عمرانيات

مدونة تهتم بقضايا العمران الإنساني بالبحث والترجمة الزائر الكريم: تفضل بزيارة مدونتي الأخرى Mnzoor.blogspot.com Alkasd.blogspot.com

الثلاثاء، مايو 06، 2008

الإسلام وتجربة التنمية الماليزية: أسلمة ذات ملامح مميزة

  • Alkasd my other blog
  • الإسلام وتجربة التنمية الماليزية: أسلمة ذات ملامح مميزة

    العلاقة بين الدين و الدولة من أهم التحديات التي تواجه التنمية في الدول التي تعرف نفسها بانها إسلامية حيث يثور التساؤل عن معيار هذه " الاسلامية " هل تعني بناء دولة إسلامية تلتزم بتطبيق الشريعة و هذا كل شيء و يزيد الأمر تعقيدا إذا واجهنا حالة دولة تتميز بالتعدد الديني و العرقي أيضا ، و هذا هو الحال في النموذج الماليزي ، لقد حدد الخطاب السياسي الماليزي هذه العلاقة على لسان مهاتير محمد الذي يرى أن " الطريق الصحيح هو العيش معا بسلام بين شعوب مختلف الديانات " ( ) .

    و بالتالي فإن جوهر عملية " الأسلمة " أو " التأسلم " للدولة الاسلامية في ظل هذا النموذج هو " السلام " مع كافة الأديان و الشعوب على قاعدة العيش المشترك ، وبالتالي لم تطرح الدولة بشكل محدد شعار أسلمة المجتمع الماليزي أو بناء دولة إسلامية في ماليزيا ، و لكن يلاحظ أن مهاتير محمد استعمل في بعض الأحيان تعبير " الحكومة الاسلامية لماليزيا " و ذلك في حديثه عن حكومته ( ) . و تمشيا مع هذا التجاه انطلقت التنمية في النموذج الماليزي من واقع المجتمع الماليزي المنفتح على كافة الثقافات و الافكار و السياسات التي يمكن ان تفيد في تحقيق هدف التنمية .

    و انطلاقا من ان الإسلام يشكل مكون أساسي من واقع هذا المجتمع نظرا إليه على أنه واحد من العناصر الهامة التي يمكن الاستفادة منها ، و جنبا إلى جنب مع تلك الانطلاقة تشكلت عقيدة التنمية في النموذج الماليزي على عدم التقبل الحرفي لمفهوم التحديث بالمعنى العلماني الغربي .و لكن انطلق النموذج على قاعدة تستند إلى ساقين أحدهما من المهارات التكنولوجيا الغربية , و الثانية التمسك بالقيم الثقافية الاسلامية .

    و من ثم فإن التصور الذي قدمه مهاتير محمد لهذا التحدي الذي نتناوله هو تصور " لايتحدث عن بناء دولة إسلامية في ماليزيا ، فهذه الدولة لا تتفق و معطيات التعدد العرقي و الديني في ماليزيا و لكنه يتحدث عن بناء دولة حديثة تحقق الأهداف العامة للإسلام ( ) .

    و من ثم جعلت القيادة السياسية في ماليزيا " الاسلام " بمفهومه الحضاري قوة فاعلة تعطى طاقة لعملية التنمية و ذلك من خلال فهم واع يحقق هدفين هامين ، اولهما : تكوين نموذج إنمائي ستفيد من الطاقات الهائلة التي يمكن أستثمارها و الاستفادة من القيم الاسلامية الفاعلة في إدارة عملية التنمية ( ) .





    و الواقع ان وعي القيادة السياسية في ماليزيا بحقيقة الدور الهام الذي يلعبه الإسلام كمكون ثقافي و حضاري في المجتمع الماليزي مكنها ان تتعامل مع عملية الإحياء الإسلامي في ماليزيا و ظهور حركات سياسية إسلامية في ماليزيا ، كما حدث في مناطق كثيرة من العالم الاسلامي .

    و لقد وجدت تفسيرات عديدة لنشأة و ظهور الحركات الإسلامية في ماليزيا . و بعض هذه التفسيرات ربط بين هذه الحركات وبين عوامل خارجية استثارت المؤثرات الإسلامية التي كانت كامنة في المجتمع الماليزي و من ضمن هذه العوامل الخارجية : تأثير حرب 1967 ، و كذلك الثورة الايرانية 1979 ، و أيضا حرب الخليج الثانية 1990 – 1991 ، ثم التطورات اللاحقة التي أثرت على الظاهرة الإسلامية عموما و أخرها حرب العراق 2003 و ايضا تطورات الصراع العربي الاسرائيلي و تفاعلاته المستمرة حتى اللحظة الراهنة .

    و هناك تفسيرات أخرى ترجع نشأة هذه الحركات إلى عوامل داخلية ، تعتبر ذات أولية و أهمية اكثر ، مع التسليم بوجود تأثير للعوامل الخارجية أيضا ، و من اهم هذه العوامل الداخلية : الحاجة إلى التأكيد على الهوية القومية المرتكزة على الاسلام بالنسبة للعنصر المالاوي في مواجهة زحف العناصر العرقية الهندية و الصينية منذ فترة الاستعمار البريطاني ، و أيضا رد الفعل لحركة التحديث و التمدن ، هذا بالاضافة إلى بعض التفسيرات الأخرى التي تتحدث عن التكوين الطبقي للمجتمع الماليزي , و تأثير الطبقة الوسطى من الفنيين و البيروقراطيين و محاولة إلباس المعايير الاقتصادية الرأسمالية شعارات إسلامية ، . هذا بالاضافة إلى تفسير تاريخي اقتصادي يرجع نشأة الحركات الإسلامية الماليزية إلى أوائل القرن العشرين تأثرا بالفكر الاصلاحي للشيخ محمد عبده ، و قد كانت البعثات الدراسية إلى المؤسسات التعليمية الإسلامية - و على الأخص – إلى الأزهر الشريف مصدرا لرؤية فكرية إصلاحية إسلامية تدعو إلى الاستفادة من علوم الغرب مع التمسك بأصول الاسلام ،و الحفاظ على الهوية الماليزية ( ) .

    تعد الطروحات النظرية لعميد التنمية الماليزية، ورئيس وزراء البلاد مند عام 1981مهاتير محمد هي الدعامة الأولى التي قامت – وما تزال- عليها تلك التنمية، ويضاف إلى ذلك ما قدمه أنور إبراهيم رئيس حركة الشباب المسلم الماليزي () خاصة عندما ترك قيادة الحركة، وانضمَّ إلى حكومة التنظيم القومي بزعامة مهاتير في عام 1982، الأمر الذي عمَّق البعد الديني في التصور الحكومي لعملية التنمية.

    وقد لا يجانبني الصواب حين أقول: إن مهاتير محمد قد قدّم عملاً تنموياً معاصراً يقوم على التوافق بين القيم الرأسمالية السائدة والأفكار والقيم الإسلامية. ويمكن تلخيص أفكاره فيما يلي :

    -يتفق مهاتير محمد مع ما قدمه(ضياء الدين سردار) برفض استيراد مفاهيم التحديث الغربي، وما يتولد عنها من رؤية تنموية قد لا تتناسب مع خصوصيات المجتمع الماليزي، لكنه في ذات الوقت يدعو إلى استيعابها والاستفادة من الخبرات التكنولوجية المتقدمة، وتسخيرها لخدمة المصالح الوطنية مع مراعاة القيم الإسلامية
    وهكذا فإن التجربة الماليزية أكدت رغم أنف الجميع أن منهج الإسلام في الدولة هو الشمول لجوانب الحياة كلها، الجانب الاجتماعي والعلاقات الإنسانية والجانب السياسي والعلاقات الدولية، والجانب الاقتصادي والعلاقات التجارية وغيرها ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيَايَ ومَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ (الأنعام: 162-163) ،فالمنهج الإسلامي منهج تغييري يبدأ بتغيير ما في هذه النفس البشرية ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11) ثم إصلاح الواقع تقوم به الأمة مجتمعة، فمهما زاد عدد قادة الإصلاح ومهما بلغ شأنهم في الأمة فلن يتحقق الإصلاح إلا إذا تحملت الأمة مسئولياتها.

    - إن نقطة البدء في التنمية يجب أن تبدأ من فكرة محورية مؤداها الانطلاق من واقع المجتمع وخصوصياته الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والدينية، مع الانفتاح على الثقافات الأخرى، وبما أن المجتمع الماليزي يتكون من غالبية مسلمة كان لا بد من الاستفادة من الطروحات الإسلامية في مجال التنمية؛ حتى يكون التوافق بينهما كبيراً، وفي هذا الخصوص يوضح (مهاتير محمد) أن المنهج الماليزي تجاه العولمة يقوم على أساس أن إيقاع العولمة في ماليزيا تحدده ماليزيا ذاتها بناءً على ظروفها وأولوياتها، مؤكداً أن العولمة المطلقة ستؤدي إلى الاضطراب والفوضى، كما يشير هنا إلى خصوصية التنوع العرقي الذي تقوم عليه ماليزيا، حيث يشكل الملاي ما نسبته 59%، الصينيون 26%، الهنود 7%، 8% آخرون، ويشكل المسلمون منهم ما نسبته 60% )( الأمر الذي يحتم على الحكومة اتباع منهج معتدل في تطبيق التعاليم الدينية، فالمجتمع الماليزي ليس مجتمعاً إسلاميا بالكامل، وأن القيام بما من شأنه بث الفوضى وتدمير البلاد أمر محرّم بالإسلام () .

    لجأت الحكومة الماليزية مع بداية الثمانينيات إلى تطبيق مجموعة من السياسات عكست في مجملها التوجه الحكومي لأسلمة بعض المجالات برز من خلالها نشاط جماعات الدعوة من الشباب الماليزي المثقف هذا إضافة إلى إرساء النظام لبعض المشروعات ذات الطابع الاسلامي في مجال كل من البنوك و التأمين .

    كما تم إنشاء الجامعة الدولية الاسلامية و عدد من المعاهد الاسلامية و شجع النظام أيضا على إقامة مسابقات للقرآن الكريم .

    هذا و تجدر الاشارة إلى ان هذه السياسات قد أثارت مخاوف غير المالاي و إن حرص الآمنو على تهدئة هذه المجموعات عبر ما أسموه برؤية أكثر ليبرالية للإسلام مقارنة بالحزب الاسلامي المعارض الذي اتسم بقدر من التشدد في هذا الشأن ، و قد تبدت هذه الرؤية المعتدلة للإسلام عندما رفض مهاتير محمد مطلب الحزب الاسلامي باقرار بعض القوانين الدينية على نحو ما أسلفنا بل أن الاعلام الماليزي أفسح مجالا واسعا لبث انتقادات غير المالاي في هذا الصدد ، و هو ما أدى إلى تراجع الحزي الاسلامي عن مطلبه .

    و على صعيد آخر برز التوجه الديني المعتدل للآمنو خلال 1994 – 1995 ، و ذلك مقارنة بتنظيم دار الأرقم الذي بدأ نشاطه بالدعوة ثم ما لبث أن تحول إلى حركة جماهيرية في المناطق الحضرية والريفية عبر مجموعة من المؤسسات التعليمية و الدينية و مشروعات التنمية الريفية إضافة إلى إنشاء عدد من المشروعات الصناعية في ماليزيا و خارجها .

    هذا و قد نجح هذا التنظيم بالفعل في اجتذاب العديد من شباب المالاي في ظل الاستقلالية المادية التي أتاحت له القيام بالعديد من الأنشطة امتدت إلى المجال السياسي .

    و من جانبها وجهت الحكومة أصابع الاتهام إلى هذا التنظيم باعتباره تهديدا للوحدة الوطنية و هو ما استوجب تطبيق قانون الأمن الداخلي و اعتقال مجموعة من قياداته عام 1994 .

    و لعل مما يلاحظ أن جملة الاعتقالات ضد هذه القيادات الدينية لم تؤد إلى ردود فعل من قبل غير المسلمين في ماليزيا و إن أدانتها جماعات حقوق الانسان .

    أما الحكومة فقد حرصت عبر بعض المؤسسات الدينية و من اهمها المعهد الماليزي الاسلامي على تنظيم اجتماعات مع غير المسلمين لتأكيد الطابع العالمي للقيم الاسلامية .

    وفي يوليو 1996 قامت الحكومة الماليزية أثر إنتقادات وجهت إليها من غير المسلمين بتغيير مادة إجبارية كانت تدرس في الجامعات الماليزية بعنوان الحضارة الاسلامية لتصبح " الحضارات الإسلامية و الآسيوية " .

    كما سمحت السلطات لغير المسلمين بالتعبير عن وجهات نظرهم عبر مختلف أجهزة الاعلام في معارضة صريحة لبعض سياسات الأسلمة التي كانت الحكومة قد أقرتها .

    و من جانبه عبر مهاتير محمد عن رفضه لتوجهات الحزب الاسلامي في إرساء دعائم دولة إسلامية و شاركـــــه قادة الآمنو في هذا الشأن نظرا لما ارتأه من صعوبة تطبيق هذا الأمر في دولة متعددة العرقيات كماليزيا ( ) .

    و بطبيعة الحال رحب غير المالاي بهذه السياسة التي اطلق عليها مهاتير محمد Bangsa Malaysia و التي تشير إلى الواقع التعددي الثقافي في البلاد ، هذا في حين تعالت الأصوات المنددة بهذه السياسة نظرا لما يمثله من تعددية سلبية يمكن أن تهدد الهوية الوطنية المتمثلة بالاساس في الهوية المالاوية .



    - تشكل الطروحات النظرية للإسلام إطاراً مرجعياً مهماً للتنمية الشاملة، إلا أنها لا تطرح نموذجاً واحدا في هذا المجال، كما لا يمكن الزعم بوجود إجابة واحدة مسمدة من الإسلام لكل الظروف، الأمر الذي يتطلب ضرورة البحث المستمر عن حلول تتفق مع تطورات العصر وتتوافق مع ما يسمى (فقه المقاصد)، أو متطلبات الحياة اليومية، كما أن النظر لآيات قرآنية بعينها -وبمعزل عن فقه نزيلها على الواقع المعيش قد يشوه المعنى المراد منها، تفسير الخاطئ، إذ علينا إيجاد الحلول الواقعية المناسبة بصورة تتوافق مع الأهداف العامة للإسلام، خاصة أن ثمة أمرين مقررين مهمين في الفقه الإسلامي، هما الاجتهاد والقياس ()

    الإسلام وتجربة التنمية في ماليزيا

    تقول الدكتورة <نعمت مشهور> تقوم تجربة التنمية في ماليزيا على أنها تجربة ناجحة وأنها تجربة اتفقت إلى مدى بعيد مع مبادئ وأسس الاقتصاد الإسلامي، وإن لم يتم الإعلان صراحة عن هذا الانتماء· فقد اهتمت ماليزيا بتحقيق التنمية الشاملة لكل من المظاهر الاقتصادية والاجتماعية، مع الموازنة بين الأهداف الكمية والأهداف النوعية، مع الاهتمام بهذه الأخيرة· وتدلل الدكتورة <نعمت مشهور> على ما ذهبت إليه من خلال ما يلي:

    ـ في مجال التنمية المادية عملت ماليزيا على تحقيق العدالة بين المناطق، بحيث لا يتم تنمية منطقة على حساب أخرى، فازدهرت مشروعات البنية الأساسية في كل الولايات، كما اهتمت بتنمية النشاطات الاقتصادية جميعها، فلم يهمل القطاع الزراعي في سبيل تنمية القطاع الصناعي الوليد أو القطاع التجاري الاستراتيجي، وإنما تم إمداده بالتسهيلات والوسائل التي تدعم نموه، وتجعله السند الداخلي لنمو القطاعات الأخرى·

    ü كما اتفقت التنمية الماليزية مع المبدأ الإسلامي الذي يجعل الإنسان محور النشاط التنموي وأداته، فأكدت تمسكها بالقيم الأخلاقية والعدالة الاجتماعية والمساواة الاقتصادية، مع الاهتمام بتنمية الأغلبية المسلمة لسكان البلاد الأصليين من الملاويين وتشجيعهم على العمل بالقطاعات الإنتاجية الرائدة، فضلاً عن زيادة ملكيتهم لها· كما وفرت لأفراد المجتمع إمكانات تحصيل العلم في مراحله المختلفة، وتسهيل التمرين والتدريب ورفع مستوى الإنتاجية، وترتيبات الارتفاع بالمستوى الصحي وتوقعات العمر، فنجحت في تحسين مستويات معيشة الأغلبية العظمى من أفراد الشعب كماً ونوعاً، وخصوصاً مع ارتفاع متوسط الدخل الفردي·

    ü كذلك انتهجت ماليزيا استراتيجية الاعتماد على الذات في الاضطلاع بالعبء التنموي، سواء البشري أو التمويلي، حيث عملت على حشد المدخرات المحلية اللازمة لاستغلال الموارد الإلهية المتاحة·

    ü أيضاً اهتمت ماليزيا بتجربة تحسين المؤشرات الاجتماعية لرأس المال البشري الإسلامي، سواء كان من أهل البلاد الأصليين أو من المهاجرين إليها من المسلمين الذين ترحب السلطات بتوطينهم، كما أسهم ارتفاع نصيب الملاويين في الملكية المشتركة للثروة في القطاعات الإنتاجية المختلفة، فضلاً عن القطاع المالي والمصرفي، إلى توفير رؤوس الأموال المحلية اللازمة لمختلف أوجه التنمية بصورة متزايدة والتي أسهمت في الإقلال من الديون الخارجية، وما يترتب عليها من زيادة عبء الدين الذي يرهق الموارد اللازمة للتنمية، فضلاً عن العواقب الوخيمة اجتماعياً وسياسياً·

    ü طبيعة دور الدولة في النشاط الاقتصادي في ماليزيا تتم من خلال القنوات الديموقراطية للشورى المتمثلة في الأحزاب الماليزية المتعددة التي توفر أوسع مشاركة ممكنة للناس في مناقشة جميع القضايا المتعلقة بالمصلحة العامة، ومتابعة السلطة التنفيذية في تطبيقها الجاد لجميع السياسات التي يتم الموافقة عليها ·

    ü التزمت الحكومة الماليزية بالأسلوب الإسلامي السليم في ممارسة مختلف الأنشطة الاقتصادية وتوجيه الموارد، ففي حين عملت على تحويل ملكية مختلف المشروعات الاقتصادية إلى القطاع الخاص، فقد نمت مسؤولية الأفراد وأشركتهم عملياً في تحقيق الأهداف القومية، واحتفظت بسهم خاص في إدارة المؤسسات ذات الأهمية الاجتماعية والاستراتيجية، لعدم التخلي عن دورها في ممارسة الرقابة والإشراف عليها· ومن ناحية أخرى أسهمت الحكومة في التقليل من الآثار السلبية للتحول إلى القطاع الخاص عن طريق منح تأمين ضد البطالة للعاملين في الخدمات التي تم تحويلها إلى القطاع الخاص، مع وعدهم بأجور أعلى في المدى القريب، ولكن يؤخذ على الحكومة تجاهلها للاعتراضات الإسلامية على تحويل الموارد الطبيعية العامة إلى القطاع الخاص بدلاً من إبقائها في إطار الملكية المشتركة للمسلمين تحت مسئولية الدولة ورقابتها·

    وتؤكد الدكتورة <نعمت مشهور> وجهت نظرها بأن التجربة الماليزية كانت إسلامية من دون وجود لافتة تحدد هذا الانتماء من خلال أن التجربة لفتت أنظار الدارسين الذين تنبأوا بتحول القوة السياسية الإسلامية من الشرق الأوسط إلى جنوب آسيا، حيث يتوقع أن يؤدي الأخذ بالابتكارات التكنولوجية وتحقيق معدلات التنمية العالية، إلى تحويل دولة صغيرة سريعة النمو مثل ماليزيا، إلى أهم وجود إسلامي في العالم على الإطلاق ()
    .
    بمفهوم آخر يركز مهاتير على (التنمية المتفقة مع الإسلام) أكثر منه على (المفهوم الإسلامي للتنمية)، ضمن رؤية إسلامية تستنير بعناصر الواقع المتاح، وتسخرها لتحقيق أقصى استيعاب واستثمار، بما يعود على الأمة بالصالح العام.
    ويركز هنا على قضية المقاصد العامة، ومتطلبات الحياة، فالإسلام دين متجدد يستوعب التطورات العلمية والتكنولوجية، بيد أن فهم المسلمين هو الخاطئ، وهو من الأمور التي ساهمت بشكل أساس في تأخر المسلمين وتخلفهم، ويشير هنا إلى العديد من الأمثلة، منها مهاترة بعض دعاة الدين في الدولة العثمانية على جواز لباس الجنود العثمانيين للقمصان الغربية، في حين كانت الهجمة الأوروبية على تركيا شرسة، بدلا ًمن قيامهم برفع معنويات الجند وشحذ هممهم، وهو بحد ذاته تصرف ينم عن فهم مشوه للنصوص الدينية. كذلك منعهم طباعة المصحف الشريف بحجة ضرورة أن يكون ذلك بخط اليد، ومنعهم -لفترات طويلة- استخدام التلفزيون وآلات التصوير ... الخ، وبعد أن تمت الموافقة على استخدام تلك المحظورات التكنولوجية -بعد فترة طويلة من المنع الذي ساهم في زيادة حدة التخلف- استخدمها المسلمون بوجوه لم تؤد الغاية المطلوبة منها في خدمة المجتمع، وعملت على انتشار قيم مستوردة مع تلك التكنولوجيا؛ لأنها بالأساس ليست صناعة إسلامية
    .
    ويركز مهاتير محمد في هذا الإطار على أهمية التصنيع في المجتمع الإسلامي، ودوره في خدمة الأمة الإسلامية ورفاهها، مع القدرة على تجنب الآثار السلبية المرافقة للتكنولوجيا العلمية المستوردة()

    - التنمية الشاملة مفهوم يتضمن في أبعاده الحديث النبوي الشريف: (اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً)، فهو يلفت النظر إلى خطأ الانصراف الكلي عن الحياة الدنيا، باعتبارها حياة غير ذات قيمة؛ لأن انتشار هذا الاعتقاد -بشكل مبالغ فيه- قد أفقد المسلمون مهارتهم وعناصر قوتهم، وجعلهم مستلبين وتابعين لغيرهم، دون أن ينالوا مرضاة الله.

    وهنا يركز مهاتير على ضرورة اتباع التعاليم الدينية بصورة فعلية، وعدم رفعها كشعار لا يعمل به، فالقيام بالأعمال الحميدة والتبرعات السخية للآخرين ليست كافية لإثبات أن الإسلام لا يشكل عقبة أمام التنمية، وإنما يكون ذلك من خلال امتلاك زمام المبادرة، ومنافسة الآخر والتفوق عليه ضمن رؤى وتحركات إسلامية مقبولة ( )

    وتفعيلاً لآراء وطروحات (مهاتير محمد) قامت الحكومة الماليزية بتطبيق تلك الرؤى الإسلامية في اقتصادها القائم على مبدأ السوق الحر، ومع احتفاظها بالمؤسسات الاقتصادية التقليدية أنشأت الحكومة العديد من المؤسسات الاقتصادية التنموية الإسلامية، وقامت بعدة إجراءات كان أهمها:

    - تأسيس البنك الإسلامي للتنمية بموجب القانون المصرفي الإسلامي لعام 1983، والذي تعد مدخرات عملائه قروضاً حسنة للبنك لا يتقاضون عنها أية فوائد ثابتة، وإنما يتقاضون عائداً متغيراً تحدده الحكومة بناءً على عدة عمليات مضاربة وتمويل تجارية تدعمها الحكومة بشكل مباشر، وتمتلك الحكومة الماليزية ما نسبته 37% من هذا البنك ()
    .
    - إنشاء العديد من شركات التأمين الإسلامية، بموجب قانون التكافل عام 1984))

    - قامت الحكومة بتعديل قانون العقوبات؛ لتجعله أكثر انسجاماً مع مبادئ الشريعة الإسلامية.

    - أدخلت مادة الثقافة الدينية كمادة إجبارية في المدارس والجامعات الماليزية، كما قامت الحكومة بحظر تأسيس
    جامعات خاصة لغير الملاي، والذين يمثلون الغالبية المسلمة في البلاد، كما حظرت على غيرهم تأسيس إذاعة أو تلفزيون، الأمر الذي حدا ببعض المفكرين بوصف تلك السياسات على أنها برامج أسلمة للمجتمع، مع تأكيدهم على أن التنمية الاقتصادية الماليزية ما زالت تتم في إطار قواعد المنهج الرأسمالي التقليدي، مع محاولة إضفاء طابع إسلامي عليه ()
    .
    - قامت الحكومة بإنشاء جهاز استشاري إسلامي لتقديم الرأي للحكومة فيما يتعلق بالمسائل الدينية .
    نتبين من استعراض أهم ملامح التنمية الماليزية أنها تميزت بطابع الخصوصية، حيث إنها حافظت على البُنى الاقتصادية التقليدية القائمة في المجتمع، وأقامت بالتوازي مع ذلك مؤسسات تنموية تستند على أسس إسلامية يستفيد منها جميع الماليزيين، بغض النظر عن العرق أو الدين، ويجد فيها المسلمون خاصة مؤسسات اقتصادية معاصرة تقدم خدماتها وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية، وتتوافق مع أهداف ومتطلبات التنمية في منظورها الإسلامي الهادف لبناء نسيج اجتماعي بين جميع الأعراق والأديان في المجتمع
    .
    ويمكن القول إجمالاً إن التنمية الماليزية كانت محصلة لمنهج توفيقي بدأ منذ عام 1970، عملت من خلاله الحكومة الماليزية على إيجاد صور تطبيقية لبعض النظريات الإسلامية وحافظت في ذات الوقت على البنى الاقتصادية القائمة، وبالتالي فلا يمكن الفصل بين دور كل من هذه المؤسسات، وبيان أثره في عملية التنمية، إلا أن ما يمكن الجزم به هو أن (مؤسسات التنمية الإسلامية) لم تشكل عائقاً أمام التنمية، بل لعبت دوراً إيجابياً وفاعلاً في تطوير الاقتصاد الماليزي، وإرساء أسس التعاون والتكامل الاجتماعي، والمساهمة بصورة فاعلة في تقليل الفقر وتنمية المجتمع.
    ومن يزر ماليزيا لا يحتاج إلى كثير عناء واجتهاد ليكتشف الحضور المؤثر للهوية الإسلامية في الواقع الاجتماعي, والماليه معروفون بتدينهم كشأن مسلمي آسيا الذين ينطون على عاطفة إسلامية قوية تجد التعبير عنها واضح في السلوك الاجتماعي, لقد نجح النموذج الماليزي في إثبات أن الحضور المؤثر والفاعل للهوية والسلوك الإسلامي في الحياة لا تستند بالضرورة على حتمية وجود قاعدة قانونية أو دستورية, فالذي يحض على ذلك ليس سيف القوانين المسلط على الرقاب بل القدرة على تمثل قيم الإسلام الرفيعة في النفوس وفي الممارسة, لقد نجح الماليزيون في أن يحولوا قيم الإسلام إلى منتج نهضوي وحضاري حقيقي يلمسه الناس في واقع حياتهم, ولذلك تهدي التجربة الماليزية للعالم الإسلامي نموذجا شديد التميز والقبول والاحترام, ولا شك عندي أن النموذج الماليزي أكثر إسلامية وأقرب إلى روح الإسلام الحقة من كثير من الدول التي تزعم استنادها إلى مشروعية إسلامية().
    القيم الآسيوية و الثقافة الماليزية

    رؤية لموقع الاسلام في ماليزيا المعاصرة

    إذا كانت القيم الاسلامية قد حظت في ماليزيا بموقع متقدم في المنظومة القيمية الماليزية فإنه يمكن القول بأن هذا الواقع قد تجسد عبر مجموعة من السياسات التي لجات الحكومة الماليزية إلى تطبيقها منذة بداية الثمانينيات و التي عكست في مجملها التوجه الحكومي لأسلمة بعض المجالات و ذلك دون المساس بمصالح الأقليات العرقية من الصينيين و الهنود من خلال ما عرف برؤية أكثر ليبرالية للاسلام و من هذا المنطلق تبرز نشاط جماعات الدعوة من الشباب المالاي المثقف هذا إضافة إلى إرساء دعائم بعض المشروعات التي إتخذت الطابع الإسلامي على غرار البنوك و نظام التامينات ( ) .

    كما تم إنشاء الجامعة الدولية الإسلامية و عدد من المعاهد الإسلامية إضافة إلى عقد مسابقات لقراءة القرآن الكريم .

    هذا و تجدر الإشارة إلى انه رغم إثارة هذه السياسات لمخاوف غير المالاي إلا أن الأمنو حرص على تهدئة هؤلاء عبر رؤية معتدلة للإسلام تختلف عن التشدد النسبي للحزب الإسلامي المعارض بل ان الإعلام الماليزي أفسح مجالا واسعا لعرض وجهة نظر مختلف الاقليات الماليزية المعارضة لتوجهات هذا الحزب .

    هذا و قد برز التوجه الديني المعتدل للآمنو خلال الفترة من 1994 غلى 1995 و ذلك في مواجهة بعض التنظيمات الإسلامية التي تحولت إلى حركة جماهيرية في المناطق الريفية و الحضرية و التي كانت قد نجحت في إجتذاب بعض شباب المالاي استنادا غلى مجموعة من المؤسسات التعليمية و الدينية إضافة إلى بعض المشروعات الصناعية .

    و من جانبها لجات الحكومة الماليزية إلى اعتقال قيادات هذا التنظيم الذي اعتبرته تهديدا للوحدة الوطنية مما استوجب تطبيق قانون الأمن الداخلي كما حرصت على تأكيد الطابع العالمي للقيم الإسلامية عبر بعض المؤسسات الدينية و من اهمها المعهد الماليزي الإسلامي .

    و في عام 1996 بادرت الحكومة الماليزية بإحداث التغييرات في بعض المناهج الجامعية استجابة لضغوط الأقليات الصينية و الهندية حيث تم تغيير عنوان مادة " الحضارة الإسلامية " و هي مادة إجبارية لتصبح الحضارات الإسلامية و الآسيوية ( ) .

    و استنادا إلى هذا المنهج الذي إتسم باعتدال سمح لغير المسلمين بالتعبير عن وجهات نظرهم بشأن سياسات الأسلمة التي أقرتها الحكومة بل أن القيادة الماليزية ارتأت صعوبة إرساء دعائم دولة إسلامية في دولة متعددة العرقيات و هو ما رحب به عبر المالاي .


    إنعكاسات الواقع القيمي على الممارسات الماليزية :


    تبدت تجليات المنظومة القمية الماليزية عبر العديد من الممارسات و لعل إطلاله على العديد من هذه الممارسات تلقى الضوء على مدى تأثير المجتمع الماليزي بمنظومة القمية.

    البعد الاقتصادي : رجزت الساحة الماليزية و خاصة في المجال الاقتصادي بما يدعم تمسك الماليزيين بعدد من مكونات المنظومة القمية التي تبلورت ملامحها عبر سنوات عديدة و تبدت بشكل جلي في الممارسات الاقتصادية التي قادت ماليزيا إلى مجموعة من النجاحات المتتالية عبر طفرة تنموية هائلة أتاح لها موقعها الحالي بين النمور الآسيوية .

    عكست الأزمة الاقتصادية عام 1997 بشكل جلي أحد ملامح الثقافة الماليزية التي تأثرت بدورها بأحد ثوابت القيم الماليزية و هي طابع الخصوصية في مواجهة العالمية .

    فالواقع الماليزي يرفض على نحو ما أسلفنا – القواعد و الحلول العالمية التي يرتأي فيها الغرب إمكانية تطبيقها على الجميع حيث يؤكد الماليزيون تعدد الرؤى نتيجة تعدد الأطر المعرفية .

    و لعل نظرة سريعة على أسلوب إدارة القيادة الماليزية لأزمة 1997 تؤكد هذه الأمر حيث انتهجت سبلا مغايرة لمنهج صندوق النقد الدولي و نجحت على خلاف التوقعات الغربية في اجتياز الأزمة التي عصفت بماليزيا و بعدد من اقتصاديات دوا جنوب شرق آسيا بعد تراجع قيمة العملة الماليزية ، و تمكنت ماليزيا من استحداث مجموعة من الأساليب لتخطي الأزمة و في خلال عامين استطاعت ان تنهض من كبوتها و ان تتعافى من الهزة المالية التي لعبت عناصر خارجية دورا أساسيا في إثارتها : بل و استطاعت ماليزيا أن تستمر قدما في مسيرتها التنموية بحيث سجل الاقتصاد الماليزي نموا ملحوظا بلغ معدله 8.5 % و على هذا النحو يمكن القول أن أهم ما يميز النجاح الاقتصادي الماليزي هو إستناده بالاساس إلى حلول نابعة من الواقع الماليزي حيث ارتأت القيادة الماليزية اتخاذ مجموعة من الاجراءات الحمائية من بينها تثبت سعر العمل الماليزية مع منع تحويلها إلى الخارج إضافة خفض الانفاق الحكومي العام و فرض قيود على تدفق رؤوس الأموال مع فتح مجال خصخصة الشركات للماليزيين دون الشركات الأجنبية .

    تعد قادت هذه الحلول الرافضة لوصفات صندوق النقد الدولي إلى حفز الاقتصاد الماليزي ، هذا و قد تمكنت ماليزيا عبر خصوصية رؤيتها التي تعكس أحد ملامح الثقافة الماليزية من تسديد مديونيتها برغم انهيار عملتها المحلية و تنامي سحب رؤوس الأموال الأجنبية قصيرة الأجل ( ) .

    كما اتخذت مجموعة من الاجراءات الحمائية تمثلت في فرض قيود على تدفق رؤوس الأموال من و إلى ماليزيا مع خفض الانفاق الحكومي ، و هي الإستراتيجية التي ارتأتها الحكومة ملائمة لإصلاح الخلل وفقا للرؤية الماليزية الخالصة التي رفضت الرؤية الغربية التي كثيرا ما اتهمت عددا من القيادات الآسيوية بالفساد .

    بل أن القيادة الماليزية حذرت من الشعارات الغربية مؤكدة أن ماليزيا لن تسمح لأحد ببيع تلك الافكار لها و ذلك في إطار السماح للاستثمار الأجنبي في بعض القطاعات مع عدم التخلي عن الدور التوجيهي للدولة وبرغم توقع الغرب الفشل لهذه السياسات التي تتعارض مع الرؤية العالمية .

1 Comments:

  • At 10:21 م, Blogger Dr Hajredin said…

    الأستاذ عبد الله جاد فودة..الموقر
    السلام عليكم..أشكرك على هذه الدراسة الأصيلة لفكر و مدرسة مهاتير ممحمد في ماليزيا..ما شاء الله عليك.. و جزاك الله خيراً..
    أخوك
    الدكتور خيرالدين خوجة الكوسوفي
    أستاذ التفسير و الدراسات القرآنية بجامعة طيبة في المدينة المنورة و جامعة السلطان الشريف علي الإسلامية في بروناي و خريج الجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا

     

إرسال تعليق

Links to this post:

إنشاء رابط

<< Home