشخيص ولابدّ لهما من إعطاء الأشياء حياة داخلية وشكلاً إنسانياً ورأى فيكو وبعض النقّاد أن الأسطورة عنصر متمّم للحقائق التاريخية والعلمية.
    إلا أنه من الملاحظ أن كل حضارة تبدع قصصا كبرى _ أساطيرها - لتقدم من خلالها مفاهيمها الأساسية، ولتصوغ من خلالها رؤى تفسر الكون والاجتماع الإنساني، ولا تكاد تخلو حضارة من أساطير بارزة تشتهر بها وتميزها عن غيرها، وقد تكون هذه الأساطير خيالية بدرجة كبيرة، ولا ترتبط بالواقع الثقافي برابطة مباشرة، لكنها أيضًا قد تستند لبعض الوقائع التاريخية، وتتضمن بعض الأسماء والأمكنة والأحداث الحقيقية، ثم تنسج حولها قصصا لا صلة لها بالواقع، وذلك على خلاف بين الثقافات؛ فأساطير اليونان يغلب عليها الطابع الوثني الخيالي، في حين أن هناك أساطير عربية، مثل السيرة الهلالية يختلط فيها الواقع بالخيال والحكي بالخرافة.
    وقد عاد علم الاجتماع الغربي لايهتم بالأسطورة باعتبارها أداة لفهم الوجود والتاريخ -بل والواقع أيضا- وتفسيره عبر نسق أفكار جماعية في ثقافة ما، فيرى بيرك أنها ليست نقيض علم التاريخ بل هي قصص تاريخية كبرى لها وظيفة تفسيرية مهمة، ودور محوري في دعم الرابطة الاجتماعية وتفسير علاقات السلطة، وأنها تعبير عن اللاوعي الجماعي، هذا اللاوعي ليس مناقضًا للعقلانية بالضرورة، بل هو مساحة من مساحات العقل الإنساني.
    بل وذهب بعضهم لاستخدام المفهوم ذاته في مواجهة بعض المسلمات في الدوائر العلمية ذاتها، وتوسيع دلالات مفهوم الأسطورة لتشمل مسلمات الأنساق الفكرية القائمة مثل العلمانية والليبرالية ونزعة تبني العلم كعقيدة "العلموية" فقد رأى برتراند راسل مبكراً أن النسق الفلسفي لليبرالية كان هو النسق الديني معكوسًا: ففي مقابل الله كمطلق تمّ وضع الدولة القومية، أي أن نسقا ثقافيا حلّ محل النسق الثقافي ما قبل الحداثي، كما يضع "شادويك" في تأريخه للفكر الغربي الاستناري فكرة العقد الاجتماعي التي كتب عنها هوبز وروسو ضمن الأساطير الليبرالية الكبرى النافعة التي دعمت حقوق الشعوب بل وأسست الرابطة السياسية على الاختيار الحر العقلاني. ويذهب "فايتس" في دراسته لمفاهيم العلوم الإنسانية إلى أن الزعم بأن المفاهيم الاجتماعية والإنسانية يمكن ضبطها، مثل المفاهيم العلمية للعلوم الطبيعية هو في حد ذاته "أسطورة"، بل وذهب عالم الاجتماع الديني "جوزيه كازانوفا" إلى حد وصف مفهوم العلمانية بأنها "أسطورة" الحداثة.
    وقد شهد الانتقال من القرن العشرين إلى القرن الحادي والعشرين صناعة أساطير سياسية كبرى جديدة على يد النخب الثقافية تواكب هذا الانتقال، وهذا ليس بالمستغرب؛ فالأساطير تنبعث دومًا من رحم التاريخ، وتصاغ من وطأة ملابسات الواقع.
    ومع إعادة إحياء الأساطير الليبرالية ومعسكر الحرية والخير والهيمنة الخيرة جرت عملية تسليح وعسكرة حقيقية موازية في الواقع السياسي والدولي بهدف الحفاظ على هذه الأساطير والدفاع عن مصالح من أحيوها، وصاغوا أساطير فرعية جديدة مضافة لها.
    والغريب أن نهاية قرن التقدم العلمي والتقني شهدت التعايش والتمحور حول أساطير سياسية كبرى صيغت بعناية، وتم الترويج لها بأحدث الأساليب وأمكر الخطط؛ بحيث يمكن التساؤل: كيف قدر للتقدم التكنولوجي والعلمي أن يدعم لأساطير السياسية الكبرى؟ ومن وجهة نظر أحد الباحثين فإن صنع الأسطورة السياسية الحديثة يشبه إلى حد كبير الطريقة التي يصنع بها السلاح الحديث كالرشاشات والطائرات، ومن هنا فليس بالغريب أن تتزامن إعادة التسليح الحقيقية مع إعادة صنع الأساطير وإحيائها.
    ويرى أرنست كاسيرر أن إعادة تصنيع الأساطير السياسية الكبرى تتطلب إحداث تغيير كبير في مهمة اللغة؛ بحيث يصبح للكلمة بُعد سحري يتجاوز بُعدها الدلالي، أو بصورة أدق: يصبح للكلمة مهمة قيمية تتجاوز وصف الأشياء والعلاقات بينها، بل تتعداها في سعيها إلى إحداث أثر سحري فيمن يخاطبهم صناع الأسطورة لتضفي شرعية على الأسطورة، فصناع الأسطورة الجديدة لا يهدفون إلى إقناع جمهورهم، بل إلى إخضاعهم بسلطة الأسطورة، من لم يخضع فهو عاص ومن وجهة نظر المفكر الفرنسي "ريجيس دوبريه" في نقده للعقل السياسي؛ فإنه لا شيء يشبه الساحر إلا السياسي المعاصر فهو كاهن جديد لأسطورة جديدة وعليه أن يحافظ على مكره السياسي الشديد ليضمن نجاح أسطورته السياسية الجديدة.
    ومن هنا يأتي الاهتمام بالأسطورة باعتبارها أداة لفهم الوجود والتاريخ -بل والواقع أيضا- وتفسيره عبر نسق أفكار جماعية في ثقافة ما، فيرى بيرك أنها ليست نقيض علم التاريخ بل هي قصص تاريخية كبرى لها وظيفة تفسيرية مهمة فهي تعبر عن الرؤى المهيمنة في نسق فكري معين تشكله بصورته المحددة في مرحلته التاريخية فهي الأفكار الحاكمة والمتحكمة في نسق فكري ما لفترة طويلة فلا تتعرض للمراجعة أو النقد والتمحيص.
    ويشير لازويل وهلمبرج إلى أهمية الساطير السائدة في المجتمع وما تشكله من إطار مرجعي لتصرفات الفراد الذين يتصرفون في كل عملية اجتماعية وفق الإطار المرجعي للأسطورة ويقومون بتصنيف الحداث الشخصية وتشكيل منظورهم حسب"
    - رموز الهوية (أنا – نحن – أنتم – هم )
    - رموز المطالب (قيم التفصيل والاختيار )
    - رموز التوقعات (أحداث الماض والحاضر والمستقبل)
    - فالأسطورة توضح بجلاء الهدف وتطرح نظرة شاملة للاتجاه وتصوغ افتراضات حول العوامل الساسية ومشروعات المستقبل المتوقع حدوثها وتتكون الأسطورة من ثلاثة عناصر رئيسية:-
    • تعبيرات لمذهبDoctrine أو فلسفة وهي مقولات statements على مستوى عال من التجريد
    • تعبيرات لصيغة معينة Formula بشأن النظام العام والنظام المدني
    • التصورات الشعبية للماضي والحاضر والمستقبل












    العولمة كأيديولوجيا
    الأصل اللغوي للعولمة هو ثلاثي مزيد، يقال: عولمة على وزن قولبة،وكلمة "العولمة " نسبة إلى العَالم -بفتح العين- أي الكون، وليس إلى العِلم -بكسر العين- والعالم جمع لا مفرد له كالجيش والنفر، وهو مشتق من العلامة على ما قيل، وقيل: مشتق من العِلم، وذلك على تفصيل مذكور في كتب اللغة. فالعولمة كالرباعي في الشكل فهو يشبه (دحرجة) المصدر، لكن (دحرجة) رباعي منقول، أمّا (عولمة) فرباعي مخترع إن صح التعبير وهذه الكلمة بهذه الصيغة الصرفية لم ترد في كلام العرب،والحاجة المعاصرة قد تفرض استعمالها، وهي تدل على تحويل الشيء إلى وضعية أخرى ومعناها: وضع الشيء على مستوى العالم وأصبحت الكلمة دارجة على ألسنة الكتاب والمفكرين في أنحاء الوطن العربي . ويرى الدكتور أحمد صدقي الدجاني أن العولمة مشتقة من الفعل عولم على صيغة فوعل واستخدام هذا الاشتقاق يفيد أن الفعل يحتاج لوجود فاعل يفعل، أي أنّ العولمة تحتاج لمن يعممها على العالم .
    وقد قرر مجمع اللغة العربية بالقاهرةإجازة استعمال العولمة بمعنى جعل الشيء عالمياً. والعولمة ترجمة لكلمة Mondialisation الفرنسية، بمعنى جعل الشيء على مستوى عالمي، والكلمة الفرنسية المذكورة إنّما هي ترجمة“Globalisation” الإنجليزية التي ظهرت أولاً في الولايات المتحدة الأمريكية، بمعنى تعميم الشيء وتوسيع دائرته ليشمل الكل. فهي إذا مصطلح يعني جعل العالم عالمًا واحدًا، موجهًا توجيهًا واحدًا في إطار حضارة واحدة، ولذلك قد تسمى الكونية أو الكوكبة. ومن خلال المعنى اللغوي يمكننا أن نقول بأنّ العولمة إذا صدرت من بلد أو جماعة فإنها تعني: تعميم نمط من الأنماط التي تخص ذلك البلد أو تلك الجماعة، وجعله يشمل الجميع أي العالم كله. جاء في المعجم العالم الجديد ويبستر” WEBSTER “ أنّ العولمة “Globalisation” هي: إكسابُ الشيء طابعَ العالمية،وبخاصة جعل نطاق الشيء، أو تطبيقه،عالمياً.
    وإلى جانب هذه التعريفات توجد تعريفات عدية للعلومة منها:-
    * يقول جيمس روزانو أحد علماء السياسة الأمريكيين عن العولـمة: "إنّها العلاقة بين مستويات متعددة لتحليل الاقتصاد والسياسة والثقافة والأيديولوجيا، وتشمل: إعادة الإنتاج، وتداخل الصناعات عبر الحدود وانتشار أسواق التمويل، وتماثل السلع المستهلكة لمختلف الدول نتيجة الصراع بين المجموعات المهاجرة والمجموعات المقيمة".
    * الكاتب الأمريكي الشهير ـ وليم جريدرـ في كتابه الصادر عام 1977م بعنوان( عالم واحد..مستعدون أم لا), وصف العولمة "بأنها آلة عجيبة نتجت عن الثورة الصناعية والتجارية العالمية, وأنّها قادرة علي الحصاد وعلي التدمير, وأنّها تنطلق متجاهلة الحدود الدولية المعروفة, وبقدر ما هي منعشة، فهي مخيفة. فلا يوجد من يمسك بدفة قيادتها، ومن ثمّ لا يمكن التحكم في سرعتها ولا في اتجاهاتها ".
    * " نظام عالمي جديد يقوم على العقل الإلكتروني، والثورة المعلوماتية القائمة على المعلومات والإبداع التقني غير المحدود، دون اعتبار للأنظمة والحضارات والثقافات والقيم، والحدود الجغرافية والسياسية القائمة في العالم".
    * "إنها حرية حركة السلع والخدمات والأيدي العاملة ورأس المال والمعلومات عبر الحدود الوطنية والإقليمية".
    * العولمة هي: " العملية التي يتم بمقتضاها إلغاء الحواجز بين الدول والشعوب، والتي تنتقل فيها المجتمعات من حالة الفرقة والتجزئة إلى حالة الاقتراب والتوحد، ومن حالة الصراع إلى حالة التوافق، ومن حالة التباين والتمايز إلى حالة التجانس والتماثل، وهنا يتشكل وعي عالمي وقيم موحدة تقوم على مواثيق إنسانية عامة".
    "هي تعاظم شيوع نمط الحياة الاستهلاكي الغربي، وتعاظم آليات فرضه سياسياً واقتصادياً وإعلامياً وعسكرياً، بعد التداعيات العالمية التي نجمت عن انهيار الاتحاد السوفيتي وسقوط المعسكر الشرقي" أو هي "محاولة لفرض الفلسفة البراجماتية النفعية المادية العلمانية، وما يتصل بها من قيم وقوانين ومبادئ وتصورات على سكان العالم أجمع".
    هي" العمل على تعميم نمط حضاري يخص بلداً بعينه هو الولايات المتحدة الأمريكية بالذات على بلدان العالم أجمع" وهي أيضاً أيديولوجياً تعبر بصورة مباشرة عن إرادة الهيمنة على العالم وأمركته". أي محاولة الولايات المتحدة إعادة تشكيل العالم وفق مصالحها الاقتصادية والسياسية، ويتركز أساسا على عمليتي تحليل وتركيب للكيانات السياسية العالمية، وإعادة صياغتها سياسيا واقتصاديا وثقافيا وبشريا، وبالطريقة التي تستجيب للمصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية.
    * العولمة : منظومةً من المبادئ السياسية والاقتصادية، ومن المفاهيم الاجتماعية والثقافية، ومن الأنظمة الإعلامية والمعلوماتية، ومن أنماط السلوك ومناهج الحياة، يُراد بها إكراه العالم كلِّه على الاندماج فيها، وتبنّيها، والعمل بها، والعيش في إطارها.
    وقد يسعى البعض لاستخدام مفهوم العولمة كمفهوم بشير لأداة تحليلية لوصف عمليات التغيير في مجالات مختلفة والتي تتضمن عملية مستمرة يمكن ملاحظتها باستخدام مؤشرات كمية وكيفية في مجالات السياسة والاقتصاد والثقافة والاتصال حبث يقيم مفهوم العولمة علاقة بين مستويات متعددة للتحليل : الاقتصاد ، السياسة ، الثقافة ،الأيدلوجيا ، ويشمل إعادة الإنتاج ، تداخل الصناعات عبر الحدود ، انتشار أسواق التمويل ، تماثل السلع المستهلكة لمختلف الدول ، نتائج الصراع بين المجموعات المهاجرة والمجموعات المقيمة " وثمة ثلاث عمليات تكشف عن جوهرهالعولمة: العملية الأولى تتعلق بانتشار المعلومات بحيث تصبح مشاعة لدى جميع الناس ، والعملية الثانية تتعلق بتذويب الحدود بين الدول ، والعملية الثالثة هي زيادة معدلات التشابه بين الجماعات والمجتمعات والمؤسسات . وكل هذه العمليات قد تؤدي إلى نتائج سلبية بالنسبة إلى بعض المجتمعات ، وإلى نتائج إيجابية بالنسبة إلى بعضها الآخر .
    فجوهر عملية العولمة من وجهة النظر هذه يتمثل في سهولة حركة الناس والمعلومات والسلع بين الدول على النطاق الكوني . والمواد والنشاطات التي تنتشر عبر الحدود و يمكن تقسيمها إلى فئات ست : بضائع وخدمات ، أفراد ، أفكار ومعلومات ، نقود ، مؤسسات ، أشكال من السلوك والتطبيقات.
    أما كيف تحدث العولمة ؟ وبعبارة أخرى ، بأي الطرق أو من خلال أي قنوات يتم انتشار السلع والخدمات والأفراد والأفكار والمعلومات والنقود والرموز والاتجاهات وأشكال السلوك عبر الحدود ؟ ففي في رأي روزناو ، تتم عملية الانتشار من خلال أربع طرق متداخلة ومترابطة :
    1- من خلال التفاعل الحواري الثنائي الاتجاه عن طريق تقانة الاتصال .
    2- الاتصال المونولوجي أحادي الاتجاه من خلال الطبقة المتوسطة . 3- من خلال المنافسة والمحاكاة .
    4- من خلال تماثل المؤسسات .
    ويربط آخرون العولمة بوصول نمط الإنتاج الرأسمالي عند منتصف القرن المنصرم تقريباً ، إلى نقطة الانتقال من عالمية دائرة التبادل والتوزيع والسوق والتجارة والتداول ، وإلى عالمية دائرة الإنتاج وإعادة الإنتاج ذاتها ، أي أن ظاهرة العولمة التي نشهدها هي بداية عولمة الإنتاج والرأسمال الإنتاجي وقوى الإنتاج الرأسمالية وبالتالي علاقات الإنتاج الرأسمالية أيضاً ، ونشرها في كل مكان مناسب وملائم خارج مجتمعات المركز الأصلي ودوله . العولمة بهذا المعنى هي رسملة العالم على مستوى العمق بعد أن كانت رسملته على مستوى سطح النمط ومظاهرة .
    وفالعلومة " هي حقبة التحول الرأسمالي العميق للإنسانية جمعاء في ظل هيمنة دول المركز وبقيادتها وتحت سيطرتها ، وفي ظل سيادة نظام عالمي للتبادل غير المتكافئ ".
    ويمكن رصد تجليات متعددة للعولمة، اقتصادية وسياسية وثقافية واتصالية: فالتجليات الاقتصادية تظهر أساساً في نمو وتعمق الاعتماد المتبادل بين الدول والاقتصادات القومية ، وفي وحدة الأسواق المالية ، وفي تعمق المبادلات التجارية في إطار نزعت عنه القواعد الحمائية التجارية بحكم ما نتج من آخر دورة للغات ، وإنشاء منظمة التجارة العالمية . وهذه التجليات الاقتصادية تبرز بوجه خاص من خلال عمل التكتلات الاقتصادية العالمية ، ونشاط الشركات الدولية النشاط ، والمؤسسات الدولية الاقتصادية كالبنك الدولي وغيره . هناك تجليات ثقافية للعولمة . حيث تنحو إلى توحيد القيم حول المرأة أو الأسرة وحول الرغبة والحاجة وأنماط الاستهلاك في الذوق والمأكل والملبس إنها توحيد طريقة التفكير والنظر إلى الذات وإلى الآخر وإلى القيم وإلى كل ما يعبر عنه السلوك وهذه هي الثقافة التي تدعو العولمة إلى توحيدها . والمشكلة المطروحة هي الاتجاه إلى صياغة ثقافة عالمية ، ولها قيمتها ومعاييرها ، والغرض منها ضبط سلك الدول والشعوب 00 والسؤال هنا : هل تؤدي هذه الثقافة العالمية – حال قيامها وتأسيسها – إلى العدوان على الخصوصيات الثقافية ،مما يهدد هويات المجتمعات المعاصرة ؟
    وفي السياسة هي الدعوة إلى أعتماد الديمقراطية والليبرالية السياسة وحقوق الإنسان والحريات الفردية وهي إعلان لنهاية سيادة الدولة ولنهاية الحدود ولتكامل حقل الجغرافية السياسية.
    وهناك عولمة اتصالية تبرز من خلال البث التلفزيوني عن طريق الأقمار الصناعية ، وبصورة أكثر عمقاً من خلال شبكة الإنترنت التي تربط البشر في كل أنحاء المعمورة . وتدور حول الإنترنت أسئلة كبرى ، ولكن المؤكد أن نشأتها وذيوعها وانتشارها ستؤدي إلى أكبر ثورة معرفية في تاريخ الإنسان .
    وعليه فإن ثمة رؤى وتعريفات متعارضة للعولمة ففي النصف الثاني من الثمانينات أصبحت العولمة ومرادفها التدويل مفهوماً شائعا في الدوائر الثقافية و والإعلامية وغيرها في عملية تكتسب العديد من المعاني وبدرجات متفاوتة من الدقة نتعامل مع العولمة كظاهرة حديثة ووتعتبر ثمة ارتباط بينها وبين الحداثة ومابعد الحداثة وأن مفهوم العولمة ينطبق على سلسلة خاصة من التطورات المتعلقة بتكون البنية Structuration الملموسة للعالم.
    ليس من اهتمام هذه السطور انتخاب تعريف دقيق لما يسمى بالعولمة منها سواء باعتبارها ظاهرة موضوعية أو تطوراً جارياً أو أطروحة نظرية بقدر ما تسعى لرؤية إلى أي مدى يمكن أن يقدم الخطاب التبشيري بالعولمة أيديولوجيا متكاملة أخذاً في الاعتبار الصعوبات المنهجية التي يطرحها هذا الفهم.
    و فهذا الخطاب يتضمن العديد من العبارات الأيديولوجية التي تمزج القيم بالوقائع وإذا كان من الممكن تحليل العولمة في معانيها الواقعية والقيمية فإن انتشار استخدام المفهوم من قبل نطاق عريض من الجماعات والمصالح يؤدي إلى صعوبة هذا التحليل فلو تم التسليم بأن الولايات المتحدة تتخذ من العولمة أيديولوجيا لها فإن هذا التقرير يثير عدة أسئلة تقتضي الإيضاح فماذا تعنيه كلمة أيديولوجيا أمريكية هل أن أصلها من الولايات المتحدة أم ان الولايات المتحدة نظام سياسي أيديولوجيته العولمة و من بين الأيديولوجيات المختلفة للعولمة هل للولايات المتحدة نسختها الخاصة من العولمة.
    فقد برز مفهوم العولمة Globalization بهذه النهاية المصدرية isation” التي تشير إلى العملية processes بينما تشير النهاية المصدرية العامة Globalism إلى مفهوم العالمية وقد تحولت إلى مذهبية أو أيدلوجية وبدت تتحدث عن العالمية على نمط بعينه كنمط محتوم في إطار المعمورة ومسيرتها إلا أن هذه الدعوة المذهبية غالباً ما تحمل من عناصر تشير إلى التفرد أو التنميط ـ فإنها قد تواجه بنوع من التحدي والمواجهة في إطار تحول فكرة العالمية من النطاق العام لنماذج متعددة إلى نطاق حتمي يؤكد على عالمية بعينها دون ما سواها من رؤى وأيدلوجيات ، وهي بذلك تدخل إلى سياق السجال الأيدلوجي وتولّد عناصر التحدي المعرفي والثقافي والمنهجي والحضاري بوجه عام.
    إن الأيديولوجيا تحمل توقعات بأن الشخص أو الجماعات التي تعتنقها سيستجيب للعالم الذي تصفه الأيديولوجيا على نحو معين فهي تذكر ما ينبغي أن يكون عليه العالم وتشكل إطاراً لتقويمه وتفي العولمة بهذا المعيار الوظيفي كإطار لرؤية وتقييم العالم والتغيرات الجارية.فمثلاً الوعي بانكماش العالم له أهمية الانكماش الفعلي للعالم بل إنه في رأي رونالد روبرتسون السمة المميزة للعولمة في التسعينات.
    الأيدلوجيا بما لها من سطوة تحرك عناصر وصف ورصد الواقع بما يتواءم أو يتلاءم مع مقولاتها الأساسية والمفتاحية. وهذا في إطار أفكار كبرى كالعولمة تمثل عناصر حاجبة ، وغالباً حينما يقتصر هذا التفكير على عناصر:-
    التفكير الجزئي ، أو التفكير القاصر ، أو التفكير الذي يمد الجزء على الكل ، أو التفكير التفسيخي الذي يحرك عناصر إمكانية الفصل التعسفي للجزء عن الكل (فسخه) ، وكل ذلك قد يحرك عناصر التفكير الواحدي أو يكاد، أو على الأقل يجعل لذلك العامل الوزن الأكبر (المتغير الأصيل) والمتغيرات التابعة، وأن المتغيرات الأخرى لا ترى إلا ضمنه ومن خلال منظوره ورؤيته . يمكن أن نشاهد ذلك ضمن سياقات التفسير الاقتصادي لظاهرة العولمة سواء في توجهاتها الليبرالية القائمة على الخصخصة كفكرة عالمية تؤكد عناصر حرية السوق والتجارة باعتبارها خطا لا منافس له وباعتبارها تهيئ عناصر بنية تحتية لكل عناصر الممارسة السياسية المرغوبة (الديمقراطية ـ حقوق الإنسان ـ تحرير الاقتصاد) أو مواجهة هذه المقولة التي تحمل عناصر التحليل المادي الاقتصادية بمقولة أخرى من نفس المعين ولكنها تختلف في التفسير في إطار نقدها وتحفظها على فكرة العولمة ، وهي تتخذ من مقولة النظام الاقتصادي الرأسمالي العالمي كمنطلق لتحليلها وفق مقولات تحليل ماركسي تعبر عن عالمية السوق الرأسمالي وما يتبع ذلك من عناصر مهمة ومتابعة هذا التحليل سواء في المدرسة الماركسية التقليدية أو مدرسة التبعية تتحركان ضمن هذا المسار وهذان الاتجاهان على اتحادهما في القاعدة المتعلقة بالتفسير المادي الاقتصادي ، إلا أنهما يختلفان في المقولات وبنائها ، ومحاولة إيجاد عناصر تحليل وتفسير محكم يرتبط بالضرورة بعناصر تعميمات وتقويمات بل وتنبؤات على شاكلتها.
    إلا أن الأمر لا يقتصر على هذا التحليل الواحدي في مجال "الاقتصاد" ، ولكن في الآونة الأخيرة برز تفكير يؤصل معاني العولمة ضمن مسار أوحد أو وحيد أو على الأقل (العامل الأول الذي يشكل قاطرة لما عداه من عوامل وهو المتعلق بمنحى "التفسير الاتصالي" للعولمة، والمتحرك صوب المعلوماتية . وهو تفسير يلقى الآن من الحجية ما يجعله ينافس التفسير المادي الاقتصادي ، إلا أنه مع تأصل هذا التفسير الذي بدأ يبرز مع الحديث عن العولمة كعملية as a Process هذا من جانب، ومن جانب آخر فإنه لا ينكر بحال من أصحاب التفسير المادي الاقتصادي في منحاه الليبرالي الرأسمالي، و في منحاه الماركسي الاقتصادي ، بل كل منهما يحاول أن يجد له مكاناً في تفسيره ، أو على الأقل فإنه لا ينكره من حيث الواقع في إطار بلوغ الحداثة إلى دائرة المعلوماتية وهي محاولة للبحث في أصول التقنية ومولداتها التي تحرك سوق المعلومات نحو إنسياب وانفتاح وحرية حركة عالمية. إلا أن هذا المنحى من التفسير بدأت تلتقطه جماعة من الباحثين الإعلاميين في محاولة للبحث عن عمليات على الأرض لا تحرك عناصر التفكير الأيدلوجي (الليبرالية ـ الماركسية) إلا أنها على الرغم مما تجد من قبول فإن التفسير الأيدلوجي لم يعد بعيداً عن مجالها أو مقولاتها ، مما أضفى عليها عند البعض طابعاً أيدلوجيا تتدخل فيه عالم الأيدلوجيات المستحدثة في إطار التبشير بعالم المعلومات العالمي والمعلوماتية كمذهبية وأيدلوجية تنتمي إلى عالم الأيدلوجيات "Isms".
    إن العولمة كايديولوجيا تتضمن تفسيراً تاريخياً لما كان عليه العالم وكيف تطور على هذا النحو الذي استمر وسيستمر معولماً وأن كل ما تتضمنه العولمة أو على الأقل أغلبه جيد
    إن العولمة تتضمن اقتصاداً سياسياً علمانياً لكنه أكثر تنوعاً وتعقيداً من الاقتصاد السياسي القومي فأغلب ما يتحدد على أنه جيد وعادل مأخوذ من النظريات العلمانية والقومية للاقتصاد والنمو الاقتصادي لكن نظراً لتحول الاقتصادات للسياسة فإن أيديولوجية الاقتصاد السياسي الكوني أو العالمي لابد أن تكون قادرة على تأكيد ما شكل الحكومة الجيدة وما اشكال الكوابح الاجتماعية التي يجب فرضها على المجتمعات.
    والأهم أن الاقتصاد السياسي العالمي يجب أن يؤكد أن العالم ليس مبارة صفرية بين دول متصارعة بلإن الجميع سيثرون بالدخول في نظام مشترك من الانفتاح والتبادل والنشاط الخلاق العولمة لابد أن تكون تنموية لأنها كأيديولوجيا علمانية عن عملية التغير لابد أن تؤكد أن العالم سيتغير و سيتغير للأفضل ومناهضوا الأيديولوجية يتفقون على معرفة ما تتضمنه هذه العملية لكنهم يرفضون بأن ما يحدث هو امر جيد.

    الأساطير المؤسسة للعولمة
    لكارل ماركس مقولة مهمة وهي أننا لا نستطيع معرفة أي عصر من خلال وعي هذا العصر بذاته .. وإنما يتم ذلك من خلال فهم حقيقة الموضوعية : بنيته الاجتماعية وآليات عمل هذه البنية ويكشف تحليل خطاب الأيديولوجيا التيث تنتجها هذه البنية الاجتماعية عن طبيعة المصالح التي تكمن خلفها وأدواتها لتكريس الواقع وخلق القبول بها من خلال ما تروجه من أساطير ومن هنا تأتي اهمية تحليل أهم الأساطير التي يتضمنها خطاب العولمة ومن أهمها
    أسطورة اللوثيان فالعولمة وفق تلك الأسطورة شأنها الوحش البحري الذي رسمه على كتابه الذي يشير إليه بهذا الاسم فهذا الوحش المرعب برغم أنه مكون من الأفراد فإنه بعيد عن أي إمكانية للتحكم أو التوجيه فقوى العولمة وفق هذه السطورة انطلقت من عقالها بفضل التقدم التكنولوجي بحيث أصبحت هناك صيرورة كونية تذوب فيها الثقافات القومية والاقتصادات القومية والحدود القومية فاقتصادياً برز اقتصاد عالمي تمت عولمته من ناحية ديناميكياته الأساسية فأصبح خاضعاً لقوى السوق الجامحة التي أصبحت تحكم طيفاً واسعاً من التفاعلات الاقتصادية بحيث أصبحت العلاقات الاقتصادية غير قابلة للتحكم حتى من أكبر الكتل الاقتصادية فضلاً عن الاقتصادات القومية و لايبقى للفاعلين القوميين والإقليميين سوى التكيف مع قوى العولمة وهناك أسطورة المشهد الأخير التي يعبر عنها فوكوياما في آخر كتابه (نهاية التاريخ.. والإنسان الأخيربقوله "موكبٌ هائلٌ من العربات على طول الطريق، بعضُها يُجَّرَ بِطريقة حتميةٍ باتجاهِ المدينة، بينما بعضُها الآخر يستقر في مخيماتٍ في عراء الصحراء، بعضُها يغوصُ في
    أخاديد الممر الجبلي الأخير، العديدُ منها سوف تُتْرَكُ مهشمةً بعد أن يهاجُمها الهنودُ الحمر؟!!! بعضُ أفراد الموكب سيفقدون مسارُهم ويسيرون باتجاهٍ خاطئٍ زمناً، وقد تُقَرر عربةٌ أو اثنتان إقامةَ مخيماتٍ دائمةٍ في إحدى مراحل الطريق لترتاح من عناء الرحلة، آخرون سيجدون دروباً بديلة.. الأغلبيةُ العظمى ستصل إلى المدينة، العرباتُ متشابهةٌ مع بعض الاختلافات التي تدل على وضعها أثناء الرحلة.. حينَها سَيُقِرُّ كلُّ عاقلٍ أنه لا توجد إلا رحلةٌ واحدة، ووجهةٌ واحدة...." هذه الوجهة التي يقصدها فوكوبياما هي النموذج الرأسمالي الليبرالي في تعبير بليغ عن أيديولجيا التقدم وتاريخيا ارتبط مفهوم التقدم بتشكل المؤسسات والقوى الاجتماعية الفاعلة التي تقودها الطبقة الرأسمالية وجماعة المستثمرين والدولة الحديثة فأصبح التقدم سلاحاً حاسماً في التاريخ الأوربي وفي التاريخ الذي كتبه الأوربيون لشتى بقاع العالم إن الإيمان الأوربي بالتقدم "مرده تاريخهم الخاص وخاصة في الأجزاء الشمالية الغربية الفقيرة من أوربا" إن تجربتهم الخاصة من سقوط الإمبراطورية الرومانية حتى الازدهار الصناعي أيام آدم سميث تجعلهم يؤمنون بالتقدم الخطي ومن ثم فهم لا يقتنعون بتقلب الزمان وصروف الدهر التي تذخر بها الحضارات الأخرى إن الأوبئة والحروب التي انتشرت في أوربا والأعداء الأقويا المحدقون بها على الحدود قد صاغت الكيفية التي واجهوا بها التنوع مواجهة ناجحة لقد رفضوا كل ما هو أجنبي عليهم من عقائد وأفكار وحتى أسلحة وأمراض" فأصبح جوهر هذا الفكر " عدم الاستعداد لتقبل ثقافات الآخرين في أرجاء المعمورة الأخرى والذين لم يعيشوا المجتمع الصناعي ومابعده ومن ثم رفض أي نقد لفكرة التقدم.أصبح التقدم عقيدة محركة للغرب الحديث لكن بدون أخلاقيات و لا مثل ويظهر بشكب مكثف في حالة الولايات المتحدة.
    الأمريكية التي نشأت على أساس عقيدة التقدم والحماس للرسالة والتشبس بها دون انقطاع فالولايات المتحدة اعتبرت ديمقراطيتها الوصفة الكونية للتقدم واعتبرت تاريخها هو النموذج العالمي لتفعيل الاستقلال والديمقراطية والتقدم ويتبين من السياسة الخارجية الأمريكية أن كل حركة استقلال بقوم بها شعب من الشعوب إنما تهدف لتحقيق الديمقراطية على الطريقة المريكية فهذا شئ من الطبيعي أن يتمناه الناس من قلوبهم و في مرحلة الرأسمالية الاحتكارية تبرز فكرة "العالم الواحد" الذي يرى نفسه جماعة تضامنية من الدول الحرة عليها التزام بالعمل من أجل تنمية جماعية موحدة وهذه الفكرة لم تنشأ من لقاء نفسها من عمليات غير منسقة برغم أننا نشهد اليوم تحقيق هذه الفكرة باعتبارها نتيجة لعملية مجهولة لا تتوقف ستؤدي إن عاجلاً أو آجلاً إلى نفس النتيجة. هذه الرؤية تتفق مع نمط التفكير الذي يحبذ النظر إلى التطورات التاريخية كنتائج حتمية .. ف"العالم الواحد" محصلة لعمليات حتمية أبرزها التقدم العلمي والتقاني الذي فرض تزايد الاعتماد المتبادل بين الدول وعجل به و تطور العالم وفق هذه الرؤية يصير خطياً في تقدم مطرد لكي يصل إلى أن يصبح سوقاً كبيراً
    في حقبة (العولمة) الجديدة لا يعتبر السوق وسيلة تقنية لتوزيع وتخصيص البضائع والخدمات ولاشك أن زماننا هذا تميز بإيمان عميق في قدرات الوسق على حل مشاكل العالم إن وهم انتصار أيديولوجية السوق قد ازداد بعد انهيار الأنظمة الشمولية في شرق أوربا وأصبح السوق هو الحل السحري لكل مشاكل المجتمع سواء في الشمال أو الجنوب إن تحول السوق من دلالاته الأصلية كمكان للبيع والشراء أي مدلول جغرافي إلى مفهوم اقتصادي يبدأ في طرج فكرة التحكم في المجتمع وأيديولوجيا النموالللامتناهي بوصفها حلاً أوحد وأمثل لكافة المشاكل من خلال تأكيد الطابع الاقتصادي لفكرة السوق كمفهوم وصياغة المصطلحات السحرية الثلاث العرض والطلب والسعر وفكرة الحرية الوهمية للفرد وسلوكه الخاص داخل السوق فظاهرة عدم الانتمناء داخلة ضمنياص في فكرة الحرية فالفرد حر طالما كان غير محدد الهوية بمعنى تحلله من كل الالتزامات الأخرى سواء اجتماعية أو أخلاقية فقيمة الحرية تتحدد بإعلاء القيمة الاقتصادية في ذاتها أو علىحد تعبير كارلوبولاني استقلالية المجال الاقتصادي ففي في مجتمعات ما قبل التحديث لم يكن الاقتصاد المجال الأهم للفعل الإنساني ومع تطور الحداثة أصبح ثمة اقتناع بأن الرغبة في الثروة هي دافع كوني وطبيعي وعام وانتشرت عملية تحويل كل شئ لسلعة (التسليع) لتعمل على كافة مستويات الحياة الاجتماعية وهنا يتساءل برتو ما هي حدود السوق وهل يجب أن يحتوي المجتمع السوق أم يجب ترك السوق
    تنطلق أيديولوجيا العولمة من أن هناك خطاً واحداً للتطور البشري لابد أن تسير فيه جميع المجتمعات البشرية متبعة قواعدثابتة ونظماً محددة فالمجتمعات الأمريكية والأوربية تمثل قمة الحضارة الإنسانية من حيث التطور العلمي والاقتصادي في حين أن بقية الشعوب غير المعولمة هي مجتمعات راكدة متخلفة إن توسع اقتصاد رأسمالي عالمي يتمركز في أوربا وأمريكا قد خلق تناقضا بين التحديث والتغريب وكان أبسط حلول هذا المأزق التأكيد على أنهما متطابقان فإنجاز التحديث في أسيا وأفريقيا بقدر ما تنغمس في التغريب أي أن أبسط حل هو القول بأن الثقافة الغربية هي ثقافة عالمية فكان الشكل المبسط الي اتخذته هذه الأيديولوجيا مستمرأ لفترة طويلة تحت شعار (نشر الحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية كرسالة حضارية) وقد يتخذ هذا شكلاًُ أكثر تعقيدا كالزعم بأن حضارة الغرب هي الوحيدة التي استطاعات أن تتطور من الشكل ما قبل الحديث إلى الحداثة ثم دخلت مرحلة ما بعد الحداثة في حين أن الثقافات الأخرى تجمدت ترايخياً وعاجزة عن التطور والتحديث يتطلب التغريب فمن لم يعتنق إحدى ديانات الغرب على أن يتخذ إحدى لغاته ومن لم يتخذ إحدى لغات الغرب عليه أن يتقبل تكنولوجيا الغرب التي يقال أنها تقوم على مبادئ العلم العالمية وفي نفس الوقت الذي كان أنصار أيديولوجية العولمة يبشرون فيه بمزايا التغريب والتكيف كانوا يبشرون بفضائل الاختلاف واستغلوا مقولة التعددية الثقافية لتبرير تربية جماعات عديدة في "ثقافاتهم" المستقلة وإعدادهم لمهام مختلفة في الاقتصاد الواحد.
    ووتتجاهل هذه السطورة أن مفهوم العولمة يشير إلى طور انتقالي أكثر مما يعبر عن واقع إرادة تتجه للتحقق الفعلي
    وليست فعلاً تاريخياً حاصلاً متحقق ومكتمل فنحن لا نستطيع اليوم أن نتحدث عن العولمة كأمر واقع، كفعل مجسد في التاريخ، فالأمر كما يجري يتضمن جملة من المؤشرات أغلبها اقتصادي وكثير منها ينتمي إلى مجال التكنولوجيا عموماً وتكنولوجيا الاتصال على وجه الخصوص، فالعولمة مشروع، وعملية إغفال الطور المرحلي
    الراهن وهو جزء من عملية تمويه تبحث له عن مسوغات إضافية تمنحه جدارة التحقق في الوقت الذي يمكن العمل على تحويل اتجاهه، وذلك بإدخال شركاء جدد أو معطيات جديدة تخفف من حدة النتائج التي يمكن أن تترتب عنها متى تحققت فعلاً على أرض الواقع يبقى التوقف عند أحد الأساطير الأساسية لأيدلوجيا العولمة وهي أسطورة الأيقونة .‏
    أسطورة الأيقونة
    تنبني هذه الأسطورة على نقض ثنائية الواقع والتمثيل واستقلالية التمثيل باعتباره اتجاه التطور المستقبلي لتأسييس مجال الهيمنة الأيديولوجية من خلال التركيز على التفصيل في انعزالها بعيداً عن التساؤل حول المعنى والغائية وتتجلى هذه الأسطورة في الاقتصاد في مقولات المدرسة النقدية لفريدمان وهو من أعلام الليبرالية الاقتصادية حيث يكتسب الاقتصاد الرمزي استقلالية بل وأولية على الاقتصاد العيني تصبح النقود ليست أحد أدوات قياس وتخزين القيمة وتنفيذ السياسة الاقتصادية بل تمتلك قيمة في ذاتها وثقافياً في مقولة ما بعد الحداثة انتهاء الحكايات الكبرى والطابع الفكري للثقافة بما يفسح المجال لتشكيل نوع من الثقافة الاستهلاكية التي تقوم على كثافة استخدام الصورة وبالأخص في الدعاية الإعلان .
    الأيقونة باليونانية تعني صورة أو تمثيل، ومنها التأيقن بالنحت. وفي السياق المسيحي، تشير كلمة «أيقونة» إلى لوحة أو رسم بارز وبالفرنسية: bas-relief أو لوحة فسيفسائية للمسيح أو العذراء (وأحياناً أحد القديسين). وكانت الأيقونات تُعتبَر أداة مساعدة أو وسيطاً للعابدين حتى يمكن للشخص المقدَّس" المصوَّر في الأيقونة والمتجسِّد فيها، أن يستمع لدعواتهم الأيقونة حينما يظن العابد أنها تصبح موضع الحلول الإلهي بالفعل لا مجرد رمز له، والتمثال حينما يظن العابد أن الإله حل فيه فأصبح التمثال هو الإله، أي تَصنَّم حيث تشير الأيقونة إلى تلك الصورة التي تكتسب قداسة من ذاتها باعتبارها تتضمن الدال والمدلول معا وبشكل عام هي علامة تدل على موضوعها من حيث أنها ترسمه أو تحاكيه وبالتالي يُشترَط فيها أن تشاركه بعض الخصائص.
    وفكرة الأيقونة هذه فكرة قديمة تعود إلى محاولات الإنسان البدائي للسيطرة على الكائنات الأخرى من خلال رسمها وقد قابلها الفكر اليهودي المسيحي في مراحله الأولى بنوع من الشك حيث جرى النظر إلى عالم الصور باعتباره عالماً منفصلاً عن عالم الرب وفي خصام معه ثم انسحب هذا الارتياب عندما تحولت للتعبير عن الواقع وارتبطت بالحقيقي وبذلك أصبحت وظيفتها الأساسية التعبير عن الواقع وارتبطت بالحقيقي وبذلك اصبحت وظيفتها الأساسية هي " التعبير " هن الشياء وتحميلها معاني ومضامين بينما همشت الشكال والوظائف العاطفية وكافة التأثيرات الشعورية التي تمارسها الصورة على المتلقي ثم أخذت الصورة تكتس قداسة ذاتية من التعبير عما هو مقدس وتحولت إلى أيقونة ومن ثم أصبح للتمثيل استقلالية ذاتية.
    تتسم فلسفة ما بعد الحداثة باستقلال التمثيل فالتفكيك يتحدى الاعتقاد الواقعي الذي يذهب إلى أن العلاقات اللغوية تشير لأشياء واقعية وبدلاً من ذلك توحي بأن ما ندركه على أنه العالم "الواقعي" قد شيدته لنا أنظمة الدلالة التي نستخدمها لتمثيل الواقع بما أدى لطرح فلاسفة ما بعد الحداثة مسألة ما إذا كان مفهوم الأيديولوجيا لا زال لازماً لأنها تشير لنوع من التمايز بين الحقيقة والزيف فإذا آمنا بقوة التمثيل في تشييد الواقع أصبح من الصعب الاحتفاظ بهذا التمييز وقد تكون هناك "تأثيرات حقيقية" تنتجها أنظمة الدلالة المتنوعة أو الخطابات وما هو أكثر من ذلك فإن ما بعد الحداثة تناوع في وجود وعي مستقل أو ذات مستقلة فإذا لم تكن هناك تجربة دون تمثيل فإن وسائل التمثيل يجب أن تكون سابقة على نفس تجربتنا بذواتنا الخاصة فحجة ما بعد الحداثة أن الذات ينتجها تبادل التأثير بين أنظمة الدلالة التي تخصص لها هوية معينة دون إرادة مستقلة من جانبها.
    وعلى الرغم من أن مابعد الحداثة توافق على أن المفاهيم تتحدد بما لاتكونه بواسطة "الآخر" القائم إزاءها فلا تتأسس هوية الذات إلا في علاقتها بالموضوع والعكس بالعكس فإن ما بعد الحداثة تصر على هذا أن هذا الاختلاف لا يقبل اختزالاً بين العناصر الفردية نظراً لاعتقادها بأن التمثيل مستقل فلكي ينتسب المفهومان لبعضهما يجب أن يجري تمثيل الذات والموضوع باللغة فهي الوسيط الذي تؤسس فيها الذات هويتها ومن خلاله تزاول الخبرة بالموضوع فتذهب ما بعد الحداثة إلى أن وسيط التمثيل سابق على العناصر التي يفترض أنه يتوسط بينهما فهو مكون لها ولما كانت العلامات اللغوية لا تكتسب معناها إلا بختلاف كل منها عن الآخر فإن حدي القسمة الذات والموضوع يجب أن يظلا متميزين ولا يمكن إدراجهما في كلية تتخطاهما.إن ما بعد الحداثة تطمس مشروعية مفهوم الأيديولوجيا من خلال تحديها لمفهوم الذات والكلية والنموذج المرجعي الإشاري للتمثيل.
    إن ما بعد الحداثة تحتفي باستقلال التمثيل وإن النقود وهي شكل للتمثيل تواصل نموها نحو مزيد من الاستقلال ومنن المؤكد أن ذلك يبدو مدعماً لافتراض اقتصاد السوق أن النقود ليست مجرد نظام من العلاقات يشير إى أشيلء واقعية بل تمتلك قيمة باطنة فيها.
    وشهد التطور الرأسمالي اتجاهاً مماثلاً حدث تحول إلى الاستهلاك والاقتصاد المركز على التبادل ويسود تاريخ الرأسمالية التأكيد الدرامي لوسائل التمثيل فالنقود مثلاً هي في الأصل رمز يستخدم لتمثيل أشياء مادية لكي يمكن مبادلتها لكن هذا التمثيل في اقتصاد السوق يصبح غاية في ذاته منحياً الأشياء الواقعية التي ترمز لها النقود المسيطرة على الاقتصاد العالمي في عالم ما بعد الحداثة ويواصل التمثيل ابتعاده أكثر فأكثر عن أي أساس واقعي ليصير أكثر تجريداً خطوة بعد خطوة ليحول إلى أرقام على شاشات الحاسب وسعر فائدة وثقة مستثمرين وفي نفس الوقت تصير النقود قوة فاعلة أو ذاتية بحيث يكون لأدق التقلبات في العلاقات بين الشكال المتنوعة للنقود آثار عميقة على الحياة المادية للبشر في جميع أرجاء العالم فاقتصاد ما بعد الحداثة يتميز باستقلال التمثيل.
    وفد وقع هذا التطور الاقتصادي محاذياً لصعود مناظر من جانب الوسائل التكنولوجيى للتمثيل إلى مستوى عال من البروز الثقافي وصولاً إلى رقائق الليزر المركبة والإنترنت شهد القرن العشرون انفجاراً غير مسبوق في عدد وأنواع الصور التي يتعرض لها الناس كل يوم ولأن هذه الوسائل تدار عادة مستهدفة الربح فكانت النتيجة قذف الناس بتوصيات لا تنقطع لشراء السلع والخدمات فنحن نعيش عصر الصورة المتأيقنة.
    فانطلاقاً من مبدأ رفض وظيفية الصورة عملت ما بعد الحداثة على تخليص الصورة من ذهنيتها والتعامل معها من منطلق حسي بحت فبعد أن كانت الإنسان يحول الصور إلى دوال للأشياء فتفقد وجودها لذاتها تعتمد ما يعد الحداثة رؤية ظاهرية للصور تتيح الاهتمام بالشياء والأحداث في حضورها العيني فالديانات الجديدة التي يمثلها جنون الرياضة أو الحفلات الموسيقية أو المناسبات الاستهلاكية البحت هي ديانات بدون عقيدة غير ثابتة لكنها تقوم بوظيفة الربط بين الجماهير وفي كل تلك الأحوال تكون الصورة هي أداة الربط التي تعمل على بناء التحيزات من خلال تراكمها وتظهر ثقافة الإحساس هذه بوضوح في الدور الذي يقوم به شبكات الإعلام في توحيد المشاعر مستغلة إمكانات البث العالمي خاصة في المناسبات الكبرى مثل الاحتفالات الرياضية والفنية والأحداث الكبرى.
    ثقافة العولمة هي ثقافة الصورة المتأيقنة التي استطاعت تجاوز الحوجز اللغوية وانتشرت بشكل سريع نتيجة تطور التكنولوجيا في البلدان التي تصدر هذه الثقافة فقد تشكلت امبرطوريات إعلامية مهمتها تصدير ثقافة الصورة بالنظام السمعي البصري استفادة من تراجع معدلات القراءة وخطورة هذه الصور أن وسائط الإعلام أصبحت تحل بشكل متدرج محل الأسرة والمدرسة في التربية الهدف النهائي للعولمة هو السيطرة على الإدراك ليتم إخضاع النفوس أي تعطيل فاعلية العقل وتكييف المنطق والتشويش على نظام القيم وتوجيه الخيال وتنميط الذوق وقولبة السلوك وبالتالي فهي تكريس لنوع معين من الاستهلاك ولنوع معين من المعارف والسلع والبضائع.
    إن أي نمط إنتاجي يرتبط بنمط المجتمع،بحيث يؤثر هذا على ذاك.وأحد أسباب فشل إن أي نمط إنتاجي يرتبط بنمط المجتمع،بحيث يؤثر هذا على ذاك.
    لقد انصبَّ عمل النظم الغربية وفي مقدمتها النظام الأمريكي على بناء " مجتمع السوق" ليرافق اقتصاد السوق في إطار العولمة.‏ و بروز أيديولوجيا " استهلاكية" تمر أساساً عبر المناخ الذي يخلقه مجموع النشاطات التجارية والمالية ومن خلال الدعوات المستمرة للشراء (دعاية،مجمّعات تجارية كبرى،اختراعات تكنولوجية مستمرة الخ…)لكن هذه الإيديولوجية تنتظم لتشكل مذهباً بفضل مئات ملايين الدولارات التي تستثمَرُ كل سنة لتمويل آلاف المثقفين و "علب التفكير ( think thanks) والدوريات,والمجلات والصحف اليومية وبرامج الإذاعة والتلفزيون.‏
    إن آلة وسائل الإعلام لا تكف عن بث هذه الإعلانات شديدة النجاح التي تغرس عامدة في الذهان بعض أنماط التفكير والسلوك وهي تفعل ذلك بواسطة خلق أو تقوية تحيزات ومشاعر عدم أمان مصطنعة بهدف الربح وما تزال الإعلانات عاكفة على تلاعب مماثل بالرغبات والمطامح الإنسانية من أجل المصلحة الخاصة إن الشركات الكبرى الرأسمالية تنشر على نحو نسقي "مفهوم الكائن الإنساني بعتباره مكنة رغبة لا تشبع أو باعتباره حيواناً تحكمه رغبات لا متناهية وهذا يحمل شبهاً غريبا بصورة الذات التي ترسمها فلسفة ما بعد الحداثة.
    غاية مفهوم ثقافة الاستهلاك أن الجماهير في ظل الرأسمالية لا يمكن الاعتماد عليها للاستمرار في الشراء وبشكل واضح عندما لا يكون لديها سيولة فائضة وإمكانية الحصول على بطاقة ائتمان فكان ابنتداع ثقافة الاستهلاك مرتبط بالضرورة الملحة المفروضة فرضاً التي تنشرها الرأسمالية على نطاق عالمي للبيع للمزيد من السلع والخدمات بغض النظر عن مسألة الحاجات الأساسية للناس.
    كما تشرح ثقافة الاستهلاك سبب اجترار الأطعمة السريعة التي ثبت أنها غير صحية ولماذا يغرق الناس في الديون من أجل شراء مجموعات جديدة من الملابس والسيارات الغالية ...بل واللغز الغامض ما سبب تحدي الفقراء في الشمال والجنوب على السواء للتعقل والاتزان الاقتصادي بشرائهم للماركات العالمية الغالية لكي يزوروا إحساساص ما بالهوية إن التسوق هو ثاني أهم نشاط لوقت الفراغ في الولايات المتحدة بعد متابعة التليفزيون فأصبح التسوق الأسلوب المهيمن على الحياة العامة المعاصرة وربما كان هذا صحيحاً بالساس بالنسبة للعالم الأول فقط وبعض أعضاء النخبة المنتفعين في أماكن أخرى لكن بقية أنحاء العالم تبدو ستلحق بهم بسرعة فيعد المجمع الاستهلاكي ثالث حيز عام بعد البيت والمدرسة والعمل لكي نرى ونري فلم تعد مجرد أماكن للبع والشراء لكنها تشغل وظائف أخرى متزايدة (ثقافية،تعليمية، العناية بالأولاد.... ) وارتفع معدل متوسط الوقت الذي يصرف في الرحلات لمراكز التسوق من عشرين دقيقة في الستينات إلى ثلاثة أرباع الساعة في التسعينات بعد توفير فرص الاجترار الدائم للسلع الاستهلاكية في أسواق الطعام السريع
    إن انتشار مضامين أيديولوجية ثقافة الاستهلاك والمؤسسات الثقافية التي تبنى عليها من قلب مركزها في العالم الأول إلى بقية أنحاء العالم هو تغيير اجتماعي على قدر كبير من الأهمية بحيث أصبح ي هجوم على الاستهلاكية هو هجوم على صميم الرأسمالية العالمية.
    فالعولمة الرأسمالية تشهد بروز مؤسسات ضخمة تغزو الفرد وتحتويه وتُرشِّده وتُنمِّطه وتُشيِّئه وتُوظِّفه لتحقيق الأهداف التي حددتها من خلال فكرة الاستهلاك فالمجتمعات الاستهلاكية المتعولمة تتسم بالهيمنة الكاملة للمؤسسات الرأسمالية على السلطة وسيطرتها على عملية الإنتاج والتوزيع، بل صياغة رغبات الناس وتطلعاتهم وأحلامهم (أي أنها تتحرك في كل من رقعة الحياة العامة والخاصة)، فهي تنجح في خلق طبيعة ثانية مُشوَّهة لدى الإنسان إذ يتركز اهتمامه على وظيفته التي يضطلع بها (فهو إنسان وظيفي) وتتركز أحلامه على السلع ويرى ذاته باعتباره مُنتجاً ومُستهلكاً وحسب، دون أدنى إحساس بأية غائية كبرى أو هدف أعظم، ويرى أن تَحقُّق ذاته إنما يكمن في حصوله على السلع. ويتم إشباع كل رغبات هذا الإنسان داخل مجال السلع هذا حتى يصبح الإنسان أحادي البُعد تماماً (مُتسلِّعاً مُتشيِّئاً) مرتبطاً تماماً بسوق السلع حدوده لاتتجاوز عالم السوق والسلع ولأن السلعة شيء، فإن التَسلُّع قد يعني أيضاً التَشيُّؤ. فالتَشيُّؤ معناه أن يتحول الإنسان إلى شيء، تتمركز أحلامه حـول أشـياء ولا يتجاوز هو السطح المادي وعالم الأشياء.
    هل يبدو القديم في ثوب جديد هل هي المسيرة الجارية على الدوام لعملية إضفاء الطابع السلعي على الاشياء أي الشكل القديم للعولمة الذ ي يعمل بالكامل من أجل الحفاظ على الغرب والذي يقدر ببساطة على امتصاص كل شخص آخر داخله أم ان هناك شيئاً مهماً حول عدم إمكانية تقدم العولمة بدون أن تتعلم العيش مع الاختلافات والعمل من خلالها يظهر هذا في أشكال الإعلان الحديثة فهي لاتزال قائمة على أصنام فورد القديمة لكن إلى جانبها أمور جديدة فأن تتواجد عند حافة الراسمالية الحديث يعني أن تأكل خمسين نوعاص مختلفاً من الطعام من مطابخ مختلفة في أسبوع واحد المرء يتعجب من التعددية ذلك الشكل شديد المركزية والتكامل من أشكال السلطة الاقتصادية الذي يعيش ثقافياً من خلال الاختلاف فمن يأكلون هذا المطبخ الدخيل لا يأكلونه في كلكتا بل في مانهاتن . إنها المتعة الدائمة بلا نهاية لا شئ سوى المتعة وهذا عالم مابعد الحداثة العالمي إنه صوت الاستهلاك اللانهائي الممتع
    فثقافة الاستهلاك تعلن حرفيا إن معنى الحياة يوجد في الشياء التي تملكها وبذلك فأن تستهلك يعني أننا أحياء ولكي نبقى أحياء يجب أن نستهلك باستمرار الناس هم مستهلكون في المقام الأول وهدف النشاط الاقتصادي"للأعضاء العاديين" للنظام الرأسمالي العالمي هو توفير موارد للاستهلاك وهدف النشاط السياسي هو التأكيد على أن شروط الاستهلاك محافظ عليها.
    إن المشروع الفكري الثقافي للرأسمالية العولمية هو إقناع الناس بان يستهلكوا أكثر من جاجاتهم البيولوجية الطبيعية ليساهموا في عملية تراكم رأس المال بهدف الربح الخاص أو بعبارة أخرى للتأكد من ان النظام لرأسمالي العالمي سيستمر
    ومن ناحية أخرى فإن ما بعد الحداثة تنقد الميل لإرجاع الظاهر الجزئية و الفردية إلى سياقها داخل كل شامل بتاكيدها على فكرة الاختلاف فيجب أن نرى الشياء منفصلة متغايرة بدلاً من اعتبارها أجزاء في كل اجتماعي لكن هذا يتناقض مع الرؤية الكلية التي تشير بأن الظواهر المعزولة لايمكن أن تفهم فهماً صحيحاً إلا إذا أخذت في علاقتها بكلية المجتمع وفي السياق الشامل للتاريخ الإنساني فهذا السياق يمكن أن يقدم مقياساً نستطيع بواسطته تقييم الممارسات الجزئية فعلى سبيل المثال إذا وضعنا العقلية الرأسمالية في سياق التاريخ الإنساني فسرعان ما سيتم اكتشاف أنها منهج في الحياة جديد وفريد وشاذ وبتعبير ماكس فيبر " كان سيتم تجريمه في الزمنة القديمة والعصور الوسطى باعتباره أشد أشكال الجشع وضاعة وباعتباره موقفاً يفتقر بالكامل لاحترام الذات" وعليه فإن فإن الاعتقاد بأن أفضل طريقة لدراسة الأشياء والأحداث هي دراستها في انعزالها بعيدا عن السياق الكلي للمجتمع والتاريخ سيعمل على استدامة وترسيخ الوضع الراهن.
    ونتيجة سيادة هذه الرؤية ظهر إنسان تم تنقيته من كل لمبادئ باستثناء مبدأ السعادة وإمتاع الذات، وتم تفـريغه من كل المقاصـد والقـيم لا مقـصد البقاء وحفظ النفس، وأصبح إنساناً مفرغاً من كل محتوى ومعيار باستثناء تلك المتعلقة بحساب الوسائل، وأصبح عاجزاً تماماً عن تقـييم الخـيارات المطروحة أو إدراك حقـيقة التشوهات الحـاصلة بغية تصويب الأخطاء وتصحيح الحلول. بذلك لم تَعُد لديه أية قدرة على تجاوز ذاته الضيقة أو الظروف المحيطة به ولم تَعُد لديه المقدرة على النظر إليها بشكل نقدي، إن ما بعد الحداثة بهذا المنطق لا تكون إلا أيديولوجية الرأسمالية الاستهلاكية.
    فنحن قد دخلنا الآن (وفقاً لبودريار) المرحلة الثالثة لتشكل الصور التمثيلية، ألا وهي مرحلة النموذج الذي يسوق كل إنسان وكل شيء إلى نطاق لعبة الاستجابات وردود الفعل ذات الضبط التحكمي الشامل، حيث الإغواء –جزئياً- محل القمع. وبينما كان دوركايم يعتقد أنه ينبغي أن يكون بالإمكان إيجاد قانون للمجتمع (أي قانون طبيعي للبشر) باعتبار أن الفرد الإنساني لا يمارس أي تأثير على المجتمع، فإن الناس -وفقا لما بعد الحداثة يشبهون الجسيمات الدقيقة للغبار، فلا قدرة لهم قطعاً على التأثير في الأحداث، وبالإمكان التعرف على القوى الفاعلة فيهم، وبالتالي التخلص مما هو خارجي فيها. غير أن جسيم الغبار والشخص يعملان كلاهما تحت نظام متجانس الخصائص تتعادل فيه الاحتمالات لكل اتجاه من اتجاهات الحركة. وفي الواقع ليس هناك قوى تؤثر في جسيم الغبار، وهو بالتالي لا يستطيع أن "يقرر" السير في أي اتجاه، إلا أنه ليس هناك من وسيلة للتنبؤ بحركته من حيث زمانها ووجهتها. وهكذا، فالتنبؤ مستحيل في عالم ما بعد الحداثة ، فاللعبة كلها قائمة على قانون الاحتمال. وإذا كان من المستحيل التحكم الفعلي في كل ذرة أو كل شخص، فإن هذا ممكن على المستوى الكلي macro level .
    إن مفهوم ريفكين عن التحكم والقمع (وإن كان الأمر الأخير يأتي بصورة ضمنية لديه) يعني أننا شهدنا تحولاً من القمع إلى الإغواء، حيث أصبح الإغواء هو الطريق لجعل الناس يفعلون هذا الأمر أو ذلك بدون حاجة لممارسة القوة عليهم. فإقناع الآخرين بأن مصلحتك هي مصلحتهم هو السبيل الرئيس إلى الأشكال الجديدة من سلطة المعرفة والاستغلال، وهو أمر كان غالبرايت galbraith قد نبه إليه من قبل. إن القمع سلطة ذات رؤية شاملة يتم نشرها (وإخفاؤها) في مؤسسات الخبرة القائمة على المعرفة والمعلومات. وهنا يستعيد فوكو Foucault فكرة جيرمي بنثام Jeremy Bentham عن مكتب الحارس الذي يتوسط السجن بحيث أن كل الزنـزانات تكون مواجهة للحارس المتخفي في مكتبه "البانوبتيكون" panopticon. وبهذا فإن السجناء لا يدرون إن كان الحارس في مكتبه فعلاً، إلا أنه لا بد عليهم أن ينصرفوا كما لو كان يقوم بمراقبتهم فعلاً. وهكذا فقد تمّ إخفاء السلطة، ذلك أن السلطة التي كانت مركزة في العصا أو في قبضة اليد أو في البندقية أصبحت الآن مشتتة ومتخفية عن الأعين.
    وفضلا عن ذلك، فقد ظهرت العلوم الإنسانية وجعلت من الروح موضوعاً للدراسة والفحص. وقد كان الجسد في العصور القديمة موضوعاً للعقاب، بحيث إذا ارتكب المرء خطأ ما يتعرض للعقوبة الجسدية، وذلك غاية ما كان عليه الأمر. أما الروح فهي شيء ذو قدرة على المراوغة، ولذلك عندما حطت العلوم الإنسانية الغربية رحالها عند الروح، أصبحت هذه الأخيرة معرضة للمساءلة غير المحدودة. ومما يدعو للسخرية أن الجسد أصبح سجيناً للروح، وقد جرى تكيف غرفة السجان المشرفة على جميع الزنـزانات أو "البانوبتيكون" لتتناسب مع الثكنات والمستشفيات والمدارس ومن ثم فلا عجب أن أصبحت الثكنات والمستشفيات والمدارس تشبه السجن.
    أما الإغواء فأمر مختلف. إنه القدرة على صنع النماذج، بحيث يتم حمل الناس على عمل الأشياء.
    والقمع بجعل الجنس أمراً غير قانوني، في حين يزود الإغواء المرء بدليل في قضايا الجنس. وبذلك ينتمي القمع إلى المستوى الثاني من تشكل الصور الزائفة، أما الإغواء فهو من عالم ما بعد الحداثة. على أن القمع لا يزال يقوم بوظيفته عندما يعجز الإغواء عن أداء مهمته، مثلما هو الشأن مع غير المستهلكين. إن الإغواء يجعل البحث عن مشروعية للفعل والسلوك أمراً بلا معنى، وهكذا يصبح أي حوار فكري، متحللاً من أية قيمة أو غاية .
    وفي هذا الإطار، أوضح بومان Bauman أنه عندما انتقل العمل على تماسك المجتمع من القمع إلى الإغواء، انتقلت المسؤولية عن تحقيق التماسك من أجهزة الدولة الإدارية (البيروقراطية) إلى قوانين السوق. ولذلك فلا غرابة أن نجد علم الاجتماع يسعى إلى تكييف حركة السوق وأساليب العلاقات العامة وفقاً لعملية الإغواء . ومن ذلك أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية قد استخدمت –كما لاحظ ذلك سيفانندان Sivanandan – تقنيات شركة "كوكا كولا" في العلاقات العامة في محاولاتها تشويه سمعة حكومة الجبهة السندينية Sandinista في نيكارغوا من خلال حربها النفسية ضدها PSYCHOPS.
    وفي هذا الصدد، يحذر ريان Ryan بفطنة من الوقوع في شراك المركزية الأوروبية التي تطبع فكر ما بعد الحداثة، مشيرا أن إعادة الإنتاج لم تعوض بعدُ عملية الإنتاج. يقول ريـان: "إن رقائق الحاسوب Computer chips، التي تمثل القاعدة المادية لعصر المعلومات في العالم الأول، ما زالت تُصنع بأيدي عمال المصانع في بلدان العالم الثالث مثل ماليزيا، حيث تمثل المرأة قوة العمل الغالبة، وذلك لأن النساء أكثر "إطاعة" وأبعد عن التوحيد في نقابات عمالية .
    إن هذه الملاحظة تبين بوضوح دوافع الغرب في تصنيع دول العالم، إذ من المؤكد أن ذلك لا ينبع من أي نـزوع خيّر. "فالمعلومات التي تعتمد عليها معظمُ الشركات تتعلق بمسائل مثل المحاسبة، أي أنها تتعلق بتحديد فعالية الأداء اعتماداً على حساب الأجور المدفوعة والأسعار المحصلة. وبعبارة أخرى إنها تتعلق بعالم الإنتاج المادي الذي من المفروض أن يحل محلّه عالم المعلومات informationism" . وهكذا وبينما من المحتمل أن يكون عالم الخطاب قد تغير، إلا أننا ما زلنا نجد الكثير من بقايا [عصر الحداثة].
    "فالنساء العاملات في ماليزيا يجري إغراؤهن للعمل في المصانع، وذلك عن طريق وعدهن بالمال الذي يستطعن به تجديد أنفسهن وفقاً للصور التي تبثها وسائل الدعاية لما ينبغي أن يكون عليه جمال الأنثى، وهن يعتبرن عاملات مثاليات بسبب تمثلهن الذاتي للنماذج الثقافية التي تغريهن بالطاعة والتكيف مع ما يراد منهن" . إن هذه التأثيرات الثقافية كانت -على ما يبدو- قوية قبل مجيء الإسلام ثم جرى صبغها بطلاء من المصطلحات الإسلامية. ويوافق ريان على أن الرأسمالية في الواقع تظاهرية خادعة، ولكن تنفيذ نموذج للفعالية مثل البرامج التقشفية التي يقترحها صندوق النقد الدولي يمكن أن يكون قاتلاً كفِرق الموت ذاتها.
    إن الطبيعة التوسعية لوسائل الإعلام وقدرتها على التغلغل في كل مكان من شأنهما تغيير مجريات السياسة. ونتيجة لذلك أصبحت الثقافة الأمريكية ثقافة كونية وغزت العالم عن طريق السوق. فقد أصبح لدينا "الأكل السريع ثقافة مطبخية، ورواسم cliches جاهزة لعملية التفكير، وأسلوب محدد للمضمون، وأصوات بدل الموسيقى، وصَخبٌ بدل الصوت، وقراءة خالية من التأمل، وسطحية سهلة بدل العمق غير اليسير، وعاطفية كاذبة بدل الحب الحقيقي، وجشع فردي محل الخير الجماعي؛ وهكذا أصبحت ثقافة الشركات التجارية الأمريكية بديلة عن الثقافة . وتنفتح الأذرع لاستقبال التصنيع، ويفتح الاقتصاد العالمي السبيل للخطاب الإعلامي والمعلوماتي الذي يطوي الثقافات المحلية تحت جناحيه ويجهز عليها في نهاية المطاف. وهكذا "ليست السياحة مجرد وعاءات لتلك الثقافة [الأمريكية المخترِقة]، بل إنها تحل موقع الطليعة فبها، إنها السائل الكيماوي Defoliant الذي يبيد الثقافات الأهلية أثناء تقدمه مهيئاً الأرضية للصناعات المتحدة لتحل محل تلك الثقافات."
    إننا نعيش في مجتمع يتميز بتضخم خطاب ما بعد الحداثة الذي يهيمن فيه الخطاب الأمريكي. فأمريكا تمتلك حوالي تسعين بالمائة من الإعلام في العالم، بل وتؤثر بقوة في تلك التي لا تقع تحت سيطرتها المباشرة. ومع ذلك فإن الشعوب السائرة في طريق التصنيع ما زالت هي التي تزود هذا الخطاب بالغذاء، وهي شعوب انخدعت بشكل مريع واعتقدت أنها ستكون المستفيدة بانضمامها إلى نادي الأمم المتمدنة في العالم، غافلة عن أن هذه الأمم المتمدنة نفسها قد تخلت منذ زمن بعيد عن طموحاتها الصناعية التافهة، أنها ستحتفظ لنفسها دائماً بموقع التفوق. وكما لاحظ غاي إيتون، فإن الانحطاط ينبغي أن يفضَّل بكثير عن الانحراف، ذلك أننا نشاهد حولنا العمل الأكثر توهجا واندفاعاً يسير في طريق منحرف وفقاً لتخطيط مادي خيالي إن العملية الاستعمارية أكثر تقدماً وخبثاً اليوم فالعولمة تمثل الاستعمار الجديد.

0 Comments:

إرسال تعليق

Links to this post:

إنشاء رابط

<< Home