عمرانيات

مدونة تهتم بقضايا العمران الإنساني بالبحث والترجمة الزائر الكريم: تفضل بزيارة مدونتي الأخرى Mnzoor.blogspot.com Alkasd.blogspot.com

الثلاثاء، سبتمبر 25، 2007

نظريات التكامل الدولي : دراسة حالة للخبرة التكاملية العربية

  • Alkasd my other blog
  • نظريات التكامل الدولي : دراسة حالة للخبرة التكاملية العربية
    يقوم منهج دراسة الحالة على الدراسة المتعمقة لوحدة دراسية في أبعادها الكلية دراسة متعمقة وهو بذلك يتيح رؤية الظاهرة المدروسة في تشابكات مختلف متغيراتها واقعياً بما يمكن معه تبين حدود التعميم وجوانب الخصوصية في المقولات النظرية فتسعى هذه المقالة لاتخاذ محاولات التكامل العربية حالة دراسية لنظريات التكامل استرشاداً بما تضعه هذه النظريات من مفاهيم وما تهتم به من متغيرات و ما تقدمه من وصفات لتحقيق التكامل تحدد الأولويات والوسائل والإجراءات المتخذة لتحقيق التكامل في الحالة العربية وصولاً لنوع من التقييم لهذه النظريات بالنظر لاختلاف السياق الحضاري والسياسي في هذه الحالة الدراسية.
    وعليه تبدأ هذه الورقة بتعريف التكامل ثم محاولة تحديد أهم مقولات نظريات التكامل المختلفة والانتقادات التي وجهت إليها وانطلاقاٌ من هذه النقاط تحاول الورقة تصميم خطة لحالة دراسية لهذه النظريات تتمثل في محاولات التكامل في المنطقة العربية سواء التكامل الإقليمي أو الوحدة بين دولتين أو أكثر كما في حالة الوحدة المصرية السورية عام 1961 و الوحدة بين مصر والسودان وليبيا 1971.
    أولاً نظريات التكامل
    تعريف التكامل:
    على الرغم من أن مفهوم التكامل هو من أكثر المفاهيم السياسية ارتباطاً بمعناه اللغوي الذي يعني توحد الأجزاء في كل واحد فإن هناك الكثير من المشكلاات النظرية الخاصة بتحديد هذا المفهوم كمصطلح سياسي
    وأول هذه المشكلات خاص بالتعامل العربي مع هذا المفهوم حيث يجري استعمال كلمة "تكامل" كمرادف لكلمة "اندماج" والكلمة الأخيرة هي الأكثر دلالة على المعنى الغربي لهذا المصطلح "Integration " كما هو في الإنجليزية والفرنسية ويتعبر الاندماج درجة أعلى من التكامل في التعبير عن توحد الأجزاء في كل مشترك ، وهو ما يعتبر من الناحية الواقعية محض أمنية بعيدة المنال حتى بالنسبة لأكثر حالات التكامل استقراراً كما في الولايات المتحدة أو كندا أو بريطاني إذ لا تزال هذه الحالات التي وصلت إلى ذروة التكامل نظرياً وهي الوحدة السياسية تحتفظ أجزاؤها المختلفة التي توحدت بدرجات متفاوتة من التمايز والهوية المستقلة وتنعكس في التنظيم السياسي والإداري والمكتسبات الثقافية الخاصة بكل وحدة / جزء في ظل الدولة الواحدة وتصل أحياناً إلى التأزم بين الحكومة الموحدة والأقاليم على توزيع الموارد أو على السياسة الخارجية ...إلخ الأمر الذي يبرر أولوية استخدام مصطلح التكامل للدلالة على هذه الظاهرة
    أما إذا انتقلنا إلى تعرف التكامل في النظريات الغربية التي عالجت هذه الظاهرة فتظهر عدة إشكاليات في هذا التعريف لعل من أهمها تلك الأبعاد القيمية التي ترتبط بمفهموم التكامل وتظهر في كتابات منظريه بين مؤكد على مزايا التكامل المسلم بها معنوياً مثل كارل دويتش حين عرف التكامل بأنه" إنجاز معنى المجتمع في إقليم ما " وأرنست هاس الذي عرفه بأنه " النزوع نحو الخلق الطوعي لوحدات سياسية أكبر يتحاشى كل منها بوعي ذاتي استعمال القوة في العلاقة بين الوحدات المشاركة" وغيرهم ممن ركزوا على عقبات تحقيق التكامل وتكاليفه.
    ولعل أكثر التعريفات الوصفية وضوحاً للتكامل هو تعريف كارل دويتش – وهو من رواد منظري التكامل – الذي أورده في كتابه "تحليل العلاقات الدولية ، حيث كتب :" أن يتكامل الشئ يعني بوجه عام أن يجعل الأجزاء كلاً واحدا . أي أن يحول وحدات كانت سابقاً منفصلة إلى مكونات لنظام أو جهاز متناسق والخاصية الأساسية لأي نظام تكمن في وجود درجة معينة من الاعتماد المتبادل بين مكوناته وعادة ما يكون للنظام ككل خواص مميزة له لا توجد في أي من وحداته أو مكونات منفصلة ...فالتكامل إذن هو علاقة بين وحدات بينها اعتماد متبادل وتنتج معاً خواص تفتقر إليها في حالة وجودها منفصلة وأحياناً ما تستخدم كلمة التكامل لوصف العملية التكاملية التي نحصل بواسطتها على العلاقة أو الوضع المتكامل بين الوحدات التي كانت منفصلة سابقاً .
    أما جوزيف ناي – وهو أيضا من رواد نظرية التكامل – فيرى أن مفهوم التكامل من أكثر المفاهيم خلطاً و تشويشاً، وعلى سبيل المثال ، عند تشكيل السوق الأوربية المشتركة عام 1957 كان هناك على الأقل أربعة مفاهيم تختلط مع مفهوم التكامل وهي التوحيد السياسي والتوحيد الاقتصادي والتعاون السياسي والاقتصادي والتجارة الحرة .
    ولذلك حدد ناي – وتبعه في ذلك العديد من المنظرين مجموعة من المؤشرات لتعريف التكامل تعريفاً إجرائياً أكثر قابلية للقياس والملاحظة العلمية حيث قسم التكامل إلى أجزاء أو مجالات متنوعة وحدد في كل مجال عددا من المؤشرات التي يمكن على أساسها معرفة مدى تحقق التكامل والمقارنة بين حالات التكامل المختلفة فهناك التكامل الاقتصادي و يشمل التكامل التجاري والخدمات المشتركة وهناك التكامل الاجتماعي ويشمل التكامل بين الجماهير والتكامل بين النخب وهناك التكامل السياسي ويشمل التكامل المؤسسي والتكامل في السياسات العامة والتكامل في الاتجاهات وهناك التكامل في مجتمع الأمن وحل المنازعات بطرق سلمية بين الوحدات المتكاملة .
    ومن هذا الاتجاه أيضاً تعريف جالتونج للتكامل بوصفه" اتحاد فاعلين دوليين لإقامة فاعل جديد ذي إرادة مستقلة وليس أداة للدولتين" وقد حدد بعدين أساسيين للتكامل وهما : القدرات التي يتمتع بها الكيان الجديد والاعتراف الدولي به وبناء على هذا قسم جالتونج حالات التكامل إلى أربع : تكامل حقيقي وهو الذي يتوافر فيه هذان الشرطان وتكامل غير حقيقي وهو الذي يفتقد هذين الشرطين وتكامل وسيط وهو الذي يتحقق فيه أحد هذين الشرطين دون الآخر.
    وهكذا نجد ان كل من يتصدى لتعريف مفهوم التكامل يركز على بعض الجوانب القيمية أو الإجرائية .
    أما من حيث طبيعة التكامل ذاته فهناك خلاف ما بين اتجاهين رئيسيين من منظري العلاقات الدولية يعتبر أولهما التكامل حالة أو وضعاً يتحقق فيه إنجازات معينة وعلى رأسها الوحدة السياسية أو خلق مجتمع أمن تختفي فيه فرص اللجوء إلى العنف في حسم المنازعات وعلى رأس هذا الاتجاه كارل دويتش . في حين يركز الاتجاه الآخر على الإجراءات والوسائل التي يتحقق بها التكامل ومن هذا الفريق "أرنست هاس " وفي هذا الاتجاه الأخير تتزايد الخلافات بين المنظرين في تحديد أبعاد العملية التكاملية وأدوار كل من المؤسسات والشعوب والنخب والتفاعلات المختلفة بينها في الوصول إلى التكامل وما إذا كان التكامل يتم تلقائياً بواسطة " يد خفية " بفعل إدراك المزيا المتبادلة ام نتيجة التعبئة الواعية من النخب لتحقيق التكامل .
    مقولات نظرية التكامل
    لا توجد في الواقع واحدة للتكامل ولكن هناك عديد من النظريات أو بمعنى أدق الوصفات التي تشرح بطرق مختلفة عملية التكامل وتختلف فيما بينها في تحديد المتغير أو المتغيرات المستقلة التي تفسر هذا النمتغير التابع (التكامل) ولعل مما يفسر هذا التعدد والاختلاف والغموض المصاحبين لمفهوم التكامل نفسه المراد تفسيره.
    وعلى أي حال يمكن التعرف على المقولات المختلفة لنظريات التكامل من خلال التعرف على هذه النظريات وذلك كما يلي:
    اولاً النظريات الاتحادية :
    تعتمد هذه الطائفة من النظريات على متغير محدد في تفسير التكامل وهو القرار الحكومي للدول المتكاملة حيث تقر السلطات العليا في كل دولة تبعاً لمصلحتها القومية كما يراها القائمون بالحكم التنازل عن أجزاء من سيادتها تتفاوت بحس كل حالة من أجل تحقيق منافع التكامل المتنوعة بعد حساب عقلاني رشيد للنفقة والعائد المترتبين على الدخول في العملية التكاملية ويكون الهدف من ذلك هو تعظيم المنافع في المجالات المختلفة للتكامل وتقليل الخسائر إلى أقصى حد ممكن.
    وفي هذا الإطار فإن الدول المتكاملة ترتبط معاً بروبط دستورية متينة يصبح معها – من وجهة نظر الاتحاديين – حصول النزاع والحروب أمراً مستبعداً ويتشكل في هذا الإطار نوع من الأمن الجماعي القائم على ذلك الرباط السياسي الدستوري وما يكفله من آليات لحل النزاعات بين الوحدات المتكاملة .
    وتختلف النظريات الاتحادية بحسب درجة استعداد الدول للتخلي عن أجزاء من سيادتها إلا أن أبرز هذه الصور من التكامل هي الوحدة الفيدرالية والوحدة الكونفدرالية وفي النوع الأول الفيدرالية يتم ذوبان الشخصيات القومية القانونية لكل من الوحدات المتكاملة في الكيان الجديد وتقوم في هذا الكيان حكومة واحدة وجيش واحد وسياسة خارجية واحدة على حين تحتفظ الدول المتكاملة بسيادتها ويقتصر على التكامل في بعضا الأمور السياسية أو الاقتصادية والاسترتيجية المحددة .
    أما المدخل السياسي لتكامل في هذه الحالات الدستورية فيرجعه الدستوريون إلى وجود تيارات وحدوية داخل التيارات الحاكمة في الدول المتكاملة وفي قطاعات عريضة من شعوبها تملك وسائل الضغط على حكوماتها من أجل تحقيق الوحدة
    ثانياً النظريات الوظيفية
    على العكس من النظريات الدستورية التي تعتبر القرار السياسي هو المتغير المستقل في تحديد التكامل تنظر المدرسة الوظيفية بعين الحذر إلى القرار السياسي والمسائل المتعلقة بالسيادة فتعتبرها من المسائل الحساسة التي ينبغي تفاديها على الأقل في المراحل الأولى من التكامل حيث تحرصالدول والسلطات القائمة فيها بشدة على عدم التفريط فيها وتدعو غلى التكيز علىالتكامل في الميادين الفنية والاقتصادية والثقافية التي لا تتمتع بهذه الدرجة من الحساسية ومن ثم يميز الوظيفيون بين نوعين من السياسات : السياسات العليا وهي تلك الميادين الحساسة المتعلقة بالسيادة مثل الدفاع والسياسات اله خارجية والسياسات الدنيا وهي الأقل حساسية وأكثر قابلية للاندماج مثل الميادين الاقتصادية والعلمية والرياضية ...إلخ
    ويعتبر ديفيد ميتراني من أهم منظري التكامل الوظيفيين وقد طور افكاره إبان الحرب العالمية الثانية متفائلاً بإمكانية كسر الروابط التقليدية بين السلطة والدولة وربط المجتمعات المختلفة بشبكة من النشاطات الاقتصادية والثقافية التي تتجاوز الدولة والإقليم وتسعى إلى الكونية حيث عارض ميتراني التكامل الإقليمي لأنه يؤدي – حسب رأيه – إلى زيادة قوة البنية التنظيمية الجديدة الإقليمية وبالتالي يزيد من القدرة على استعمال القوة في العلاقات الدولية مما ينقل الصراعات من صراعات بين الدول إلى صراعات بين أقاليم كما عارض ميتراني المدرسة الدستورية مؤكداً على أن يكون التكامل تعبيراً عن مصالح الجماهير في الدول المختلفة و ليس فقط شكلاً تنظيمياً فوقياً إذ ان هذه المصالح الجماهيرية المنفعية هي الكفيلة بإقامة "مجتمع" دولي مسالم متماسك و ليس مجرد توقيع الاتفاقيات والمواثيق بين الدول .
    ويرى الوظيفيون أن التكامل في مجالات السياسة الدنيا والذي يجب أن يكون له مردود منفعي على الجماهير في الدول المتكاملة سيكفل أن ترتبط الشعوب في الدول المختلفة بشبكة من المصالح المتبادلة والأنساق المشتركة ويفرض على القيادات السياسية في هذه الدول انتهاج سيساسات رشيدة خالية من العنف ويدفعها إلى مزيد من التعاون بحيث يصبح تعطيل هذه المصالح بفعل أي توتر في العلاقات بين هذه الدول أو حرب باهظاً مما يقلل من إمكانات لجوء القيادة السياسية لهذا الفعل كما يكفل هذا النهج تعليم الجماهير عبر الدول المختلفة التعامل مع المشاكل التي تواجهها بطرق تجريبية ويصبح التركيز على توفير الرخاء الاقتصادي والرفاه الاجتماعي بدلاً من الدخول في متاهات وصراعات السياسات العليا.
    وهكذا تعطي المدرسة الوظيفية دوراً هاماً لجماعات الضغط والجماعات الوسيطة التي تعبر عن مصالح الجماهير في التكامل وتستطيع فرض هذه المصالح على قياداتها.
    ويأمل الوظيفيون بأن النجاح المتزايد للدول المتكاملة في توسيع نطاق التكامل ومجالاته في السياسات الدنيا سوف يدفع القيادات السياسية في هذه الدول إلى التكامل والتنسيق في مجلات السياسات العليا إلى أن يتم التكامل السياسي بين هذه الدول وليس فقط التكامل الاقتصادي.
    ثالثاً النظرية الوظيفية الجديدة
    عارض الوظيفيون الجدد منطلقات كل من الدستوريين والوظيفين إلى التكامل وبدلاً من أن يركزوا على القرار الحكومي أو المصالح الجماهيرية الاقتصادية كمدخل للتكامل على اعتبار أن الإرادة السياسية ليست معزولة عن الاقتصاد .
    وفي حين عارض ميتراني التكامل الإقليمي ودعا إلى تكامل على المستوى العالمي يؤكد أرنست هاس وهو من أبرز الوظيفيين الجدد على الإقليمية مقابل العالمية في التكامل من منطلق أن المنظمات الإقليمية أكثر قابلية لإحلال التكامل من المنظمات العالمية بسبب التقارب القيمي والثقافي المفترض بين مجتمعات الإقليم الواحد وهو ما تفتقر إليه غالباً المنظمات العالمية التي يتمثل فيها مدى واسع من القيم الثقافية المختلفة
    وينظر الوظيفيون الجدد و منهم هاس إلى التكامل لا باعتباره حالة يتم فيها تحقيق الوحدة السياسية (كما يرى الدستوريون) أو قيم ومصالح (كما يرى الوظيفيون والاتصاليون كما سيتضح لاحقاً) ولكن يركزون أكثر من ذلك على الطبيعة التعددية للمجتمع الحديث التي تتنافس فيها وتتصارع النخب والمصالح ومن ثم يرون أن التكامل عملية تعيد فيها النخب بطريقة سياسية متدرجة صياغة مصالحها بمصطلحات وأساليب تعبر عن توجه إقليمي أكثر منه توجهاً وطنياً خالصاً فالتكامل لدى هاس هو " العملية التي يكون فيها الفاعلون السياسيون في مختلف المواقع الوطنية مقتنعين بتحويل ولاءتهم وتوقعاتهم ونشاطاتهم السياسية نحو مركز جديد أكبر له مؤسسات ومطالب قانونية على الدول الوطنية السابقة"
    وعملية إعادة التوجه هذه من الدولة إلى النظام الإقليمي لا تحدث بطريقة مثالية ودوافع من الإيثار لدى قسم من النخبة المعنية ولكن بسبب إدراكهم للمؤسسات فوق القومية باعتبارها أفضل الطرق لإسباع مصالحهم العملية ولذا يركز الوظيفيون الجدد على تنمية عملية صنع القرار الجمعي والطريقة التي يغير بها النخب الحكومية وغير الحكومية تكتيكاتهم وتنظيماتهم وفقاً لتحولات عملية صنع القرار من المستوى القوي إلى المستوى فوق القومي .
    فالمسألة لا تتعلق فقط بتسليم مطلق بفوائد التكامل وإمكانية الانطلاق من مجال وظيفي نجح فيه التكامل إلى مجال آخر وهكذا فحسب ولكن يتوقف نجاح العملية التكاملية على مدى الاتفاق بين الجماعات المنخرطة في عملية التكامل على الأهداف والإجراءات المتبعة في هذه العملية وفي نفس الوقت تمايز المهام المتضمنة من الناحية الاقتصادية مما يضع حداً للمخاوف السياسية التي قد تعرقل التكامل .
    وهكذا نجد أن الوظيفيين الجدد قد بنوا نظرياتهم على أسس مشتركة مع رؤية الوظيفيين خاصة فيما يتعلق بالفصل بين السياستين العليا والدنيا والانتقال من مجال وظيفي إلى آخر إلى أن يتم التكامل السياسي ولكنهم كانوا أكثر جرأة وواقعية في التأكيد على وزن الإرادة السياسية للنخب في صنع التكامل ودفع العملية التكاملية وقد اهتموا بالنخبة في مقابل تركيز الوظيفيين على المصالح الجماهيرية كما امتازوا عن الوظيفيين بالتنبيه إلى أهمية الاتفاق القيمي والإجرائي وعملية توزيع المهام داخل مؤسسات التكامل حتى لا تتعثر عملية التكامل ويحدث العكس فتتغلب المخاوف والعقبات السياسية على المصالح المشتركة.
    رابعاً النظرية الاتصالية :
    تعتبر النظرية الاتصالية من أهم نظريات التكامل وهي تركز على التفاعلات بين الوحدات المتكاملة كمدخل لتحقيق التكامل ويعتبر كارل دويتش من أبرز رواد هذه المدرسة وقد أوضح دويتش أن غاية التكامل هي تكوين "مجتمع" أمن يضم الوحدات المتكاملة وتختفي فيه احتمالات نشوب حرب فيما بينها بسبب ما ينشأ بينها من كثافة في الاعتماد المتبادل وما تتبناه من آليات وإجراءات لفض منازعاتها سلمياً وإحلال التعاون محل الصراع .
    وقد ركز دويتش على قيمة الأمن كغاية للتكامل على اعتبار أن الأمن " هو الحالة الأساسية التي يمكن في ظلها التمتع بمعظم القيم الأخرى " وعرف الأمن بأنه قيام السلم وتدعيمه كما أعطاه مضامين أخرى مثل تأمين الثروة والملكية والمؤسسات والرموز والمراكز الطبقية والعادات والأيديولوجية والثقافة واحترام الذات وغيرها من القيم التي تبدو جديرة بالدفاع عنها بالنسبة لمعظم الناس وحيث أن الدول قد أظهرت عدم كفايتها لحماية هذه القيم فإن الناس يلقون آمالهم على المنظمات الدولية لحماية هذه القيم .
    ولقد استقرأ كارل دويتش مهام التكامل وشروطه وعوامل تفككه وأنواعه من خلال دراسة لأربع عشر حالة تكاملية في العالم.
    وخلص دويتش إلى القول بأن التكامل ينهض بأربع مهام رئيسة وهي:
    حفظ السلام
    التوصل إلى إمكانيات كبيرة متعددة الأغراض .
    إنجاز بعض المهام المحددة
    تحقيق الذات ودور الشخصية بصورة أكثر جدية
    والجدير بالذكر هنا أن دويتش قد أوضح بعض المؤشرات الإجرائية للتيقن من تحقق هذه المهام فمثلاً حفظ السلام يمكن قياسه من خلال غياب أو ندرة الاستعدادات العسكرية في الدول المتكاملة وبيانات تعبئة القوات والمنشآت العسكرية وبيانات الميزانية واستطلاعات الرأي.
    ويتم قياس التوصل إلى إمكانيات متعددة الأغراض عن طريق مؤشرات الناتج القومي الإجمالي والناتج القومي الكلي بالنسبة لكل فرد ومجال معاملاته التجارية وتنوعها.
    ويتضح ما إذا كان المجتمع يحقق مهاماً معينة عن طريق وجود وظائف مشتركة ومؤسسات مشتركة وموارد مشتركة.أما قياس تحقيق الذات ودور الشخصية فيتضح من تكرار استخدام رموز مشتركة وخلق واتباع رموز جديدة
    أما شروط قيام مجتمع متكامل فهي حسب دويتش :
    أهمية الوحدات إحداها للأخرى.
    اتفاق القيم وتشابه بعض أنواع الثواب الموجودة فعلاً
    التجاوب المتبادل ويقصد به وجود قدرات وموارد هامة تتعلق بالاتصال والإدراك وتوجيه الذات
    وجود درجة معينة من التطابق أو الولاء المشترك
    أما وسائل إقامة المجتمع التكاملي فتتجمع في أربع عمليات وهي
    توليد القيم بمعنى اكتساب السلع والخدمات والعلاقات بين السكان المعنيين
    تخصيص القيم بمعنى توزيعها بين أفراد المجتمع التكاملي
    القمع ويعني القسر سواء العسكري أو غيره
    التطابق ، ويعني تشجيع العمليات و رفع مشاعر الولاء المتبادل وروح الجماعة .
    أما انواع المجتمعات التكاملية عند دويتش فتتلخص في نوعين رئيسيين وهما مجتمع الأمن المندمج ومجتمع الأمن المتعدد .
    ويتم التمييز بين النوعين السابقين على أساس الهدف من التكامل فإذا كان الهدف الرئيس للتكامل ليس مجرد المحافظة على السلام بين الوحدات السياسية المتكاملة وإنما اكتساب قوة أكبر لتحقيق الأغراض العامة المعينة أو اكتساب تطابق مشترك للأدوار أو خليط من ذلك كله فإن من الفضل تكوين ما يسمى بمجتمع سياسي مندمج ذي حكومة مشتركة وإذا كان الهدف الرئيس هو السلام فيكفي تكوين مجتمع أمن متعدد وفي الواقع سيكون تحقيقه أسهل .
    ويوضح دويتش أربع نماذج ممكنة للمجتمع السياسي حسب معياري التعدد والأمن ما بين المجتمع المندمج الآمن والمجتمع غير المندمج الآمن :
    ويرى دويتش أن مجتمع الأمن المندمج هو اوثق هذه المجتمعات تكاملاً كما في بريطانيا ولكن مثل هذا المجتمع لا يضمن بذاته الأمن والسلام الداخلي عبر المواثيق و القوانين بل إن محاولة الحفاظ على هذا المجتمع بالقوة قد تؤدي إلى حرب أهلية واسعة النطاق علىالعكس تماماً مما نشأ هذا المجتمع من اجله وهو تفادي الحرب أساساً كما حدث في الحرب الأهلية الأمريكية عامي 1860- 1861 وحرب الهند وباكستان عامي 1946 – 1947 ومع ازدياد القوة التدميرية للأسلحة في العصر الحديث يصبح المجتمع المندمج غير الآمن أكثر خطراً ومع ذلك فإن مجتمع الأمن المنمج – برغم خطورة فشله – يظل مرغوباً أكثر من بدائله لأنه في حالة نجاحه ى يحقق الأمن والسلام فحسب ولكنه يوفر قوة أعظم لإنجاز الخدمات و الأغراض الحكومية العامة والمحددة وربما يوفر شعوراً أكبر بالشخصية والطمأنية النفسية للصفوة والجماهعير .
    ويقدم كارل دويتش مجموعة من الشروط التي وردت في إحدى الدراسات لقيام مجتمع أمن مندمج وهي :
    التطابق المتبادل بالنسبة للقيم الرئيسية المرتبطة بالسلوك السياسسي.
    أسلوب معيشة مميز وجذاب
    توقعات لروابط اقتصادية قوية ومفيدة او عائد مشترك.
    زيادة ملحوظة في الموارد والقدرات السياسية والإدارية على الأقل بالنسبة لبعض الوحدات المشاركة
    نمو اقتصادي أعلى على الأقل بالنسبة لبعض الوحدات المشاركة
    بعض الروابط الهامة المتصلة الخاصة بالاتصال الاجتماعي عبر الحدود المشتركة للأقاليم المرتقب تكاملها وعبر حوجز بعض الطبقات الاجتماعية الرئيسية داخلها.
    توسيع نطاق الصفوة السياسية داخل بعض الوحدات على الأقل وبالنسبة للمجتمع الناشئ الأكبر ككل
    وجود درجة عالية من سهولة الحركة بين الأشخاص جغرافياً واجتماعياً
    تعدد مجالات تدفق الاتصالات والمعاملات المشتركة
    بعض أنواع التعويض الكلي عن المكافآت في تدفق الاتصالات والمعاملات بين الوحدات المتكاملة.
    وجود معدل معقول من تكرار التداخل في أدوار الجماعات بين الوحدات السياسية
    وجود قدرة كبيرة متبادلة على التنبؤ بالسلوك.
    اما العوامل التي - على العكس من ذلك – تعمل على تفكك مجتمع الأمن المندمج فهي:
    1- أي زيادة سريعة في التعبئة الاجتماعية والمشاركة السياسية بمعدل أسرع من معدل استيعاب المواطنين للثقافة السياسية المشتركة للجميع.
    2- أي زيادة سريعة في الأعباء الاقتصادية أو العسكرية او السياسية في المجتمع أو في إحدى وحداته وبخاصة في المراحل البكرة.
    3- زيادة سريعة في التفرقة الإقليمية أو الاقتصادية او الثقافية او الاجتماعية أو اللغوية أو العرقية بمعدل أقوى وأسرع من أية عملية تكاملية تعويضية
    4- تدهور خطير في القدرات السياسية او الإدارية للحكومة أو الصفوة السياسية بالمقارنة بالمهام والآعباء الحاضرة .
    5- انغلاق نسبي للصفوة السياسية مما قد يؤدي إلى تباطؤ دخول أعضاء جدد وأفكار جديدة وإلى نشوء صفوة مضادة من الأعضاء المحبطين.
    6- فشل الحكومة والصفوة في تنفيذ الإصلاحات المطلوبة والتعديلات المطلوبة أو المتوقعة من قبل السكان في الوقت المحدد أو الفشل في التكيف في الوقت المناسب مع التدهور الوشيك أو فقد بعض مراكز الأقلية البارزة أو المميزة.
    وعلى الرغم من أن تحليل كارل دويتش للتكامل يعتبر تحليلاً استاتيكياً حيث يعتبر التكامل حالة يتحقق فيها مجتمع الأمن المندمج او المتعدد فقد اهتم دويتش بتوضيح مراحل عملية التكامل ويرى أنها تبدأ غالباً حول منطقة نواة تتكون من عدد محدود من الوحدات السياسية الأقوى والأكثر تطوراً وجاذبية للوحدات الأخرى ويوجد بها قائد نشيط موحد كما فعلت بيدمونت في توحيد إيطاليا مثلاً.
    ثم ينشأ عبر التفاعل بين هذه الوحدات مجتمع لا حرب نفسياً يكره فيه شعوب هذه الوحدات وقادتها محاتربة بعضهم بعضاً كما كان الحال في الكانتونات السويسرية في القرن السادس عشر.
    وفي مرحلة تالية تضعف الإنقسامات السياسية البارزة داخل مجتمع الأمن المندمج الناشئ وتنتقل خارج الحدود وتحل محلها اقسامات جديدة تشق طريقها عبر الوحدات والأقاليم السياسية الأصلية وقد تنشأ أحزاب وطوائف سياسية جديدة تعبر عن مصالح متطابقة تجمع بين طائفة من السكان من مختلف أجزاء المجتمع الجديد
    ويؤكد دويتش في هذا المجال على أهمية الوعي الشعبي بالمصالح الإقليمية المشتركة المشتركة والذي يمكن استثارته باستحداث طريقة حياة جديدة زجذابة على المستوى الإقليمي لإعطاء مصداقية لهذه العملية التكاملية ومواجهة التحديات الخارجية كما يؤكد على ضرورة أن يصل جيل جديد مؤمن بالتكامل إلى المسرح السياسي يطور عملية التكامل
    أما الوسائل المتبعة لتحقيق مجتمع الأمن المنمدج فبعضها مفيد في عملية التكامل وبعضها يضر بالتكامل ويدمره ومن الوسائل الناجحة تطوير مؤسسات سياسية محددة واستخدام الرموز وبسط النفوذ في تعيين بعض الأفراد المختارين عمداً في بعض الوظائف السياسية والإدارية وضم كل الاقتراحات و البدائل المتنافسة و توجيهها نجو القضية الكبرى الواحدة وهي الدمج.
    اما الوسائل التي قد تدمر العملية التكاملية فهي الإصرار المبكر على الدمج الكامل أو الجهود المبكرة لإقامة احتكار العنف والغزو العسكري المباشر.
    أما عملية إقامة مجتمع الأمن المتعدد فتعتبر أسهل وتتطلب عمليات أبسط وأهم هذه العمليات هي عدم الاجتذاب المتزايد وقلة احتمال الحرب بين الوحدات السياسية في مجتمع الأمن الناشئ وذلك من وجهة نظر حكوماته ومجموعات الصفة وأخيراً السكان.
    والعملية الثانية هي نشر الحركات الفكرية والعادات المحبذة للتكامل وتهيئة المناخ السياسي لها .
    والعملية الثالثة قد تكون ممارسة وتنمية ممارسة عادات ومهارات الاهتمام المتبادل والاتصال والاستجابة المتبادلة لكي ممكناً الحفاظ على استقلال وسيادة الوحدات المشتركة والمحافظة على التوقعات الثابتة للسلام والتبادل السلمي بينها.
    نقد نظريات التكامل
    تنبع أهمية نظريات التكامل من حيث تركيزها على شق هام من التفاعلات الدولية وهو التعاون والتبادل السلمي في حين يركز معظم منظري العلاقات الدولية والسياسة بوجه عام على عوامل التفكك والثصراع والفوضى في العلاقات الدولية والظواهر السياسية مما يعطي انطباعاً متشائماً عن السياسة وعلومها فتأتي نظريات التكامل الدولي لتكشف بأضوائها تلك الجوانب التعاونية والسلمية من هذه الظاهرة وتدفع الباحثين إلى المزيد من الاهتمام بهذه الجوانب والمساهمة في تكريسها وتعظيمها ولو على المستوى التنظيري.
    ومع ذلك يوجه غلى نظريات التكامل العديد من الانتقادات السلبية وأهم هذه النظريات يقدح في طبيعتها النظرية ذلك أنها اتجهت بالأساس لتفسير متغير تابع غامض ولم تحدد هذا المتغير تحديداص دقيقاً فضلاً عن اختلافها في توضيح ما هو المتغير المستقل الذي يتوقف عليه التكامل واختلفت في ذلك ما بين منظرين يؤكدون على الرشادة والقرار الحكومي (الدستوريون) وآخرين يركزون على المصلحة الجماهيرية (الوظيفيون) وآخرون يركزون على الحاجة إلى الأمن (لاتصاليون) وهي كلها متغيرات غامضة شان متغير التكامل نفسه.
    ولذلك تعتبر نظريات التكامل مجرد وصفات للتكامل لا ترقى إلى مستوى النظرية إلا مجازاً .
    وفي هذا الصدد تعتبر النظرية الاتصالية أقرب هذه النظريات إلى معنى النظرية خاصة وقد اعتمدت على استقراء حالات واقعية محددة للتكامل وأوضحت من خلالها أهداف التكامل وشروطه وانواعه وعوامل استقراره أو انهياره ومراحل تكوينه فانفردت بذلك عن بقية نظريات التكامل بطابع واقعي شمولي أكثر قدرة على التفسير والتعميم والتنبوء وهي وظائف هامة للمنظرين
    ويبدو ان كلاً من النظريات السابق عرضها تقصر عن الإلمام بكل أبعاد ظاهرة التكامل وخاصة النظريات الثلاث الأولى مما يقلل كثيراً من قابليتها للتعميم وتبدو فيها بوضوح آثار الخبرات التي أنتجتها والظروف التاريخية التي أحاطت بمفكريها وحاجات مجتماعاتهم آنذاك فمثلاً النظرية الوظيفية لميتراني جاءت لتواكب بتطلعاها المثالية دعوات الحكومة العالمية والمنظمات الدولية الكبرى كما انتقدت التكامل الإقليمي بعتباره مدخلا لنقل الصراع من مستوى الدول إلى مستوى الأقاليم وهو تخوف مفهوم في ظل الخبرة الأوربية عن الأحلاف التي كانت مرتبطة بتفجر الحروب لأكثر من قرن ومنها الحربان العالميتان الأولى والثانية كطما ترتبط الوظيفية الجديدة بالمجتمع الغربي الذي تتضح فيه التمايزات الاجتماعية والسياسية ونضجت فيه جماعات المصالح والجماعات الوسيطة والرأي العام بحيث تشكل ضابطاً وموجهاً للسياسات الخارجية للدول الغربية يدفعها نحو التكامل والتعاون عبر القومي وهو ما لا يتضح في دول الجنوب بنفس الدرجة.
    وثمة انتقاد عام يوجه إلى نظريات التكامل السابقة وهو تعويلها الدائم على عنصر المصلحة القومية اتو مصلحة النخب كدافع للتكامل وهو فضلاً عن غموض الممفهوم وعدم تحديد مصلحة من بالتحديد وفي أي مجال وفي أي ظرف يرتبط بالتسليم الضمني برشادة صانع القرار وهو أمر أصبح محل شك ونقد خاصة من نظريات صنع القرار والإدراك وينطبق هذا الانتقاد بدرجة اكبر على النظرية الدستورية في التكامل.
    وبالنسبة إلى النظرية الدستورية الاتحادية خاصة فإنه فضلاً عن نقد مفهوم المصلحة ومفهوم الرشادة المرتبط به ضمنياً كما سبق يمكن القول إن القرارات الوحدوية لا تحقق بذاتها التكامل المنشود والأمن بين الوحدات المتكاملة وقد أثبت ذلك العديد من الحروب الأهلية وانهيارات الوحدات السياسية التي نشأت بقرارات فوقية كما أوضح ذلك أنصار نظرية الاتصال.
    وبالنسبة للنظرية الوظيفية فقد انتقدها كل من الوظيفيين الجدد والاتصاليين وخاصة ما يتعلق بالفصل بين السياسة الدنيا والعليا وافتراض الانتقال من التكامل على المستوى الوظيفي غلى المستوى السياسي تلقائياً كما انتقدت من حيث افتراضها بإمكانية اقتطاع أنشطة معينة من أنشطة الدول المتكاملة دون أن يتأثر ذلك بالقرارات السياسية التي قد تعوق التكامل الوظيفي نفسه أو أن يؤثر ذلك التكامل الوظيفي في السياسة العليا مما قد يهدد بإيقافه من جانب القيادات
    وأخيرا؟ً بالنسبة إلى النظرية الوظيفية الجديدة كان من أهم الانتقادات الموجهة إليها فضلاً عن ارتباطها بخبرة معينة هي الخبرة الليبرالية الديمقراطية افتراضها إمكانية انتقال الولاء من الدولة إلى المنظمة الإقليمية وهذا إن كان قد حدث في الجماعة الأوربية لدى أفراد فهو لم يحدث بعد على مستوى اجتماعي واسع ولا زالت القوميات الأوربية المختلفة داخل الجماعة الأوربية تتمسك بهويتها المستقلة بل وتتفجر فيها حركات تؤكد هذا الاستقلال وتعارض الانصهار.

















    نظريات التكامل وخبرات التكامل العربية كحالة للدراسة
    بالنظر إلى الواقع العربي في ضوء مقولات نظريات التكامل السابق عرضها نجد أن أياً من هذه النظريات لم تنطبق على العالم العربي تماماً فلم تقم بعد أية وحدة تكاملية بين الدول العربية على المستوى الإقليمية العام مستقلة عن إرادة قيادات هذه الدول وهو الشرط الذي يميز التكامل عن مجرد التعاون والتنسيق ومع ذلك فقد تمت بالفعل تجارب جزئية بين دولتين أو أكثر بين الدول العربية يمكن اعتبارها متوافقة مع بعض تلك النظريات وفي صدد دراسة خبرات التكامل العربي كحالة دراسية لنظريات التكامل. تثور ثلاثة أسئلة محورية حول : الكيفية التي ربما كان منظروا هذه النظريات سيقومون بها الواقع العربي وفقاً لمقولاتهم وحول مدى قوة تلك النظريات في تفسير الخبرة التكاملية للعالم العربي
    ثم خصوصية السياق العربي لعملية التكامنل ودلالتها لنظريات التكامل
    وللإجابة عن التساؤل الأول يمكن تصور اكثر من طريقة للتعامل مع الواقع العربي تتنوع بتنوع نظريات التكامل السابق عرضها :
    1- فمن وجهة نظر المدرسة الدستورية – وهي من أكثر نظريات التكامل ارتباطاً بالمنظور التقليدي في العلاقات الدولية يتصور أن ينصب تركيز دارسيها على عدة أمور أساسية للحكم على فرص التكامل العربي وهي:
    1 – المصلحة القومية لكل من الدول العربية وهي حسب هذا المنظور مصلحة واحدة متفق عليها يمكن إدراكها من خلال قيادات الدول التي يجتمع حولها الجماهير وتعبر عن مصلحتهم العامة تقليديا وتبين ما إذا كانت هذه المصلحة القومية للدول العربية تجتمع على التكامل مع الدول العربية الأخرى وفقاً لمعيار الرشادة وهو يعني حساب العائد في مقابل النفقة في ظل معلومات وافية عن الواقع العربي
    2- مدى تشبع النخب السياسية في الدول العربية بقيم الوحدة والتكامل واستعدادهم للتضحية بسيادات دولهم من أجل المصلحة القومية العليا المشتركة في ضوء التقدير العام للمكاسب المترتبة علىالتكامل عقلانياً
    3- مدى تغلغل القيم التكاملية / الوحدوية لدى الجماهير العربية
    وعن طريق الإلمام بهذه العناصر يمكن الحكم من منظور النظرية الاتحادية على احتمالية قيام تكامل/ وحدة ما بين الدول العربية أو بين بعضها من عدمه
    ب-اما من وجهة نظر النظرية الوظيفية فغنها سترشح للدول العربية طريقة للتكامل تتفق مع مقولاتها وهي الفصل يسن مسائل السياسة الدنيا ومسائل السياسة العليا وستنصح شعوب هذه الدول ونخبها الاقتصادية بالتعاون في المجالات الفنية المختلفة لإحاطة سلطات هذه الدول السياسية بشبكة قوية من التفاعلات الوظيفية التي تجعل التعاون أمراً مرغوباً أكثر من الصراع وبقدر ما تنجح هذه العلاققات الوظيفية فإنها من ناحية تتوسع وتطول مجالات أخرى ومن ناحية أخرى تخرج من سلطة النظمة السياسية لصالح النظام الإقليمي وهكذا إلى أن يتحقق التكامل العربي تماماً
    وفي هذا المجال يمكن تصور ان يعمل الوظيفيون على قياس حجم التفاعلات الاقتصادية والفنية المتخصصة في العالم العربي عبر الدول العربية سواء فيس شكل علاقات ثنائية بين كل دولتين أو في شكل إقليمي عام كما في المنظمات الوظيفية العربية المنبثقة عن النظام الإقليمي العربي وقياس مدى فاعلية هذه التنظيمات وآثار هذه العلاقات على الجماهير العربية لمعرفة ما إذا كانت مغرية بتكثيف التعاون بين الدول العربية وقابلة لانفصال عن سيطرة النظم السياسية العربية لصالح النظام الإقليمي العربي وترشيح أكثر المجالات وأكثر الدول قابلة للتكامل .
    ج _ أما الوظيفيون الجدد فسوف يصرفون بحثهم إلى استكشاف القوى المختلفة المؤثرة المختلفة في صنع القرار في الدول العربية واستقراء خبراتهم و توجهاتهم فيما يتعلق بالتكامل العربي ومن ثم فسوف يتناول بحثهم النخب السياسية الحكومية وغيرها والأحزاب وجماعات المصالح ورجال الأعمال وغيرهم ممن يشتركزن في صنع القرار الجمعي العربي ويؤثرون فيه كل ذلك فضلا عن العلاقات والتنظيمات الوظيفية التي تجمع بين الدول العربية على مستوى السياسات الدنيا
    وبقدر ما تبدو قيم تلك القوى الفاعلة في الدول العربية متجهة نحو التكامل محققاً للمصلحة القومية المشتركة وبقدر اقتناعهم بأهمية تحويل ولاءتهم الوطنية إلى الولاء الإقليمي العربي و أن مؤسسات التكامل العربي العامة ستشبع مصالحهم بدرجة أعلى من مؤسسات دولهم بقدر ما يتحقق ذلك يعتبر الوظيفيون أن التكامل أقرب إلى التحقيق أي إن الوظيفيين سيركزون على الصراع والخلاف في المصالح بين القوى السياسية المختلفة في الدول العربية ومعرفة ما إذا كان اتجاه هذا الصراع في صالح التكامل أم القطرية مع الاهتمام بالعامل القيمي في تهيئة المناخ السياسي للتكامل عبرالمجالات الوظيفية المختلفة و الذي قد يظهر في استطلاعات الرأي العام وكتابات المثقفين والخطاب السياسي للنخبة .
    د – وأخيراً فإن أنصار النظرية الاتصالية سوف يحاولون استكشاف مدى توافر شروط قيام مجتمع تكاملي في العالم العربي ما هي أهمية الوحدات إحداها للأخرى ومدى اتفاق القيم وتشابه أنواع الثواب والتجاوب المتبادل والتطابق أو الولاء المشترك ثم يحاولون تبين مدى فعالية وسائل لإقامة هذا المجتمع وهي توليد القيم وتخصيصها والقمع والتطابق ومن خلال مقارنة هذه الشروط و الوسائل والواقع العربي يمكن للاتصاليين الخلوص إلى نتيجة بارتفاع فرص التكامل العربي أو انخفاضها.
    وفي هذا الصدد تبدو النظرية الاتصالية اكثر نظريات التكامل تحديداً في تقييم الواقع وذلك لاستنادها إلى العديد من الشروط الإجرائية في تعريف التكامل وعوامل قيامه وعوامل انهياره.



    حدود القوة التفسيرية لنظريات التكامل في الواقع العربي
    إن نصيب كل من نظريات التكامل يبدو متفاوتاً في القدرة على تفسير الخبرة التكاملية في الواقع العربي .
    فمن ناحية تفترض النظرية الاتحادية / الدستورية أن قيام التكامل يتم وفقاً لقرارات النخبة الحاكمة في كل من الوحدات المتكاملة بناءاً على حسايبات رشيدة للمكاسب والخسائر او التكاليف وفي ظل تيار وحدوي يسود النخبة والجماهير وفي الواقع فقد حدثت مثل تلك الوحدة في العالم العربي ولكن في حالات محدود من حيث من حيث العدد ومن حيث الانتشار الجغرافي وأيضاً من حيث درجة النجاح وكان أبرز هذه الحالات الوحدة المصرية السورية عام 1958 والوحدة اليمنية عام 1990 ولم تحدث مثل هذه الوحدة على مستوى عربي عام برغم وجود مقومات التكامل العربي وأهمها على الإطلاق العوامل الثقافية وكذلك لم تنجح هاتان الوحدتان في التطبيق العملي لهما فقد انفصلت سوريا عن مصر في أواخر الستينات على أثر تغيرات سياسية داخلية ونشبت الحرب الأهلية في اليمن عام 1994 بسبب الخلاف على توزيع مكاسب الوحدة الوليدة وهذا يقدح بقوة في فرضية النظرية الدستورية القائلة بأن هذا النوع من الوحدة يحقق الأمن المتبادل للدول المتكاملة كما يقدح أيضاً في الفرضية الكامنة في هذه المدرسة حول رشادة القادة السياسيين ودقة حساباتهم للمكاسب والتكاليف خاصة في البعد المستقبلي لهذه الحسابات .
    ومن ناحية أخرى تعتبر المدرسة الوظيفية أضعف نظريات التكامل عند تطبيقها على الواقع العربي للعديد من الأسباب التي اهمها الطبيعة الشخصية للأنظمة السياسية العربية والتي تجعل الفصل بين السيسة العليا والسياسة الدنيا شبه مستحيل في العالم العربي وتدني مستوى الوعي السياسي والاقتصادي والثقافة لدى الجماهير العربية وتفشي الأمية والسلبية في أغلب الدول العربية بما فيها الدول العربية الأكثر قدماً ونمواً كمصر وسوريا و العراق مما ينعكس بدوره على مستوى المشاركة السياسية للجماهير العربية بالسلب يضاف إلى ذلك العوامل الخارجية التي تجعل التكامل الوظيفي بين كل دولة عربية والدول الكبرى في النظام الدولي أقرب من التكامل بين الدول العربية ذاتها ولا سيما أن الدول العربية جميعها دول متخلفة اقتصادياً وتكنولوجياص مما يجعلها في وضع لا تستفيد فيه إحداها من الأخرى في تلك المجالات الوظيفية بالمقارنة بما يمكن الاستفادة به من التعاون مع العالم الخارجي غير العربي.
    ومن ناحية ثالثة فإن النظرية الوظيفية الجديدة تعاني في تطبيقها على العالم العربي ما تعاني منه الوظيفية في هذا المجال و لا نستطيع أن نفسر لماذا لا يتحقق التكامل العربي بالرغم من وجود مؤسسات التكامل وقراراته الهائلة في العالم العربي متجسدة في جامعة الدول العربية والتي بلغ عددها نحو ستة وتسعين اتحاداً في مطلع الثمانينات وتغطي المجالات المهنية والثقافية والعلمية والتربوية والعمالية والنقابية والاقتصادية والاجتماعية والرياضية و الإعلامية والاتصالية والسياحية فضلاً عن خبرات اللجان المشتركة التي تعمل على التنسيق بين كل دولتين أو أكثر في مجالات وظيفية وأخيراً تجربة التجمعات الإقليمية التي يصعب العثور على أي أثر للمنحى الوظيفي في التحول إليها ويظهر فحص دوافع قيام التجمعات الإقليمية العربية وآليات العمل بها أن التحول في مسار النظام العربي نحو هذه التجمعهات لا علاقة له بالمنهج الوظيفي
    فقد اختلفت دوافع قيام التجمعات الثلاث ودوافع الدولا الأعضاء فيها فمجلس التعاون الخليجي نشأ لمواجهة القضايا الأمنية التي أثارها اندلاع الثورة الإيرانية ثم نشوب الحرب العراقية الإيرانية وتحمست السعودية لقيامه لأنها وجدت في الظروف القائمة آنذاك مناخاً مواتياً لدعم نفوذها الإقليمي بعد انشغال كل من العراق وإيران في الحرب وشجعت الولايات المتحدة على قيامه لدعم مكانة القوى المحافظة في العالم العربي وخلق شروط أفضل للتحركات الاستراتيجية والأمنية للولايات المتحدة في المنظقة أما اتحاد المغرب العربي فقد نشأ أساساً لدعم المركز التفاوضي للشمال الأفريقي في مواجهة مشروع السوق الأوربية الواحدة عام 1992 ووجدت فيه ليبيا فرصة للخروج من عزلتها النسبية على الصعيدين الإقليمي والعالمي أما مجلس التعاون العربي فقد نشأ كرد فعل لتكوين المجلسين الآخرين وتفاوتت دوافع أطرافه وإن التقت كلها على طريق التكتل والتجمع فهو بالنسبة للعراق يعني مزيداً من العزلة للنظام السوري واحتياطياً استراتيجياً في حالة تجدد القتال مع إيران اوربما تصور إمكانية دعمه لدى غزوه للكويت وهو بالنسبة إلى مصر وسيلة لإنهاء العزلة العربية وفرصة لاختبار قدرتها على التحرك عربياً دون التخلي عن اتفاقات كامب ديفيد أما الأردن فقد كانت أكبر المستفيدين بعد تآكل دورها في النظام العربي .
    وهكذا فإن هذه التجمعات الإقليمية برغم أنها كما أعلن نشأت لتعالج أغراضاً وظيفية مختلفة فإنها تجمعات كان دافع السياسة العليا كامناً فيها بدرجة أو بأخرى سواء الدافع الأمني بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي أو السياسي بالنسبة للمجلسين الآخرين .
    ومع ذلك فلم يؤت أي من هذه التجمعات ثمارها الأمنية و لا الاقتصادية و لا الاستراتيجية فقد احتل العراق الكويت عام 1990 ولم تستطع دول مجلس التعاون الخليجي الدفاع عن الكويت وطرد المحتل وتزايد الوجود الغربي على أراضيها على أثر ذلك اما اتحاد المغرب العربي فلم يستطع دعم قدرات دوله الاقتصادية والتكنولوجية في مواجهة الجماعة الأوربية وذلك لأسباب هيكلية تتمثل في تدني المستوى الاقتصادي والتكنولوجي في هذه الدول واعتمادها على تصدير المواد الخام فضلاً عن العوامل السياسية الداخلية والخارجية مثل الحرب الأهلية الجزائرية أما مجلس التعاون العربي فقد انهار بعد أشهر قليلة من إنشائه بسبب الغزو العراقي للكويت
    ويلاحظ ان أياً من هذه التكتلات لم يبدأ بانتهاج سياسة تكاملية على أسس وظيفية فلم يتم اختيار قطاع محدد من قطاعات النشاط الإنتاجي أو الخدمي لاستخدامه كقاعدة للعمل المشترك باتجاه التكامل.
    أما الأبنية المؤسسية لهذه التجمعات فلا يمثل أي منها تطويراً يذكر للبناء المؤسسي لجامعة الدول العربية فالإطار المؤسسي لصنع القرار واحد بما يتضمنه من غياب دورالمنظمات غير الحكومية وغياب سلطة فعلية لمؤسساتها تمكنها من فرض إرادتها على الدول الأعضاء ,
    وهكذا فإن التكامل العربي لم يتحقق لأسباب عديدة لم تعالجها الوظيفية الجديدة لأنها بالأساس استقت مقولاتها من واقع مختلف عن الواقع العربي وهو الخبرة الأوربية في التكامل وأهم هذه الأسباب الطبيعة الشخصية للنظم السياسية العربية والعوائق الخارجية وتدني مستوى الوعي الجماهيري .
    واخيراً وفيما يتعلق بالنظرية الاتصالية فلا يدل استقراء الواقع العربي على وجود مجتمع أمن عربي مندمج أو تعددي ونظرة واحدة إلى الحدود العربية توضح أنه لا توجد دولتين عربيتين إلا وبينها نزاع حدودي تختلف درجة حدته .
    اما شروط قيام مجتمع تكاملي بين الدول العربية فتختلف في درجة تحققها وإن كانت أكبر على المستوى القيمي .
    المراجع
    كارل دويتش ، تحليل العلاقات الدولية ، ترجمة شعبان محمد محمود شعبان ، القاهرة الهيئة العامة للكتاب ، 1983.
    فيليب حتي ، النظرية في العلاقات الدولية بيروت 1993
    Michael Hodges, Integration theory, in
    Trevor Taylor, Approach and theory in international relations, London : Longman , 1980.
    J. S. Nye , Pece in parts: integration and conflict un regional organization, Boston : Little Brown Co., 1971.
    جميل مطر و علي الدين هلال ، النظام الإقليمي العربي، بيروت مركز دراسات الوحدة العربية ، 1983.

إدارة الجودة الشاملة من منظور إسلامي

  • Alkasd my other blog
  • إدارة الجودة الشاملة من منظور إسلامي
    مقدمة
    لعل السمة الأساسية المميزة للإسلام هي شموليته لكافة أبعاد الحياة الإنسانية هذا الشمول الذي اشارت إليه الآية الكريمة : ] ونزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء[ وإلى جانب شموليته جاء الإسلام ديناً كاملاً متكاملاً لهداية البشرية فقد قال تعالى: ]اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً[. فأعلن الله تعالى للمسلمين إكمال العقيدة، وإكمال الشريعة معاً، اللذين يكونان معاً جوهر الدين وهذا الكمال يعني كفاية الكتاب والسنة كمنهاج حياة للمسلم لذلك كان لابد من الحرص على معرفة النظرة الإسلامية في ميادين الحياة العملية لتأسيس اتجاه يتنامى بحيث تشكل النظرة والأصول الإسلامية زاداً مستمراً وتطويراً دائماً للمسلم في المجالين العلمي والعملي وإذا كان العديد من النظريات والمناهج الحديثة قد تطور في الغرب فإن المشاركة الجادة والحوار حول هذه النظريات من منظور خبرات حضارية مختلفة يثري هذه النظريات ويبتعد بها عن التمحور حول الذات والنظرة أوربية التمركز.
    ولا يمكن الاحتجاج بدعوى العصرية والحداثة لنبذ الأصول الشرعية الإسهامات والخبرات الحضارية التي قدمتها الحضارة العربية الإسلامية فالإسلام فتح باب الاجتهاد حيث قدم إلى جانب الأحكام التفصيلية التي جاءت لتبقى كما هي، المبادئ الكلية التي جاءت لتكون هي الإطار الذي تنمو في داخله الحياة البشرية إلى آخر الزمان، دون أن تخرج عليه، إلا أن تخرج من إطار الإيمان،والله الذي خلق الإنسان ويعلم من خلق، هو الذي رضي له هذا الدين، المحتوى على هذه الشريعة، فلا يقول إن شريعة الأمس ليست شريعة اليوم، إلا رجل يزعم لنفسه أنه أعلم من الله بحاجات الإنسان وبأطوار الإنسان".
    وفي دائرة العفو هذه اجتهد المسلمون ولا يزالون مطالبون بالاجتهاد في إطار المبادئ الكلية لتحقيق مقتضيات خلافة الإنسان لله تعالى في الأرض والعمل على تعميرها .
    وعلى الجانب الآخر فقد زاد التأكيد على الجودة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وشهد اهتمام بالجودة نقلات نوعية من رقابة الجودة إلى تأكيد الجودة إلى أن أصبحت الجودة مدخلاً إدارياً شاملاً يوجه اهداف وسياسات وإجراءات وعمليات المنظمة الإدارية بكاملها بما تتضمنه من موارد بشرية ومدخلات و مخرجات في شكل سلع أو خدمات فيما أصبح يعرف بإدارة الجودة والشاملة.
    وعليه تسعى هذه السطور لاستكشاف بعض أبعاد مفاهيم إدارة الجودة الشاملة من المنظور الإسلامي بتأصيلها من المصادر الإسلامية من الكتاب والسنة والتعرف على إسهامات الفكر الإسلامي في هذا المجال وما قدمه المسلمون من خبرات عملية في المجتمعات العربية والإسلامية فأدى هذا كله إلى تبلور رؤية خاصة للفكر الإداري تتسم بخصائص متميزة.
    وعليه يمكن طرح بعض جوانب المنظور الإسلامي إدارة الجودة الشاملة من خلال معالجة النقاط التالية :
    أولاً: خصائص الإدارة في المنظور الإسلامي
    ثانياً: مداخل دراسة الجودة في المنظور الإسلامي
    ثالثاً : الإطار المفاهيمي لإدارة الجودة الشاملة
    رابعاً: أبعاد الجودة في المنظور الإسلامي
    - ثقافة الجودة في المنظور الإسلامي
    - الولاء للجودة
    - المشاركة
    - العمل الجماعي
    -الاستقلالية والحرية
    - الرقابة على الجودة
    - تحسين الجودة
    - جودة بيئة العمل
    - ثقافة الجودة في خبرة الحضارة الإسلامية
    خامساً : دور القيادة في إدارة الجودة الشاملة
    سادساً: من عمليات الجودة الشاملة ( فرق العمل)




    أولاً: خصائص الإدارة في المنظور الإسلامي
    إن كمال الشريعة وتمام الدين الإسلامي جعل الإدارة التي تستند على أصليه الأساسيين القرآن والسنة تمتاز بالعديد من الخصائص والسمات التي تميزها عن غيرها من المذاهب والممارسات الإدارية .
    فقد لقيت الإدارة من الشريعة الإسلامية كل اهتمام سواء من حيث وظائف الإدارة – التنظيم والتخطيط والرقابة والتدريب وغيرها من الوظائف أو من حيث نطاق العمل الجماعي السليم لدى الفرد المسلم فاستطاع الإسلام تكوين الفرد المسلم العامل المتحفز للعمل المنتج الهادئ النفس والمستقيم الضمير وكان هذا الفرد نتاج الخصائص المتميزة للإدارة الإسلامية التي يمكن الإشارة إلى بعضها فيما يلي:
    الإدارة الإسلامية تقوم على الجدارة والكفاءة والأخلاق
    فهي تستند على القرآن والسنة وقد بين العديد من الآيات والأحاديث مكانة الكفاءة والجدارة والأخلاق التي لابد من توافرها في الفرد المسلم، فاهتمام الإسلام بتربية وإعداد الفرد المسلم جعل الرسول يقضي الفترة الأولى من بعثته في إعداد الفرد المسلم كخطوة أولى لبناء المجتمع الإسلامي بكافة نظمه الإجتماعية ومنها نظامه الإداري فحث الإسلام على العمل وجعله أساس الاقتصاد الإسلامي واهتم بإعداد وتربية العامل بحيث يصبح مهيئاً للعمل ويتكفل الإسلام بإيجاد العمل له فلا يصبح عالة على المجتمع الإسلامي وإنما فردا ذا قدرة عملية بجانب الصدق والأمانة والإخلاص كما أقر الإسلام بقيمة العمل والعامل.
    كما سبق الإسلام إلى تقرير نظام الكفاءة والجدارة وطبقه في عهوده الزاهية واهتم بأخلاقيات العامل المسلم فاعتبر الإسلام الأمانة الركن الثاني في إسناد التكليف إلى الأفراد فربطت الإدارة الإسلامية بين الإنسان كعنصر منتج في العمل وبين سلوكه وبيئته الإسلامية وهذا يعكس بوضوح ارتباط المنظمات الإدارية في الفكر الإسلامي بعقيدة المجتمع الإسلامي وأخلاقه وهذا الارتباط يجعل المنظمات الإدارية في المجتمع الإسلامي تسعى لتحقيق العدل بين العاملين وتنفيذ أوامر الله تعالى الذي أنزل في محكم كتابه " إن خير من استأجرت القوي الأمين" وتنفيذ أمر النبي الكريم " من ولي من أمر المسلمين شيئاً فولى رجلاً وهو يجد من هو أصلح منه فقد خان الله ورسوله " وقوله عليه الصلاة والسلام "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته " وقوله " من ولاه الله من أمر المسلمين شيئاً فاحتجب عن حاجتهم احتجب الله عنه يوم القيامة " وقوله " المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف"
    وهذا الارتباط بين المنظمة الإدارية والعقيدة هو ما نمى الرقابة الذاتية لدى العامل والموظف السلم فالسلم في المنظمة الإدارية يرعى الله تعالى ويخافه في كل عمل يؤديه خلال وظيفته ويدرك أن هناك رقيباً أعلى هو الله تعالى لذلك وفي هذا المنظور يصعب وجود تلك الفروق الكبيرة والتعارض الكبير بين التنظيم الرسمي والتنظيم غير الرسمي
    وهذه المبادئ تواتر التأكيد عليها في كتابات رواد الفكرالإداري مثل الماروردي وابن تيمية وغيرهم حيث ربطت الإدارة بنظام الجدارة والكفاءة والاعتماد على الأخلاق والارتباط بالعقيدة.
    الإدارة الإسلامية تقوم على الشورى
    للشورى مكانة خاصة في الإسلام في كل شئون الحياة وبلغ من اهتمام الإسلام بالشورى أن أصبحت ركناً من أركان الإدارة وكيف لا وقد استشار النبي صلى الله عليه وسلم - وهو المعصوم - أصحابه وقال لأبي بكر وعمر لو اجتمعتما على رأي ما خالفتكما وورد عنه ( ص ) أنه قال "ما خاب من استخار و لا ندم من استشار " وقد كان اهتمام النبي ( ص) بالشورى مبني على التوجيه الإلهي حيث قال تعالى " واستغفر لهم وشاورهم في الأمر " ومدح الله تعالى عباده المؤمنين بأنهم " أمرهم شورى بينهم ومما رزفناهم ينفقون" واستجابة لهذا الهدي يقرر الخليفة عمر بن الخطاب أنه " لا خير في أمر أبرم من غير مشورة" وقال الإمام علي " نعم المؤازرة المشاورة وبئس الاستعداد الاستبداد وقد خاطر من استغنى برأيه" والشورى تعني استطلاع الرأي في كل ما يهم الجماعة فالشورى فريضة من فرائض الإسلام و لاتقتصر على المجال السياسي وحسب حيث أن نص أمرهم شورى بينهم نص مكي أي قبل قيام الدولة فهو طابع أعم من طابع الدولة في حياة المسلمين فهو طابع الجماعة الإسلامية في كل حالاتها إنه طابع ذاتي للحياة الإسلامية وسمة مميزة لجماعة المختارة لقيادة البشرية وهي من ألزم صفات القيادة
    والشورى تطبق ما تؤكد عليه نظريات الإدارة من ضرورة إشراك العامل في الرأي وصنع و اتخاذ القرار في كل ما يتعلق بشئون المنظمة التي ينتمي إليها الموظف والعامل. فالإدارة الشورية تدفع الفرد العامل في الإدارة إلى العمل والمشاركة في مسئولية المنظمة الإدارية كما تجعل القياديين في المنظمة يلتزمون بهذا النمط والأسلوب من الإدارة وذلك لاعتبار الشورى فريضة فرضها الله تعالى على المجتمع.
    كما أن الشورى تقدم وسيلة فعالة للتغلب على الصراعات التي تثور داخل المنظمات الإدارية بإشراك كافة العاملين فيها في اتخاذ القرار.
    الإدارة الإسلامية تهتم بالحاجات الروحية والنفسية والمادية للإنسان
    أقام الإنسان توازناً محكماً بين الروح والجسد وبين المطالب النفسية والاجتماعية والمادية وفي هذا السياق يمكن فهم أمر الله تعالى " وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنسى نصيبك من الدنيا " كما امر النبي ص بهذه الموازنة عندما قرر " إن لنفسك عليك حقاً وإن لبدنك عليك حقاً "
    فرفق الإسلام بالإنسان العامل وأمر بعدم تحميله ما لا طاقة له به او تكليفه فوق طاقته " لا يكلف الله نفساً إلا وسعها" لذلك يقل التنافس بين العامل وصاحب العمل لأنهما جميعاً يعلمان أمر الله بتلك الموازنة وتقيدهما شرائع الإسلام وهو ما يجعل الإدارة في الإسلام تهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية وذلك بتحديد اّلأجر العادل له الذي يوفر له سبل العيش الكريم
    الإدارة الإسلامية إدارة ذات مسئولية رعاية وسلطة مطاعة
    فالسلطة والمسئولية وجهان لعملة واحدة وقد حدد الإسلام معالم السلطة والمسئولية فقال النبي (ص) كلكم راع وكلكم وسئول عن رعيته " وحدد الله تعالى نطاق المسئولية في قوله عز وجل " لا يكلف الله نفساص إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت" وقال عليه الصلاة والسلام "اسمعوا وأطيعوا ولو أمر عليكم عبد حبشي" " وعلى المرء السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية"
    الإدارة الإسلامية تتسم بالرقابة الذاتية
    الرقابة هي إحدى الوظائف الإدارية التي يقصد بها التزام الأفراد في المنظمة بالطريق الواجب سلوكه في أداء العمل لضمان سير المنظمة وفق الخطط المرسومة و لا يعني هذا ان الرقابة لابد أن تكون رقابة لاحقة على النتائج بل الرقابة يمكن أن تكون خلال الأداء تلافياً للأخطاء من البداية وقد عرفت الحضارة الإسلامية أنواعاً مختلفة من الرقابة فقد وجه القرآن للرقابة عندما أمر المسلمين " ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض و لا يصلحون" كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه وإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" وقد تبلورت مفاهيم الرقابة الاجتماعية في مؤسستين هامتين هما الحسبة وولاية المظالم اللتين مثلتا أدوات الراقبة الشاملة إلا أن الإسلام اهتم بتنمية أهم وأدق وأضمن أنواع الرقابة وهي الرقابة الذاتية التي تعي رقابة الفرد المسلم على سلوكه وضبطه وفق تعاليم الشريعة الإسلامية السمحة وكذلك رقابة المجتمع ككل على تصرفات أفراده وهذه الرقابة تعتمد على يقظة الضمير وصحوته وربط ذلك الضمير بخالقه سبحانه وتعالى في السر والعلن وتؤدي هذه الرقابة إلى تنمية السلوك السليم وأخلاقيات العمل القويمة من خلال التناصح بين المسلمين بالائتمار بالمعروف والتناهي عن المنكر فقد قال الله تعالى " ولتكن منكم أمة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون"
    - ومن السمات المميزة للإدار ة الإسلامية أنها إدارة تحقق المساوة فالعمل وحده هو وسيلة التفاضل وهو حق وواجب على كل مسلم كما أنها إدارة تدفع روح الابتكار والمباداة على نحو ما سيتم تفصيله.

    ثانياً: مداخل دراسة الجودة في المنظور الإسلامي
    (أ) المدخل الفقهي (قواعد الاستنباط )
    إن كمال الإسلام وشموليته لجوانب الحياة المختلفة لا يعني أن أدلته من القرآن والسنة تتناول جميع التفاصيل وتستوعب كل الصور والأحوال، فهذا غير متصور، ولكن أصول الفقه علم كامل فيه أسس الاجتهاد وضوابط القياس وفي أصول الفقه تتم دراسة الأدلة مع الأدلة من حيث ثبوتها وحجيتها ودلالتها، وفيه الاستفادة من الأدلة بمعرفة طرق الاستنباط، وأحوال النصوص، وتعارض الأدلة، وأما حال المستفيد فالمراد به معرفة الاجتهاد وشروطه ونحو ذلك ومن فوائده التمكن من معرفة الحكم الشرعي للحوادث والقضايا والأفعال التي تستجد بحسب الزمان والمكان فما لم يرد نصاً من القرآن والسنة فقد يؤخذ الحكم قياساً على أحكام وردت فيها، وقد يكون في المسألة إجماع ونحو ذلك، بحيث لا تنـزل نازلة ولا تكون حاجة إلا ويمكن من خلال الأدلة والأصول الوصول إلى حكمها.
    (ب) المقاصد الشرعية والقواعد الفقهية:
    إن الأحكام والتشريعات لها أهداف وغايات، والغايات الكبرى عامل مشترك لكثير من الأحكام، ومن ثم سميت بالمقاصد الشرعية، وهي : وهي المعاني الغائية التي اتجهت إرادة الشارع إلى تحقيقها عن طريق أحكامه ، وقال الشاطبي :" الأعمال الشرعية ليست مقصودة لأنفسها وإنما قُصد بها أمور أخرى هي معانيها، وهي المصالح التي شرعت لأجلها".
    كما أن الأحكام التفصيلية في دائرة معينة يمكن أن تندرج تحت قاعدة كلية تعبّر عن الأساس الذي تضمنه الحكم، ومن ثم سميت بالقواعد الفقهية، والقاعدة الفقهية هي قضية شرعية عملية كلية يُتعَرفُ منها أحكام جزئياتها .
    ومن خلال فهم المقاصد ومعرفة القواعد مع ما سلف من العلم بأصول الاجتهاد والاستنباط، تتشكل الآلية العملية المستمرة القادرة على استيعاب المستجدات والتعامل معها وإعطائها الأحكام الشرعية المناسبة .
    المدخل الثالث : المدخل الواقعي :
    قال الخطيب البغدادي :" إن الفقيه يحتاج أن يتعلق بطرف من معرفة كل شيء من أمور الدنيا والآخرة، وإلى معرفة الجد والهزل، والنفع والضر وأمور الناس الجارية بينهم والعادات المعروفة منهم " واستناداً إلى ذلكى فإنه ينبغي لأهل العلم أن تكون معرفتهم الواقعية المعاصرة معرفة جيدة ومتواصلة ليكون أقدر على تصور المسائل وحسن الإجابة عليها .
    إن هذا العصر عصر التخصص الدقيق الذي استقلت فيه العلوم بعضها عن بعض، وتفرع كل علم إلى أقسام أكثر تخصصاً، وما يزال العصر يفرز تخصصات جديدة تنتمي لأمهات العلوم، بل يحمل لنا علوماً جديدة مستقلة، ولما كان الحكم على الشيء فرع عن تصوره كان لابد عند التعرض لبيان حكم أو نظرة الإسلام اتجاه علم أو تخصص أو نظرية بعينها أن تتم المعرفة الخاصة بذلك .
    قال ابن القيم :"والواجب شيء والواقع شيء، والفقيه من يطبق بين الواقع والواجب" وبّين الجويني أن الناس يفزعون عند معرفة أحوال الناس وتقديم بعضهم على البعض إلى الاختصاصات ودقائق الزيادات في حسن الفضل وكمال الحال ". (المعيار المعرب 6/351).
    إذا كان من المقرر بداهة أن طبيعة الاجتهاد: عقل متفهم ذو ملكة مقتدرة متخصصة، ونص تشريعي مقدس يتضمن حكماً ومعنى يستوجبه، أو مقصداً يستشرف إليه، وتطبيق على موضوع النص أو متعلق الحكم، ونتيجة متوخاة من هذا التطبيق: فإن كل أولئك يكون نظرياً ما لم تكن الواقعة أو الحالة المعروضة قد دُرست درساً وافياً، بتحليل لعناصرها، وظروفها وملابساتها، إذ التفهم للنص التشريعي يبقى في حيز النظر، ولا تتم سلامة تطبيقه إلا إذا كان ثمة تفهم واع للوقائع بمكوناتها وظروفها، وتبصّر بما عسى أن يسفر عنه التطبيق من نتائج، لأنها الثمرة العملية المتوخاة من الاجتهاد التشريعي كله.











    ثالثاً : الإطار المفاهيمي لإدارة الجودة الشاملة
    تواجه المنظمات الإدارية العديد من التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تفرض عليها اتخاذ الترتيبات اللازمة من حيث تغيير أساليبها الإدارية بما يمكنها من تحقيق أهدافها بكفاءة وفعالية فكان احد اهم مداخل هذا التغيير إن لم يكن أهمها على الإطلاق اعتماد الجودة كمنظور إداري يحكم توجهات وسياسات وعمليات المنظمة الإدارية فمواجهة التحولات التي شهدها النظام العالمي ادت إلى جعل الجودة المطلب الأساسي للمنظمات من أجل الصمود امام المنافسة العالمية لا بمعنى إنتاج سلعة او تقديم خدمة أفضل من نظيرتها المتاحة بل بمعنى رضا المستفيد من السلعة أو الخدمة من ناحية وتحقيق جودة المنظمة الإدارية ككل.
    فمفهوم إدارة الجودة الشاملة يهدف إلى تطوير أداء المنظمات عن طريق بناء ثقافة عميقة عن الجودة وكسب رضاء العميل او المستفيد من خلال تحقيق الكفاءة الإنتاجية للمنظمة بأداء الأعمال بدقة وبأقل تكلفة بما يعكس بدوره جودة الأداء والعمليات داخل المنظمة.
    وقد تعاظم الوعي بالجودة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حيث كانت الأهمية منوطة بعمليات التفتيش والرقابة حيث بدأت الشركات اليابانية في استدعاء العلماء الأوربيين لتطوير مفهوم الجودة في الشركات اليابانية ومن أشهرهم ديمنج وجوران اللذان بدأا في تعليم اليابانين تقنيات ومفاهيم الجودة التي كانت الشركات الأمريكية لا تهتم بها في هذا الوقت ويعد ادوارد ديمنج Edward Deming رائد الجودة الامريكية أبرز من استخدم وطبق الرقابة الاحصائية على الجودة حيث اعتمد على جمع معلومات عن مستوى الجودة من خلال الرقابة على عمليات الانتاج اثناء تنفيذها ، ثم قام بتحليلها باستخدام الاساليب الاحصائية من اجل الوقوف على مستوى الجودة المتحقق .
    فكانت أول مراحل الوعي بالجودة هي مرحلة الاهتمام بالتفتيش والفحص الذي كان يتم باستخدام الوسائل الفنية منذ ظهور نظام الانتاج الكبير وعادة ما كانت تتم متابعة الجودة اثناء عملية الانتاج ذاتها .حيث كان التركيز في قياس الجودة محصوراً في عملية الفحص حيث يتم استبعاد المعيب منها وكان الفحص عشوائيا استنادآ الي التقديرات الاحصائية وانحصرت مسؤلية الرقابة على الجودة في مدير الجودة وكانت عملية التفتيش والفحص لاغراض الجودة فقط .كذلك لم يتم الاهتمام بمعرفة وارجاع اسباب العيوب وتتبعها ولم تخلو المنتجات من العيوب في هذه المرحلة وكان في تلك الفترة مفهوم الجودة يدور حول مطابقة المواصفات فقط حيث يتم تصميم المنتج وفقاً لما يريدة المنتج وليس وفقا لما يريده العميل.
    ثم تتابعت النظريات والممارسات الإدارية التي تؤكد على الجودة إلى أن قامت قامت الشركات الامريكية بتطوير وتوسيع مفهوم إدارة الجودة الاستراتيجية بإضافة جوانب أكثر شمولا وعمقا واستخدمت اساليب متطورة في مجال تحسين الجودة والتعامل مع الزبائن والموردين وتفضيل اساليب تأكيد الجودة ليصبح اسلوبا رقابيا استراتيجيا على الجودة الاستراتيجية ويلاحظ أن إدارة الجودة الشاملة هي امتداد لإدارة الجودة الاستراتيجية ولكن إدارة الجودة الشاملة أكثر عمقا وشمولية من إدارة الجودة الاستراتيجية إلى أن تبلورت إدارة الجودة الشاملة كفلسفة إدارية عامة تركز على الاستخدام الفعال للموارد المادية والبشرية للمنظمة في اشباع احتياجات العملاء وتحقيق أهداف المنظمة وذلك في إطار من التوافق مع متطلبات المجتمع.
    مفهوم الجودة
    الجودة كما وردت في قاموس أكسفورد تعني الدرجة العالية من النوعية أو القيمة.
    وتضمنت المواصفة القياسية الدولية لمصطلحات الجودة إصدار عام 1994 تعريفا للجودة باعتبارها: مجموعة الخواص والخصائص الكلية التي يحملها المنتج / الخدمة وقابليته لتحقيق الاحتياجات والرضاء أو المطابقة للغرض – Fitness For Use ".والصلاحية للغرض Quality is Fitness for use هو أكثر تعريفات الجودة ملائمة. وتتحدد الصلاحية للغرض بالعوامل الستة التالية:
    1- ملائمة التصميم Adequacy of Design : وهو إلى أي مدى يلائم التصميم للهدف المنشأ من أجله، بمعنى آخر مدى تحقيق مواصفات التصميم لمتطلبات العميل.
    2-المطابقة مع التصميم :Conformance to Design : مدى المطابقة مع مواصفات التصميم بعد إتمام عملية التصنيع وتحدد بناءاً على هذا العامل مسئوليات العمالة تجاه الجودة.مقدرات المنتج المرتبطة بالزمن
    3- الإتاحة للاستخدام Availability : مدى إتاحة استخدام العميل للمنتج عند الرغبة في ذلك ويقال أن المنتج متاح للاستخدام عندما يكون في حالته التشغيلية.
    4- الاعتمادية Reliability: احتمال أداء المنتج لوظيفة محددة تحت ظروف تشغيل معروفة مع استمرار الأداء لفترة زمنية محددة وبدون فشل.
    5- القابلية للصيانة Maintainability : مدى سهولة إجراء عمليات التفتيش والصيانة للمنتج وهناك طريقتان لإجراء الصيانة هما الصيانة الوقائية والصيانة العلاجية.
    6- سهولة التصنيع Producability : مدى قابلية التصميم للتصنيع باستخدام المتاح من الوسائل والطرق والعمليات للكوادر البشرية العاملة بالمؤسسة.
    وتعرف الجودة حسب مضمون المواصفة القياسية ISO 9000 لعام 2000 بأنها "مجموعة الصفات المميزة للمنتج (أو النشاط أو العملية أو المؤسسة أو الشخص) والتي تجعله ملبياً للحاجات المعلنة والمتوقعة أو قادراً على تلبيتها" وبقدر ما يكون المنتج ملبياً للحاجات والتوقعات، نصفه منتجاً جيداً أو عالي الجودة أو رديئاً، يعبر عن الحاجات المعلنة في عقد الشراء أو البيع بمواصفات محددة للمنتج المراد شراؤه أو بيعه.
    ومن التعاريف الأخرى لجودة المنتج:
    -الجودة هي مطابقة المنتج للمتطلبات أو المواصفات
    -الجودة هي قدرة المنتج على إرضاء العملاء.
    -الجودة هي انخفاض نسبة العيوب.
    -الجودة هي انخفاض التالف والفاقد وإعادة التشغيل
    -الجودة هي انخفاض معدلات الفشل
    -الجودة هي انخفاض شكاوى العملاء
    الجودة هي انخفاض الحاجة إلى الاختبارات والتفتيش
    الجودة هي"الإسراع بتقديم الخدمات للعملاء
    -الجودة هي "تحسين الأداء
    -الجودة هي "النجاح في تنمية المبيعات
    -الجودة هي "النجاح في خفض التكاليف
    ومن الباحثين من يرى أن الجودة تعنى تعنى أشياء مختلفة لكل فرد أو مؤسسة وبالتالي فإنه يمكن تعريف الجودة حسب مبدأ التركيز على النحو التالي:
    أ- التركيز على العميل:
    يعرف ديمنج وجوران الجودة على أنها " إرضاء العميل " أو " مقابلة الغرض " وهذا المسلك يعتمد على قدرة الشركة على تحديد متطلبات العميل وبعد ذلك تنفيذ هذه المتطلبات. وهذا التعريف للجودة الذي يركز على العميل مناسب جداً للشركات التي لها خدمات ذات اتصال مباشر بالعملاء أو التي تعتمد في أداء خدمتها على عدد كبير من الموظفين.
    ب - التركيز على العملية:
    يعرف كروسبى الجودة على أنها " مطابقة المتطلبات ". وهذا التعريف يعطى أهمية أكبر على دور الإدارة في مراقبة الجودة حيث أن دور العملية والطريقة في تقديم الخدمة هي التي تحدد جودة المنتج النهائي. وبالتالي فإن التركيز هنا داخلي وليس خارجي. وهذا التعريف مناسب للشركات التي تقدم "خدمات قياسية"، لا تتطلب اتصال كبير بالعملاء.
    ج-التركيز على القيمة:
    تعرف الجودة أحياناً أنها "التكلفة بالنسبة للمنتج، والسعر بالنسبة للعميل" أو " مقابلة متطلبات العميل على أساس الجودة، والسعر، والإمكانية " وبالتالي فإن التركيز هنا أيضاً خارجي وذلك بمقارنة الجودة مع السعر والإمكانية.
    اما في اللغة العربية فإن الأصل الاشتقاقي للجودة هو : ( ج و د ) وهو أصل يدل على التسمح بالشيء وكثرة العطاء (معجم المقاييس 1/493). والجواد : السخي، وقيل : هو الذي يعطي بلا مسألة صيانة للآخر من ذل السؤال .
    ومن اشتقاقاته : الجيد : ضد الرديء .
    وجاد الشيءُ، يجود جودةٌ ، وجودةً : صار جيداً . وقد جاد جود، وأجاد : أتى بالجيد من القول أو الفعل .
    ويقال أجاد فلان في عمله وأَجْوَدَ، وجاد عمله يجود جودةً . ورجل مجيد : أي يجيد كثيراً . وبيّنُ الجودةِ : أي رائعٌ .( تاج العروس 4/403-404). ويقال هذا شيء جَيِّدٌ : بيّن الجُودة والجَودة . وجاد الفرس : أي صار رائعاً يجود جُودةً . ( لسان العرب 3/135-136).
    وعليه فإن المعنى اللغوي يتضمن : العطاء الواسع والأداء الجيد الذي يبلغ حداً فائقاً
    ومن مرادفات الجودة الإتقان :
    و الأصل الاشتقاقي ( ت ق ن ) يدل على إحكام الشيء، ( معجم المقاييس 1/350)
    والإتقان : الإحكام للأشياء . ورجل تِقْنٌ وتَقِنٌ متقن للأشياء: حاذق . ( لسان العرب 13/73).
    والتقن الرجل الحاذق، وأيضاً : رجل من الرماة يضرب بجودة رميه المثل .(تاج العروس 18/88).
    وما سبق يتضح أن المعنى اللغوي يتضمن : الحذق وإحكام الأشياء وجودة الأداء .
    ومن المعاني المتصلة بالجودة الكفاءة :
    الأصل الاشتقاقي لها ( ك ف ا ) يدل على الحسب الذي لا مستزاد فيه . يقال : كفاك الشيء يكفيك، وقد كفى كفاية إذا قام بالأمر ( معجم المقاييس 5/188).
    فالمعنى اللغوي يتضمن : القيام بالأمر قياماً حسناً لا مزيد عليه .
    وبالتطبيق على المنتجات والخدمات تصبح الجودة هي إجمالي الصفات والخواص للمنتج أو الخدمة التي تجعلها قادرة على تحقيق احتياجات مشمولة أو محددة بما ينعكس على رضاء المتلقي ومن ثم فلابد ان يكون المنتج أو الخدمة مطابقاً للمواصفات الموضوعة لها وإلا فإن القصور عن المواصفات مؤشر لعدم كفاءة الأداء فالجودة تعني التطابق مع احتياجات المستفيد ومن ثم فإن الجودة تقتضي منع الأخطاء والوقاية منها وليس مجرد اكتشافها ومعيار الجودة هو الخلو من العيوب ومقياسها هو التكلفة سواء تكلفة الأخطاء وتكلفة الإصلاح ومنع حدوث الخطأ مرة أخرى
    توكيد الجودة:Quality Assurance
    ويعني الأفعال المخططة والمنظمة والضرورية لإعطاء ثقة مناسبة بان المنتج أو الخدمة سوف تحقق متطلبات الجودة
    1- لن يكتمل ضمان الجودة إلا إذا توفرت متطلبات واضحة تعكس احتياجات المستخدم.
    2- للحصول على فعالية مناسبة تحتاج عملية ضمان الجودة تقويم مستمر للعناصر التي تعكس ملائمة التصميم والمواصفات للتطبيقات المطلوبة إضافة للتحقق من وتعديل عمليات الإنتاج والتركيب والفحص. وقد يتطلب منح الثقة تقديم الإثبات.
    3- تستخدم عملية ضمان الجودة ضمن المؤسسة كأداة إدارية تمنح الثقة بالمورد في حالات التعاقد.
    يقصد بتأكيد الجودة ، تصميم وتنفيذ نظام يتضمن سياسات وإجراءات للتأكد من الوفاء بمتطلبات الجودة ،ليس فقط على نطاق ومراحل عملية إنتاج السلعة أو الخدمة ، بل على نطاق أشمل يضم مراقبة الجودة على مستوى وظائف المنظمة ككل .
    وتركز أنشطة تأكيد الجودة على منع الانحرافات . بينما تركز مراقبة الجودة على كشفها أو اكتشافها بعد حدوثها .
    تهدف أنشطة تأكيد الجودة إلى:
    1-وضع أهداف لسياسة الجودة ومتابعة تنفيذها من منظور شامل .
    2-تصميم موازنات لمراقبة الجودة ومتابعة الأداء على ضوئها .
    3-تحسين الجودة وزيادة الإنتاجية وخفض التكلفة كأهداف متكاملة.
    4- تقييم نظام مراقبة الجودة من حيث فاعليته وتكلفته .
    5-تقليل المخاطر المترتبة على انخفاض الثقة بالمنتج أو الخدمة المقدمة أو الاعتماد عليها، والمسئوليات أو النتائج السلبية المترتبة على ذلك .
    وتحت مظلة تأكيد الجودة ، يجب :
    1-تصميم وتطوير معايير موضوعية لقياس الأداء.
    2- قياس الأداء إزاء المعايير الموضوعة.
    3-أن يكون القياس قبل الأداء وخلاله ، وبعده .
    4-يتعين أن بشمل هذا القياس المجالات التالية :
    أ- تصميم السلعة أو الخدمة : أي العناصر التي تتضمنها العملية الإنتاجية ، ومدى استيفائها للخصائص المطلوب توفرها.
    ب- تصميم عملية إنتاج أو تقديم السلعة أو الخدمة : كيف سيتم تنفيذها ، وهل يضمن التصميم أداء فعالاً بأقل تكلفة ممكنة ؟
    ج- المدخلات: من أين سيتم تدبير المدخلات البشرية وكيف سيتم تدبير التجهيزات اللازمة لإنتاج السلعة وإعداد الخدمة
    د- التنفيــذ: وهنا يثور التساؤل أي العمليات المرحلية أو الفرعية تعد حرجة بالنسبة للجودة ؟ وماهي متطلبات تدريب العاملين بما يفي بمتطلبات الجودة ؟
    هـ - الإجراءات التصحيحية: ماهي الإجراءات اللازمة عندما يظهر قصور في الجودة قبل تسويق السلعة أو تقديم الخدمة و بعدها
    عناصر نظام تأكيد الجودة:
    يتألف نظام تأكيد الجودة من وظيفتين رئيستين هما مراقبة الجودة ، وهندسة الجودة .
    وفيما يلي بيان موجز لكل من هاتين الوظيفتين :
    أولاً: مراقبة الجودة:
    يشير تعبير مراقبة الجودة إلى :
    تصميم معايير مخططة من واقع خصائص تصميم البرنامج الخدمي أو المنتج، وتنفيذ سلسلة من القياسات المخططة لتقييم الأداء مقارنا بالمعايير. وذلك للتأكد من التوافق مع الموصفات واتخاذ الإجراءات التصحيحية والمانعة للخطأ أو الانحراف عن المعايير .
    مهام نظام مراقبة الجودة:
    يمكن تحديد أهم هذه المهام فيما يلي :
    1-تحديد مستويات محددة لمتطلبات الجودة
    2-تحديد العلاقة بين خصائص البرنامج أو الخدمة وبين خصائص عملية الإنتاج أو التقديم
    3-تحديد الاحتياجات من الموارد البشرية والمادية والمالية ، والطرق اللازمة لقياس الجودة .
    4-قياس وتسجيل الجودة
    5-تصميم عمليات تصحيحية في حالة انحراف الجودة الفعلية عن المعيارية
    متى تبدأ مراقبة الجودة ؟
    * يتعين أن تبدأ مراقبة الجودة قبل مدة طويلة نسبيا من مراحل غعداد الحدمة أو المنتج.
    * التأكد من مناسبة المدخلات البشرية والمادية والمالية.
    * ومع بدء التنفيذ يتعين متابعة جودة النواتج المرحلية.
    * والهدف هو تنبيه المديرين المعنيين لمدى الحاجة لاتخاذ إجراء تصحيحي أو اكثر دون تأخير .
    أيهما أشمل : تأكيد الجودة أم مراقبة الجودة ؟
    تأكيد الجودة هو الأشمل . إذ يتضمن تأكيد الجودة :
    - تخطيط وتشغيل نظم مصممة للتأكد من أن متطلبات الجودة قد تم الوفاء بها
    -ولأن هذه المتطلبات تنبع من المستفيد أو متلقي الخدمة، فإن نطاق تأكيد الجودة يمتد
    - على خلاف مراقبة الجودة - لأبعد من عمليات الإنتاج وخارجها .
    - فيشمل باقي وظائف المنظمة وأنشطتها، بدءا بأنشطة التسويق للتعرف على توقعات طلاب الخدمة أو المستفيدين وخصائص المنتجات المناسبة، ومرورا بالموارد البشرية، تدبيرها وخصائصها ، وعمليات الشراء والتخزين، وعمليات الإنتاج ، والعمليات المالية، والبحوث والتطوير وانتهاء بتقديم الخدمة ومتابعة وخدمة المستفيد أو متلقي الخدمة .
    وبنظرة شاملة فإن مجالات تأكيد الجودة تضم كلا من :
    - تصميم المنتج أو البرنامج الخدمي.
    - تصميم عملية الإنتاج.
    - الشراء.
    - تقديم الخدمة أو الصنع.
    - البحوث والتطوير.
    - مراقبة الجودة.
    - التعبئة أو الغلاف المعنوي.
    ثانيا : هندسة الجودة:
    - يقصد بهندسة الجودة تخطيط استراتيجي تجاه تصميم الجودة في المنتج أو الخدمة.
    - تخطيط يبدأ بتحري رغبات وتوقعات المستفيدين.
    - مرورا بترجمة هذه الخصائص إلى تصميم معين في الخدمة.
    - ثم تحري أنسب سبل لتصميم عملية إنتاج أو تقديم الخدمة.
    - ويشمل هذا التخطيط التنبؤ بمشكلات الجودة الممكن وقوعها قبل أو قبيل بدء عملية إنتاج
    أوتقديم الخدمة.
    إدارة الجودة الشاملة
    تختلف تعريفات الباحثين لإدارة الجودة الشاملة و تتباين مفاهيمهم و وأفكارهم حولها وفقاً لزاوية النظر التي يتخذونها نحوها الأمر وإذا كان لا يوجد تعريف عام متفق عليه من قبلهم فإن التكامل بين بعض التعريفات يمكن أن يظهر تصوراً عام لمفهوم TQM إدارة الجودة الشاملة ومن هذه التعريفات
    - أنها أسلوب قيادي ينشئ فلسفة تنظيمية تساعد على تحقيق أعلى درجة ممكنة لجودة السلع والخدمات وتسعى إلى إدماج فلسفتها ببنية المنظمة، وأن نجاحها يتوقف على قناعة أفراد المنظمة بمبادئها. وإن مبادئها تضيف بالفعل قيمة وجودة للمنظمة وقد أثبتت مبادئها نجاحاً مستمراً لأنها تسعى وبصورة مستمرة إلى تحقيق رضا العميل الداخلي والخارجي من خلال دمج الأدوات والتقنيات والتدريب الذي يؤدي إلى خدمات ومنتجات عالية الجودة.
    ويشير جابلونسكي إلى أن مفهوم إدارة الجودة الشاملة كغيره من المفاهيم الإدارية التي تتباين بشأنه المفاهيم والأفكار وفقاً لزاوية النظر من قبل هذا الباحث أو ذاك إلا أن هذا التباين الشكلي في المفاهيم يكاد يكون متماثلاً في المضامين الهادفة إذا أنه يتمحور حول الهدف الذي تسعى لتحقيقه المنظمة والذي يتمثل بالمستهلك من خلال تفاعل كافة الأطراف الفاعلة في المنظمة. إن إدارة الجودة الشاملة تعني الإسهام الفعال للنظام الإداري والتنظيمي بكافة عناصره في تحقيق الكفاءة الاستثمارية للموارد المتاحة من مادة أولية ومعدات وقوى بشرية ومعلوماتية وإدارة وإستراتيجية ومعايير ومواصفات .. ألخ، بحيث تسهم جميعاً في السعي لتحقيق هدف المنظمة الذي يتركز في تحقيق الإشباع الأمثل للمستهلك الأخير من خلال تقديم السلع والخدمات بالمواصفات القياسية ذات النوعية الجيدة والسعر الذي يتلائم مع قدراته الشرائية.
    اما من وجهة النظر البريطانية فإن إدارة الجودة الشاملة هي : " الفلسفة الإدارية للمؤسسة التي تدرك من خلالها تحقيق كل من احتياجات المستهلك، وكذلك تحقيق أهداف المشروع معاً".
    أما وجهة النظر الأمريكية فتعرف دارة الجودة الشاملة بأنها فلسفة وخطوط عريضة ومبادئ تدل وترشد المنظمة لتحقيق تطور مستمر وهي أساليب كمية بالإضافة إلى الموارد البشرية التي تحسن استخدام الموارد المتاحة وكذلك الخدمات بحيث أن كافة العمليات داخل المنظمة تسعى لأن تحقق إشباع حاجات المستهلكين الحاليين والمرتقبين.
    وهي أبضاً منهج تطبيقي شامل يهدف إلى تحقيق حاجات وتوقعات العميل باستخدام الأساليب الكمية من أجل التحسين المستمر في العمليات والخدمات
    ويلاحظ من خلال التعريف الأول (لمنظمة الجودة من وجهة النظر البريطانية)أنه تعريف يركز على كفاءة وفاعلية المشروع وذلك يحمي المنظمة ويقودها إلى التميز من خلال تلبية احتياجات المستهلك الذي يتحقق من خلاله أهداف المنظمة أو المشروع.
    وفي التعريف الثاني (الأمريكي) يؤكد على أنها فلسفة ومبادئ تقود إلى تطور مستمروأن كافة العمليات تسعى لتحقيق حاجات المستهلكين الحالية والمستقبلية.
    والتعريف الآخر لإدارة الجودة الشاملة هو عبارة عن " ثقافة وتصميم هذه الثقافة هو الالتزام الكلي للجودة والمنحني الذي يعبر عنه جميع من له علاقة بعملية استمرارية التطوير للسلعة أو الخدمة عن طريق استخدام الطرق العلمية المستخدمة .
    إن إدارة الجودة الشاملة تعني تعريف فلسفة الشركة لكل فرد فيها، كما تعمل على تحقيق دائم لرضا العميل من خلال دمج الأدوات والتقنيات والتدريب ليشمل تحسناً مستمراً في العمليات داخل الشركة مما سيؤدي إلى منتجات وخدمات عالية الجودة.
    ويمكن تلخيص مفهوم إدارة الجودة الشاملة من وجهة نظر ريتشارد وليامز على أنها :أسلوب قيادي ينشئ فلسفة تنظيمية تساعد على تحقيق أعلى درجة ممكنة لجودة السلع والخدمات وتسعى إلى إدماج فلسفتها ببنية المنظمة، وأن نجاحها يتوقف على قناعة أفراد المنظمة بمبادئها. وإن مبادئها تضيف بالفعل قيمة وجودة للمنظمة وقد أثبتت مبادئها نجاحاً مستمراً لأنها تسعى وبصورة مستمرة إلى تحقيق رضا العميل الداخلي والخارجي من خلال دمج الأدوات والتقنيات والتدريب الذي يؤدي إلى خدمات ومنتجات عالية الجودة.
    وقد عرفها كروسبي (Crosby) وهو أحد المؤسسين لـ TQM إن إدارة الجودة الشاملة تمثل المنهجية المنظمة لضمان سير النشاطات التي تم التخطيط لها مسبقاً حيث أنها الأسلوب الأمثل الذي يساعد على منع وتجنب المشكلات من خلال العمل على تحفيز وتشجيع السلوك الإداري التنظيمي الأمثل في الأداء باستخدام الموارد المادية والبشرية بكفاءة عالية.
    أما كل من بروكا وبروكا 1992: فقد عرفاها بأنها الطريقة التي تستطيع من خلالها المنظمة من تحسين الأداء بشكل مستمر في كافة مستويات العمل التشغيلي وذلك بالاستخدام الأمثل للموارد البشرية والمادية المتاحة.
    ومن خلال التعريفات السابقة لإدارة الجودة الشاملة يمكن الخلوص إلى :
    أنها فلسفة ومبادئ تسعى إلى التحسين والتطوير المستمرين.
    تحقيق رضا المستهلك وكذلك تحقيق أهداف المنظمة.
    تسعى إلى تحقيق الاستخدام الأمثل للموارد البشرية والمادية.
    أن المنظمة ومن خلال إدارة الجودة الشاملة تعمل داخل المجتمع من خلال خدمته فهي تسعى وباستمرار لفهم حاجة المستهلك (أو العميل).
    ومما يجدر الإشارة إليه أن المؤسسة أو المنظمة لا يمكن أن تحقق رضا الزبون الداخلي والخارجي إلا إذا ثبتت المؤسسة القيم والمبادئ التي يجب أن تسود جميع أفرادها لتتمكنمن تطبيق فلسفة ومفهوم ومبادئ إدارة الجودة الشاملة وهذا ما يطلق عليه بالثقافة التنظيمية.
    وعليه يمكن تحديد مفهوم إدارة الجودة الشاملة على أنها نظام متكامل موجه نحو كسب ولاء العملاء في الحاضر والمستقبل من خلال اعتماد على التعاون من قبل جميع الأفراد داخل المنظمة والتزام إدارتها العليا بالتغيير نحو برنامج إدارة الجودة الشاملة، والتحسينات المستمرة في الإنتاج ، والاعتماد على العملاء في تحديد وتعريف الجودة ، والتعامل الإنساني مع العاملين بما يحقق رضاهم










    رابعاً ابعاد الجودة في المنظور الإسلامي
    ثقافة الجودة في المنظور الإسلامي
    إن رسالة الإسلام في جوهرها ماهي إلا تكليف الله تعالى لعباده ومطالبتهم باتخاذ الموقف الأمثل والأجود في مجمل نشاطهم و عملهم فقد قال الله تعالى "الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً " الملك فالسلم مطالب لاتخاذ الموقف الأجود في مجمل حياته وذلك بدوام المجاهدة والترقي المراقبة والإحسان لمجمل جهوده ونشاطه
    ومن هنا كان التسديد والمقاربة هو ديدن المؤمن الصالح ففي الحديث سددوا وقاربوا والسداد هو حقيقة الاستقامة وهو الإصابة في جميع الأقوال والأعمال والمقاصد كالذي يرمي إلى غرض فيصيبه فالسداد هو إصابة السهم والمقاربة أن يصيب ما قرب من الغرض إذ لم يصب الغرض مفسه ولكن بشرط قصد السداد فالمسلم مطالب بسلوك غاية في الدقة الإتقان وهو ما يطالب به خبراء الجودة عند مراقبة خواص الجودة حيث يفرقون بين الدقة والإتقان أو بين التسديد والمقاربة في الحديث السابق.
    والإتقان جزء من مطالب الإنسان المسلم باستيفاء شروط الخلافة في الأرض والسعي في مناكبها عبادةً لله، وإعماراً للأرض، واستفادة مما فيها من ثروات وخيرات لا يصل إليها إلا بالعمل والعمل الجاد. لذلك كانت مطالبة الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتقن الإنسان عمله: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه) كما أكد النبي عليه الصلاة والسلام " إن الله كتب الإحسان على كل شئ " بما يفيد عموم الإحسان لكافة مجالات الحياة والإحسان هو مرتبة أعلى من الإتقان. فالإتقان سمة أساسية في الشخصية المسلمة يربيها الإسلام فيه منذ ان يدخل فيه، وهي التي تحدث التغيير في سلوكه ونشاطه، فالمسلم مطالب بالإتقان في كل عمل تعبدي أو سلوكي أو معاشي؛ لأن كل عمل يقوم به المسلم بنيّة العبادة هو عمل مقبول عند الله يُجازى عليه سواء كان عمل دنيا أم آخرة. قال تعالى: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين)). [الأنعام: 162-163]
    وقد نبه الله تعالى إلى إحسانه لعباده وكمال صنعه ليحث الإنسان على الجودة فصفة الإتقان وصف الله بها نفسه لتنقل إلى عباده (صنع الله الذي أتقن كل شئ)[النمل 88] وأمر الله عباده المتقين في صيغة التوجيه لنبيه الكريم " وأحسن كما أحسن الله إليك" (القصص :77)
    وقد توجه الإسلام في تربيته إلى مجتمع العمل ليكون متقناً كما علم الرسول الكريم (ص) وجعل الإسلام العمل المعيار الأوحد لما يكسبه الإنسان في الحياة، وجعل إتقان العمل عبادة تحبب العامل إلى الله، وتحقق له سر استخلافه ووجوده، فالمجتمع العامل هو المجتمع المنتج الذي يعتمد أفراده في كسبهم على جهدهم العضلي والفكري، لذلك دعا الإسلام إلى العمل وباركه وجعل له جزاء في الآخرة مع جزاء الدنيا.
    كما قررت الشريعة الإسلامية مبادئ ومفاهيم لإدارة الجودة الشاملة تدعوا إلى مراعاة الإتقان من خلال :
    القيم حيث أكد الإسلام كما سبق على قيمة الإحسان
    العمل إنجازه بإتقان وجودة عالية " إن الله يجب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه"
    المهارات بتطوير المهارات الإدارية والفنية والعملية قال تعالى (إن خير من استأجرت القوي الأمين )
    الوقت استخدام الوقت بحساب واحترامه بالوفاء بالمواعيد
    الناس بالتعامل مع الأفراد باحترام وتعاون
    الموارد استخدام الموار د باقتصاد وعدم إهدارها وارتفاع التكلفة هو احد صور إهدار الموارد
    القرار لابد أن يكون مبنياً على التشاور و إدخال أكبر عدد في دائرة صنعه واتخاذه
    المعاملة وذلك من خلال تحقيقي العدل في التعامل مع العاملين وأداء الحقوق لأصحابها
    المقاييس التزام الدقة في المقاييس و المعايير فقد أشار القرآن الكريم للذرة كوحدة للحساب في الآخرة تنبيها للمؤمنين بالدقة في القياس.
    كما وجه الإسلام إلى التجويد عندما نص في كتابه الكريم على اتباع الأحسن حيث قال تعالى :
    واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب" (الزمر:55) وقال تعالى " ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهة لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفاً " (النساء: 125) كما حث الإسلام على فعل الأفضل أو جودة السعي والحركة فكثيراً ما كان النبي عليه الصلاة والسلام يوجه أصحابه قائلاً: ألا أنبئكم بخير اعمالكم" وكثيراً ما سئل - ص- أي العمل أفضل فكان يوجه الصحابة حسب اختلاف الأحوال واحتياجات المخاطب وتنبيه إلى ما لا يعلمه فالأفضل في كل وقت وحال الاشتغال بواجب هذا الوقت ووظيفته ومقتضاه .
    ولم يكتف الإسلام بالتوصية على عموم الجودة بل ولأراد أن يبث في المسلم جودة الأداء فشملت التوصيات الإسلامية على إجراءات معينة عند تنفيذ عمل معين وعلى كيفية إجراء العمل ومتى يجب القيام به ومن الذي سيقوم به وما مؤهلاته أي قدمت التعاليم الإسلامية دليل يؤكد أن العمل المطلوب يجب أن يتم وفق أسلوب معين فنصت التكاليف الإسلامية على إجراءات الترتيب والتسلسل كما في أعمال الصلاة و أعمال الحج والعمرة وإجراءات الطلاق كما نصت على إجراءات التوثيق والشهادة كما في آية الدين والشهادة في الزنى والشهادة على الوصية وامتدت التوجيهات الإسلامية لعمليت التقويم والمراجعة فمن أمثلة متابعة عنصر التنفيذ قول الله تعالى بعد معركة أحد " أولما اصبتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند انفسكم إن الله على كل شئ قدير كما وجه النبي عليه الصلاة والسلام إلى عدم جواز الهدية للعمال أو الولاة بعد أن حاسب ابن اللتبية عامله على الصدقة وبياناً لأهمية المتابعة والتقويم سأل الخليفة عمر من حوله "أرأيتم إذا استعملت عليكم خير من أعلم ثم أمرته بالعدل أكنت قضيت ما علي ؟ قالوا: نعم ز قال : لا ، حتى أنظر أعمل بما أمرته أم لا
    الولاء للجودة
    تعتمد إدارة الجودة الشاملة على مشاركة جميع الأعضاء في المؤسسة في تحسين العمليات والمنتجات والخدمات والبيئة الثقافية للعمل فالجودة الشاملة لا يمكن أن تقتصر على قسم خاص بها ولا على أفراد معدودين أو موظفين متخصصين، بل تشمل جميع العاملين بلا استثناء ويعني ذلك ضرورة توافر ثقافة مؤسسية مواتية لتطبيق إدارة الجودة الشاملة فالثقافة المؤسسية هي التي تحدد السلوك المقبول باعتبار كونه ناجحاً أو فعالاً . فالجودة الشاملة ليست مجرد قرارات تعمم، ولا أنظمة تصدر ، ولا مقاييس تعتمد، وإنما هي مع ذلك وبقدر أكبر ثقافة فكرية التي يقتنع بها جميع العاملين في المنظمة فيؤمنون بإيجابيتها، وتصبح جزءاً من سلوكهم و البدهيّات المسلمة عندهم ,
    وقد حرص الإسلام على خلق الولاء للجودة في المجتمع الإسلامي وإن ورد ذلك بعدة صيغ منها المهارة والإتقان والإصلاح وأعلاها الإحسان
    فبالنسبة للإتقان فهو إحكام الشئ ومعرفته ولإصلاحه وضبط جزئياته يقول سبحانه وتعالى " صنع الله الذي أتقن كل شئ" فالإتقان إدراك لجزئيات العمل وتحليلها والعمل على إتقان كل جزء منها فلو كان العمل إنتاجاً لسلعة فيعرف أجزاءها وطرق تركيبها وكيفية عملها ووظيفتها وكيفية إدارة الآلات واستخدام الأدوات واستخدام الكمية المناسبة من المواد الخام ويتابع عمل الآلة ويراقب الجودة ويقيم عمله وإذا كان مديراً فإنه يتقن التخطيط والتنسيق والرقابة والشورى والاتصال ويختار الأقفراد دون قرابة أو محسوبية ويقرر الحوفز لمن يستحق فلو أتقن كلل جزئية من الجزئيات لأمكنه الوصول إلى الأهداف بأعلى فعالية ممكنة .
    فقد حث الإسلام على استفراغ كامل الجهد والطاقة في العمل لضبطه وإتقانه وقرر الثواب العظيم لمن يقومون بهذا حفزاً للتجويد والإتقان في العمل فقال عليه الصلاة والسلام " من أمسى كالاً من عمل يده أمسى مغفوراً له" فهو جزاء معني عالي الشأن مع ضرورة إيفاء العامل المتقن أجره بما يدفعه لمزيد من الإتقان فأمر النبي (ص) "أعط الأجير اجره قبل أن يجف عرقه"
    واول ما اهتم به الإسلام من ناحية إرساء الالتزام بالجودة في كامل المجتمع المسلم إلزام السلم بجودة العبادات والشعائر التي لابد أن يؤديها كل مسلم فيتعلم الجودة في بقية مناشط حياته علماً بأن الإسلام لا يقيم حداً فاصلاً بين الشعائر و الأعمال الدنيوية فكل الأعمال هي عبادات إذا خلصت النية فيها سواء ما كان في المصنع أو المكتب أو المسجد فاشترط الإسلام جودة الصلاة لقبولها فلابد للصلاة مثلاً أن تتسم بالإخلاص وأن تطابق الكيفية المأمور بها "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " ولابد أن تؤدي على التمام ففي الحديث " خمس صلوات افترضهن الله عز وجل من أحسن وضؤهن وصلاهن لوقتهن واتم ركوعهن وخشوعهن كان له على الله عهد أن يغفر له " كما اشترط الإسلام في الصلاة الأداء في الوقت (التوقيت) والمجاهدة ( متابعة الإتقان) والاستمرارية والمراقبة.
    أما المستوى الذي يلي الإتقان فهو مستوى الإصلاح فقد قال الله تعالى فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم و لا هم يحزنون " و قال عز وجل " إنا لا نضيع أجر المصلحين" وقال موسى عليه السلام لهارون كما ورد في القرآن الكريم " واصلح و لا تتبع سبيل المفسدين" ويعني الإصلاح معرفة الأسباب الكامنة وراء الانحرافات والأخطاء ومحاولة إصلاحها وتقليل الانحرافات والوصول إلى مستوى أداء أعلى فالمصلح يسعى لمنع الفساد والانحرافات والأخطاء ومساعدة الآخرين في القضاء على الانحراف عن الخطة وتوجيه الآخرين إلى سلوك الطرق السليمة للوصول لأهداف دون انحراف او خطأ بحيث يصل يمكن أن ينعدم الخطأ.
    وبهذا فإنه عند مستوى الإصلاح تتسم المنتجات والخدمات بالجودة وخلوها من العيوب ويتم أداء الخدمة دون معوقات فتحقق رضاء المستهلك عنها حيث يحصل عليها في التوقيت المناسب .
    والإحسان هو اعلى مستويات الجودة أخذا في الاعتبار أن الجودة هدف متحرك لا ينتهي بالوصول لمستوى معين فقد قيل إن الإحسان هو إتقان الفعل والإنعام على كل شئ وقد أمر الله الجماعة السلمة بقوله تعالى : ( وأحسنوا إن الله يحب المحسنين) [البقرة 195]. وفي الحديث الشريف إن الله تعالى كتب الإحسان على كل شئ فإذا قتلتم فاحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة " وفي هذا الحديث أمر بالإحسان حتى في الذبح وهو عملية قد تبدو ليس لها أي آثار اجتماعية ويمكن أن تتم على أي نحو لكن النبي صلى الله عليه وسلم يضع مواصفات ومعايير لأداء هذه العملية لبيان أهمية الإحسان والأمر في الحديث شامل لكل شئون الحياة و الإحسان ذو جانبين، عمل الحسن أو الأحسن ثم الشعور أثناء العمل بأن الله يرانا أو كأننا نراه، وهذا هو تعريف الرسول صلى الله عليه وسلم للإحسان بأن ((تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)) فالإحسان مراقبة دائمة لله، وإحساس بقيمة العمل، وعلى هذا تندرج كل عبادة شرعية، أو نشاط سلوكي إنتاجي او اجتماعي تحت مصطلح الإحسان الذي يعني انتقاء الأحسن في كل شئ.
    فالإحسان هنا يشمل الإتقان أو الجودة بمعنى الوفاء بمتطلبات العمل على أحسن وجه كما يشمل معنى يزيد على مجرد التجويد ألا وهو التفضل والإنعام أي زيادة على المطلوب لأن الإحسان عطاء فوق الواجب أما بذل الواجب فلا يسمى إحساناً كما يتضمن الإحسان معنى المهارة أي الدرجة العالية من إتقان الشئ والقدرة على حل عقده وفك رموزه وتطوير ادائه وفي الحديث " الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة" وإلى ذلك يتضمن الإحسان معنى مراقبة الله تعالى وهو مايضفي نوعاً من الرقابة الذاتية لتحقيق الجودة حتى مع محدودية وعي العميل بما يجعله يقبل بمستوى معين من السلعة فإن المسلم يعمل على تحقيق أعلى مستوى ممكن من الجودة لإرضاء الله تعالى فالإحسان هو مستوى أداء أعلى من المطلوب حيث يتضمن كما ذكر ابن القيم :الإحسان في القصد بتهذيبه علماً وإبرامه عزماً وتصفيته حالاً أما تهذيبه علماً أي جعل النشاط تابع للعلم جار على على مقتضاه مهذباً به وإبرامه عزماً فإن الإبرام هو الإحكام والقوة أي يقارن العمل عزم يمضيه و لايصحبه فتور أوتوان يوهنه ويضعفه بما يشير لجودة العمليات والإجراءات وتصفيته حالاً أي تخليصه من الشوائب والأكدار.
    المشاركة
    تنظر إدارة الجودة الشاملة إلى كافة الأفراد في المنظمة باعتبارهم أساس العمليات المحققة للجودة، وتنظر الى مشاركتهم الكاملة بكل طاقاتهم وقدراتهم باعتبارهما الأسلوب الأمثل للوصول للأهداف المنشودة وإذا ما توحدت رؤية هؤلاء الأفراد نحو الأهداف البعيدة والقريبة، ونحو السياسات والاستراتيجيات، ونحو الموارد وكيفية استخدامها، وذلك من خلال المناقشات الحرة المفتوحة دونما قيود، ومن خلال المشاركة الفعالة فى السلطات وتحمل المسئوليات.ومن خلال معرفة كل منهم لدوره ومهامه وما عليه من واجبات فاٍن المتوقع أن تنصهر جهود هؤلاء الأفراد فى بوتقة واحدة لتصب فى مسار تحقيق أهداف المنظمة في تحقيق أعلى مستوى من الجودة.
    ولما كانت الإدارة الشاملة للجودة قد تجاوزت مفهوم الجودة الذي يجعلها مقصورةً على العناية بصنع السلع والتأكيد من صلاحيتها للاستخدام ومطابقتها للمواصفات، وإنما تعدته لتشمل الجودة في كل مراحل العمل وكل مستويات الأداء في أي مشروع أو شركة. ومن ثم فإن كل جزء وكل مجال من مجالات العمل ينبغي أن يخضع لمراجعة دقيقة وإعادة تصميم وتنظيم لاستبعاد كل أشكال ومسببات ضعف الأداء وانخفاض الجودة. ويتطلب هذا إشراك العاملين على مختلف المستويات في نظام مستمر لبحث أساليب تطوير وتحسين الجودة في الإنتاج والتسويق والإدارة وكل مرافق العمل وهذه المشاركة هي الضمان الحقيقي لمواصلة الاستمرارية في تحقيق المستويات العالية من الجودة.
    فالمشاركة هي عملية تفاعل الأفراد عقلياً وجدانياً مع جماعات العمل في التنظيم من أجل تحقيق الأهداف وبهذا المعنى فإن اشتراك العاملين في اتخاذ القرارات يؤدي إلى تشجيع العامل على التوجه للعمل بعقل متفتج يقظ ويشجع الإبداع بما يؤدي في النهاية إلى درجة أكبر من الانتماء للمنظمة .
    وقد أمر الإسلام – كما سبقت الإشارة – بالمشاركة ووجه إليها بالأمر بالشورى وأصل الكلمة شار العسل يشوره أي اجتناه من خلاياه واستشارة أمره إذا تبين واستنار ويشور نفسه أي يسعى ويخف يظهر بذلك قوته فمعاني الشورى تشير إلى أبعاد إيجابية من اصطفاء الأجود من الرأي والقوة في الفعل فالشورى في الاصطلاح تعني تقليب الآراء المختلفة ووجهات النظر المطروحة في أمر من الأمور واختبارها من أصحاب الأفهام حتى يتوصل منها إلى الصواب منها ليعمل بها حتى تتحق أفضل النتائج.
    والشورى أحد الأوامر السلوكية التي أمر الله بها على كافة المناشط الاجتماعية ومنها التنظيم الإداري بكل مستوياته الأفقية والرأسية أي بين المستوى الإداري الواحد أو داخل كل إدارة فتنمي العلاقة الأفقية بين العاملين وترشدهم إلى أفضل طرق التنفيذ وتجعلهم مترابطين يعملون بجد لتحقيق أعلى مستويات الجودة كما أمر الله تعالى النبي القائد بمشاورة أصحابه (المستوى الأدنى) حتى لا ينفرد بالأمر ويفاجأ العملون بما لم يشتركون فيه فيؤدنه بروح كعنوية منخفضة إما إذا كان العاملون من الذين تمت استشارتهم فسيصلون بأدائهم إلى أعلى مستوى كما ستقل الأخطاء أثناء التنفيذ ويمكن خفض التكاليف وترشيد القرارات نتيجة اشتراك عدة عقول في صنعها.
    ولا تقتصر المشاركة على الشورى بل هناك مفهوم أعم وهو النصح فالشورى نوع من النصح وإن كان النصح يمكن أن يكون غير ملزم والنصح هام جداً في الوصول لحل المشكلات وتطوير العمل واقتراح الأساليب الأمثل لرفع الكفاءة خاصة أن المستويات الدنيا من الإدارة تكون أكثر احتكاكاً بمشكلات العمل اليومية .
    ومن المزايا الأخرى للشورى أنها تشبع حاجات المرؤوسين فتحقيق الذات واحترام الراي من الحاجات الإنسانية الهامة التي يدفع إشباعها الفرد لبذل أقصى جهد ومن خلال الشورى يشارك الفرد في الإدارة برأيه ويشعر أنه يشارك في صنع القرار وترشيده و يؤدي الرضا الناجم عن الشورى إلى رفع مستوى الأداء وبث روح الانتماء إضافة إلى وحدة الهدف بين الفرد والمنظمة تضيف مزايا هامة للشورى حيث تسهل تطبيقها باعتبار انسجام المصالح وعدم تعارضها
    وقد وضع الإسلام آداباً للشورى باعتبارها أمانة حيث يجب على المستشار ان يبذل أقصى الجهد في نصيحته ورأيه فقد قال رسول الله (ص) المستشار مؤتمن فإذا استشير فليشر بما هو صانع لنفسه " و قال " حق المسلم على المسلم إذا استنصحه ان ينصحه" فمن واجب المسلم أن يقول بما يراه لنفسه إذا كان في الموقف نفسه.
    وقد أكد الفكر الإسلامي على أهمية الشورى فرأى الفخر الرازي أن " مشاورة الرئيس توجب علو شأنهم – يقصد المرؤسين – ورفعة درجتهم ..ز وذلك يقتضي خلوصهم في طاعته " فالشورى من وجهة نظره تسبب الولاء التنظيمي بتطابق هدف الفرد مع هدف المنظمة أما فائدة الشورى فتنبع من " أن علوم الخلق متناهية فلا يبعد أن يخطر ببال إنسان من وجوه المصالح مالا يخطر بباله " في حين يرى الماوردي أنه " لا معين أقوى من المشورة ولا عون أنجح من العقل فإن المشورة تقوي العزم وتوضح الحق وترشد إلى الإصابة والعقل يهدي إلى اجتناء ثمرة المشورة"
    والشورى هامة لتحقيق الجودة حيث أنها:
    تسبب تماسك الجماعة في المنظمة
    تجمع المرؤسين حول الرئيس وتسبب يسر وانسياب الاتصالات والترابط بما يسهل تنفيذ سياسات الجودة
    يتم تنفيذ العمل بأفضل الاساليب فيتم الوصول للأهداف بفعالية
    تحقق فهم أعضاء المنظمة لأبعاد المشكلات وطرق حلها
    تزيد التزام أعضاء المنظمة بالتنفيذ
    تساعد على العمل الجماعي وتدرب جميع أعضاء المنظمة على العمل كفريق
    تساعد على فهم السياسات وأهدافها والإجراءات بما يقلل الغموض والاحتكاك
    تساعد في فهم المناخ التنظيمي والبيئة الخارجية بما توفره من معلومات من كافة الاتجاهات
    تمد المنظمة بمعلومات عن نواحي العمل بما يمكن من الإحاطة بالتغيرات الممكنة والمتوقعة
    تؤدي إلى تحسين الأداء عن طريق مد أعضاء المنظمة بالمعارف والمعلومات

    العمل الجماعي
    إن الأفراد من منظور إدارة الجودة هم طاقة ذهنية وقدرة فكرية ومصدر للمعلومات والاقتراحات والابتكارات، وعنصر فاعل وقادر على المشاركة الإيجابية بالفكر والرأي لتحسين الجودة فالأفراد في المنظمة يرغبون بطبيعتهم في المشاركة وتحمل المسئولية، ولا يقتنعون بمجرد الأداء السلبي لمجموعة من المهام تحددها له الإدارة، بل يريدون المبادرة والسعي إلى التطوير والإنجاز ويمكن أن يزيد عطاؤهم وترتفع كفاءتهم إذا عملوا كمجموعة من الزملاء يشتركون معاً في تحمل مسئوليات عمليات الجودة لتحقيق نتائج محددة.
    ولا شك أن الجماعة المنظمة جيداً والمحفزة تستطيع أن تنجز أكثر من الأفراد الذين يشكلون هذه الجماعة فالأفراد ستمتعون بالانضمام لأخرين ومن ثم يستطيعون أن يعملوا جماعياً بإتقان كما أن موهبة شخص ما يمكن أن تعوض من خلال العمل الجماعي ضعف شخص آخر والمنظمة الناجحة هي التي تتبنى رؤية العمل معاً بانسجام.
    أعطت مفاهيم إدارة الجودة الشاملة دعماً إضافياً للعمل الجماعي المخطط والمدروس، فحتى أنه تم تعريف إدارة الجودة الشاملة عن أنها نمط تعاوني للأداء والإنجاز يعتمد على القدرات والمواهب المشتركة للعاملين من أجل تحسين الإنتاجية والجودة من خلال فرق العمل، حيث مثلت فرق العمل أحد المرتكزات التي تقوم عليها هذه الإدارة . وعليه كان الاهتمام بالعنصر البشري في المنظمات باعتبار أن الطاقة الكامنة للفرد تبقى كامنة ما لم يتم تحريرها وإطلاقها من خلال العمل الجماعي.
    وتأتي أهمية العمل الجماعي من أنه يعمل على :
    إتاحة الفرص لأفراد المنظمة لتعلم مهارات جديدة من خلال عملهم المباشر مع الآخرين.
    زيادة شعور أفراد المنظمة بالمسئولية حيث أنهم يعملون، ويخططون معاً، بما يؤدي إلى خلق إحساس عالي بأهمية مقابلة احتياجات الأفراد داخل وخارج المنظمة.
    تحسين عملية الاتصال داخل وخارج المنظمة.
    أداء العمل داخل المنظمة في جو من الجماعية والحرية، والشعور بالأمن والطمأنينة، وبعيداً عن التنافس الفردي.
    تحسين مستوى المنتج او الخدمة من خلال تبني قرارات جماعية، ويلتزم بها كافة افراد المنظمة فؤدي إلى نتائج أفضل.
    تحقيق النمو المهني لكافة العاملين نتيجة تحملهم مسؤوليات متعددة ومختلفة.
    · مشاركة المزيد من الأفراد فى اتخاذ القرارات مما يزيد من احتمالية تنفيذ هذه القرارات.
    تبادل وبلورة المعلومات والخبرات من خلال مشاركة العاملين لبعضهم البعض فى فرق العمل.
    إيجاد فرص أفضل لاحتواء الأخطاء وتصحيحها وتقبل المخاطرة والتقدم للأمام بروح الفريق.
    وقد أكد الإسلام على العمل الجماعي من خلال بيان أهمية الجماعة حتى أنه ورد في الحديث أن من " فارق الجماعة مات ميتة جاهلية " و "الجماعة رحمة والفرقة عذاب" و"الجماعة بركة" كما حث الإسلام على الأداء الجماعي للشعائر حتى يتعود السلم على العمل الجماعي في مختلف مناشط حياته فحث الإسلام على صلاة الجماعة وبين أنها تفوق صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة ولم يكتف الإسلام بالحث على العمل الجماعي والنهي عن التفرق بل عمل على توفير مقومات نجاحه من خلال تأكيده على المشاركة في القيادة من خلال الأمر بالمعروف الذي يشمل كل ما يحقق الصلاح والإصلاح و الأمر بالشورى كما عمل الإسلام على خلق الولاء للأهداف العامة " وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان " والبر المأمور التعاون عليه هو اسم جامع لكل معاني الخير والصلاح مما أرسى الإسلام قيم الصراحة والثقة المتبادلة المتطلبة للعمل الجماعي فنهى عن الغيبة والغش وفي ذلك يقول ابن خلدون :
    "إن جمع القلوب وتأليفها إنما يكون بمعونة الله في إقامة دينه فالقلوب إذا تداعت إلى الباطل كان التنافس ونشأ الخلاف وإذا انصرفت إلى الحق اقبلت على الله زاتحدت وجهتها ( توحيت الاتجاهات ) فذهب التنافس وقل الخلاف وحسن التعاون والتعاضد) ,يقول في موضع آخر " إن الناس متعاونوk جميعاً في عمرانهم .... والأعمال بعد اجتماعهم زائدة على حاجات العاملين وضروراتهم"
    الاستقلالية والحرية
    إن الأفراد من خلال المناقشات وتبادل الخبرات فيما بينهم دون قيود ولا تحفظات، هم الأقدر على استشعار جوانب النقص أو الخلل التى قد تعترى الأداء في أى من مراحل العمل ثم المبادرة إلى اتخاذ ما يلزم لتصحيح وسد هذه النواقص، وهم الأقدر على اكتشاف المشكلات وتحديدها وتحليلها ووضع الحلول المناسبة لها ومن ثم تبنى واستحداث ما يلزم من تغيير في أساليب وطرق العمل على مختلف الجبهات.
    وحتى يتسنى تفجير طاقات الأفراد في المنظمة لابد أن يتمتعوا بقدر كبير من الحرية والاستقلالية والحرية مبدأ عقدي من مبادئ الإسلام حتى ان الله تعالى قرر في كتابه العزيز أنه " لا إكراه في الدين " (البقرة : 256) وقد احترمت الإدارة الإسلامية رأي الفرد من خلال الشورى واحترمت استقلاليتهم فكان الولاة والرؤساء يصدرون القرارات الرئيسية ثم يتركون لمرؤسيهم حرية الحركة وحرية إصدار القرارات التي تصلح لكل موقف أو مكان فالحرية في اتخاذ القرار والمرونة في الحركة هما سبب العمران وحديثاً كان من أهم أسباب نجاح الإدارة الماليزية في مجال الجودة عدم المركزية والاستقلال عن الرؤساء فالإدارة المباشرة لها استقلالها ويمكنها إصدار قراراتها الخاصة بالمجموعة دون الرجوع إلى المستوى الأعلى في أغلب الأحيان فالاستقلال الإداري موجود في أنشطة الجماعات الصغيرة لتحقيقي الجودة سواء بالنسبة للتوقيتات أو تطوير مراقبة الجودة ورقابة الجودة الشاملة وعدم وجود أخطاء فالعمل الجماعي هو عمل مجموعات شبه مستقلة تتعاون في أداء عمل معين حيث يسمح للمجموعة باتخاذ القرارات وعمل خطط لكيفية أداء العمل وتحسين الجودة والتركيز على ازدياد المشاركة والتفاعل بين العضاء والاستقلال يكون في
    القرارات على المستوى الأدنى
    لا مركزية الإجراءات
    الحرية
    التفويض
    المرونة في تطبيق القرارات
    التجديد والابتكار
    يعتمد نجاح إدارة الجودة الشاملة على بشكل كبير على مساهمة العاملين في المنظمة بما يقدمونه من أفكار واقترحات بناءة تكشف عن قدراتهم الإبداعية في المساهمة في تحسين الجودة وابتكار طرق وأساليب عمل حديثة نابعة من خبراتهم الذاتية في العمل ومن هنا كان دور المنظمة هو العمل على توفير مناخ يعمل على تنمية قدرات الأفراد ويدعم الإبداع والتفكير الإبداعي والعمل على إيجاد الحلول للمشكلات القائمة ومن خلال توفير القادة القادرين على التأثير في الآخرين بشكل إيجابي .والمقصود بالإبداع هنا هو الأداء و و العمل المتميز بشكل يفوق ما هو عادي أو معروف وقد يكون إبداع أداء أو إبداع إنشاء وخلق وحتى يتسنى للأفراد الاجتهاد والابتكار لابد من توافر عدد من العوامل البيئية والسمات الشخصية من أهمها
    الثقة الكبيرة .
    الفكر الحر المستقل والتمتع بالاكتفاء الذاتي .
    القدرة على وضع حلول للمشكلات المعقدة .
    عوامل المرونة : وهي ما يتميز به الأفراد المبدعون في مجال القدرة على تغيير التفكير .
    الأصــــــــــالة : وهي القدرة على سرعة إنتاج أكبر عدد ممكن من الاستنتاجات غير المباشرة والأفكار غير الشائعة .
    الحساسية للمشكلات: وهي القدرة على مجابهة موقف معين ينطوي على مشكلة تحتاج إلى حل .
    عملية التقييــــم : تحتاج عمليات الإبداع في إظهار الأفكار إلى تقييم النشاط الإبداعي وتبني الأفضل .
    إن عملية التفكير الإبداعي تحتاج إلى قاعدة لابد من وجودها وهي الصفات الشخصية كالذكاء والصبر والفراسة وغيرها من الصفات كما تحتاج إلى خبرات علمية وإطلاع واسع بخبرات الآخرين وآرائهم ، ويمكن تنميتها من خلال الجوانب التالية :
    تتبع المنهجية العلمية في التفكير من حيث (جمع المعلومات والبيانات والأفكار والقيام بعمليات تحليل لهذه المعلومات – والتوصل إلى فكر جديد) .
    زيادة ثقة الأفراد بأنفسهم والبحث عن تنمية هذه الثقة من خلال التعليم والأصدقاء والتجارب والخبرات .
    أما معوقات العمل الإبداعي فتتمثل في
    القيادة الاستبدادية .
    ضعف الإمكانات المادية والبشرية وعدم توفر المناخ المناسب .
    عدم توافر الاستقرار الوظيفي .
    عدم وضوح الأهداف التنظيمية .
    وقد حث الإسلام على الاجتهاد وإعمال الفكر لضمان تجدده وشجع على إطلاق حرية الفكر فحارب التقليد والانغلاق فأمر بالسير في الأرض ومعرفة كل جديد والسفر لأبعد البلاد في طلب العلم والدين نفسه ما هو إلا تجديد وتصحيح للعقيدة والسلوك وقد استحدث المسلمون العديد من السلوكيات التي لم تكن معروفة في مجال التنظيم الإداري حت أن البلاد الإسلامية " استحكمت فيها الصنائع وكملت جميع أصنافها على الاستجادة والتنميق " كما يقول ابن خلدون كما نجحت الإدارة الإسلامية بما توافر لها من قدرة على الابتكار والتجديد في كل النواحي في استيعاب المتغيرات الجديدة من الحضارات الأخرى .
    كما عمل الإسلام على استبعاد معوقات الابتكار والتجديد من خلال بث الثقة في نفوس العاملين فقال النبي عليه الصلاة والسلام :" لا يحقرن أحدكم نفسه" " ولا تكونوا إمعة تقولون إن أحسن الناس أحسنا وإن أساءوا أسأنا ولكن وطنوا أنسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءو فلا تظلموا"
    الرقابة على الجودة
    تهدف الرقابة إلى تحقيق عدد من الأهداف منها :
    متابعة مدى التقدم في تحقيق الأهداف.
    قياس مدى كفاءة الأداء
    اكتشاف المشكلات في حينها واتخاذ الإجراءات التصحيحية في الوقت المناسب
    تصحيح مسار الخطة المستقبلية.
    التنسيق بين أعمال الإدارات والأقسام وربطها بالأداء الكلي للمنظمة.
    تنشيط دوافع العاملين لتحقيق النتائج.
    تقليل التكاليف من خلال سرعة كشف الأخطاء فور حدوثها وعلاجها.
    ويتضح من هذه الأهداف أن الرقابة هي الركيزة لأساسية لنظام الجودة
    وقد عني الإسلام بمراقبة الجودة على عدة مستويات أولها
    الرقابة الذاتية
    فقد تميزت الثقافة الإسلامية بالاهتمام بهذا البعد دون غيرها من الثقافات فالفرد المسلم يراقب جودة عمله لأنه يعلم أنه مراقب من ربه وأن أعماله تحصى عليه ليحاسب بها يوم القيامة قال تعالى " وما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد" " وما تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه " وفي الحديث القدسي "غنما هي أعمالكم أحصيها عليكم ثم أوفيكم إياها" و لا يتعلم الفرد المراقبة الذاتية إلا من خلال الدين لأن الدين هو الذي ينبئه بأن أعماله الظاهرة والباطنة يراقبها الله تعالى وفي ذلك يقول الماوردي "اول ما تصلح به الدنيا الدين لأنه يصرف النفوس عن شهواتها حتى يصير رقيبا على النفوس في خلواتها نصوحاً لها في ملماتها فكان الدين أقوى قاعدة في إصلاح الدنيا واستقامتها وأجدى الأمور نفعاً لانتظامها وسلامتها"
    ولما كان المسلم يراقب ربه في عمله فسيحاسب نفسه عن الجودة قبل أن يحاسبة غيره ويلاحظ أن مركز التحكم لدى المرؤسين يعبر عن مركز السيطرة داخل الفرد هل هو داخلي أم خارجي فإن كان داخلياً أرجع النتائج إلى أدائه وإذا كان خارجياً أرجع الأداء إلى العوامل الخارجية وفي الثقافة اليابانية استفادوا من هذا المفهوم لتكوين دوائر الجودة والرقابة مستقلة في جماعات دوائر الجودة والهدف من ذلك تقليل التكاليف و أخطاء الأداء وتحسين الجودة والكفاءة كما يكونو فريقاً مستقلاً يكون مسئولاً عن النتائج النهائية فقط .
    رقابة المنظمة
    يمكن النظر للرقابة باعتبارها ذات ثلاث عناصر رئيسة :
    المدخلات : وتتمثل في المعايير والبيانات والمعلومات عن الأداء.
    العملية : وتتمثل في المتابعة وقياس الأداء .
    المخرجات : وتتمثل في نتيجة القياس ومستوى الجودة الذي تم بلوغه.
    تمر العملية الرقابية بعدة مراحل رئيسة هي :
    تحديد المعايير الرقابية.
    قياس الأداء.
    مقارنة الأداء الفعلي بالمعايير المخططة.
    تحديد الانحرافات .
    تحليل الانحرافات .
    اتخاذ الإجراءات التصحيحية.
    وتتمثل رقابة المنظمة في الرؤية الإسلامية في مبدأ النصح والأمر بالمعروف بل وتشريع الأحكام الملزمة إذا خالف العامل شروط الإتقان فمثلاً نص الفقهاء على أن يد الأجير الخاص يد ضمانة وعليه فغنه يضمن قيمة العين التي تهلك وإن لم يحصل عنه تقصير كما أن ترك الحفظ يلزم ضمان العامل للمأجور وكذلك لوخالف العامل الشروط المتفق عليها كالمخالفة في جنس العمل أو مواصفات العمل .
    الرقابة الاجتماعية
    وتجلت في أجلى صورها في مؤسسة الحسبة حيث كان من مهام المحتسب ان ينهى عن تطفيف المكيال والميزان والغش في الصناعات والبياعات وقال ابن تيمية في كتابه عن الحسبة ان الغش المنهي عنه يدخل في البيوع بكتمان العيوب والتدليس مثل أن يكون ظاهر المبيع خير من باطنه ويدخل فيس الصناعات ومما يجوز للمحتسب إتلافه المغشوشات في الصناعات مثل الثياب التي نسجت نسجاً رديئاً فيجوز تمزيقها وتحريقها ويجري الاحتساب على جميع أصحاب المهن و الحرف والصنائع المختلفة لأن للإسلام حكمة فيهم وفيما يباشرونه وهو أداؤه على الوجه الصحيح السليم الخالي من الغش والتدليس ةالإضرار وقال المارودي أن من واجبات المحتسب أن يراعي أهل الصنائع فمنهم من يراعي عمله في الوفور والتقصير ومنهم من يراعي حاله في الأمانة والخيانة ومنهم من يراعي عمله في الجودة والرداءة.
    التحسين المستمر
    التحسين هو إحداث نغيير إيجابي مرغوب بهدف زيادة الإنتاجية أو توفير الوقت والجهد أو تطوير طرق وأساليب العمل ويعد التحسين المستمر من المطالب الأساسية للجودة حيث يجب الحرص على تحسين الخدمات والمنتجات التي تقدمها المنظمة فضلاً عن تحسين إجراءات العمل ذاتها بما ينعكس بشكل إيجابي على المنظمة ككل بما يتطلب أن يكون التزام المنظمة على جميع المستويات وبالأخص المستويات القيادية فيها هو التطوير والتحسين المستمرين للجودة ، وتوفير الوسائل التي تمكنها من أداء العمل بشكل مرض لكل من العاملين والعملاء ، وبما يحافظ على استمرار العلاقة بين المنظمة والعملاء ، كل ذلك يتطالب فحص ولكل العمليات والاجراءات والسياسات والقواعد وطرق العمل لتأكد من انها تؤدي الي تحقيق الجودة .
    الأمر الذي يتمثل في جهود لا تتوقف لتحسين الأداء:جهود تهدف إلى تحسين المدخلات والعمليات المؤدية لتحويل المدخلات إلى مخرجات أي أن جهود التحسين تشمل أداء العاملين والمباني والتجهيزات وطرق وتجهيزات الأداء ويمكن تمارس جهود التحسين المستمر من خلال فرق العمل
    فالتحسين المستمر أحد الأسس الهامة في إدارة الجودة الشاملة .وهو لازم لمعالجة :
    · ما يسفر عنه تقييم الأنشطة والخدمات المؤداة من مشكلات.
    · أو نواح للقصور.
    · تحسين للأنشطة والخدمات حتى لو لم يكن بها نواح فنية للقصور او لم تتضمنها شكاوى أو مقترحات للعملاء.
    · جهود المقارنة بمنافس نموذجي والارتقاء لمستواه.
    و تحسين العملية لابد أن يتم باستمرار بما يعني قبول المكاسب الصغيرة والهامة كخطوة في الاتجاه الصحيح نحو الجودة الشاملة ، ومن المعترف به أن المكاسب الجوهرية يمكن تحقيقها من طريق التحسينات التي قد تبدو بأنها غير هامة ولكن التعاون في إلاجل الطويل يؤدي إلي مكاسب ضخمة .
    وتتطلب جهود تحسن الجودة توافر عنصرين مهمين :
    الاستخدام الأمثل للأساليب والحوافز لتنفيذ خطط وبرامج الجودة الشاملة
    دعم الإدارة للعاملين وحثهم على التقدم بآرائهم ومقترحاتهم لتحسن المنتجات والخدمات
    وقد حث الإسلام على التطوير والتحسين المستمرين من خلال مفهوم المجاهدة والارتقاء بمستوى الأداء
    جودة بيئة العمل
    يدعو الإسلام لجودة بيئة العمل من حيث الاهتمام بالمشاركة والاتصال المفتوح والمشاركة في المعلومات وتقليل الفوارق بين الأفراد في التنظيم والتصميم الجيد للعمل وعمل الفريق والمشاركة في القرارات والتدوير والظيفي والمكافأة على أساس المهارة
    فقد قررت النصوص الشريعة أن الأجر حق شرعي للعامل وأمرت بتمكين العامل من افتضاء حقه في الجر فقد روي في الحديث القدسي أن الله تعالى يختصم من استأجر أجيراً و لم يوفه أجره بل إن أجر العامل لا يسقط حتى بفساد العقد وكان من الأهمية بمكان أن يكون هذا الأ جر محدداً واتجه التشريع الإسلامي إلى التدخل عند الحاجة حماية للعامل من العدوان عليه فقرر له الأجر العادل الذي يكفيه احتياجاته وأن يكون مكافئاً لأجر غيره ممن يؤدون نفس العمل وبما يتناسب مع كفاءة العامل و ليس حسب قيمة السلعة المنتجة لأنها قيمة متغيرة كما ندب الإسلام إلى المبادرة لإيفاء العامل اجره فور انتهائه من عمله ""اعطوا الأجير اجره قبل أن يجف عرقه" فإعطاء الأجر كاملاً يشعره باهتمام وتقدير المنظمة الإدارية له أما تأخيره فيقلل من نشاط العامل وإقباله على العمل.
    ومن ناحية أخرى فقط امر الإسلام بتحسين جو العمل وظروفه المادية فقرر حق العامل في الراحة وحدد ساعات العمل واشترط ملاءمة مكان العمل لأنه كلما كانت ظروف العمل مواتية كلما كان ذلك أدعى لنشاط العامل واتجاهه للتجويد والإتقان كما أوجب الإسلام حماية العامل من الأخطار بتوفير اسباب الوقاية في مكان العمل من التعرض للإصابات .
    كما على توفير الجو الملائم للعمل بما يولد لدى العامل الحرص على العمل المتقن من خلال العوامل الإنسانية المحيطة به وذلك من خلال:
    ان يوضع العامل أو الموظف في الموقع الذي يليق بأهليته وكفاءته وخبرته في المجال الذي اختار العامل العمل فيه
    تمتع العامل بالمعاملة الطيبة بما يرفع مستوى أداء العامل وغتاحة الفرصة له لتحقيق الذات
    فجودة الأداء لا تتأتى إلا غذا توافرت في بيئة العمل وسائل إشباع حاجات ورغبات وأهداف العاملين
    فغذا ما توةفرت بيئة العمل الجيدة قوي الالولاء التنظيمي
    الولاء التنظيمي هو امتداد للولاء الاجتماعي المتمثل في مشاعر الفرد وولائه وانتمائه للمجتمع الذي يعيش فيه ، وإن للولاء الاجتماعي ثلاثة ركائز إذا توفرت في البيئة التنظيمية فإنها تساعد على تماسك الولاء التنظيمي وبقائه واستمراريته وهي :
    ركيزة الولاء المستمر : أن يكرس الفرد حياته ويضحي بمصالحة لبقاء واستمرارية الجماعة .
    ركيزة الولاء التلاحمي: تشير إلى العلاقات الاجتماعية التي تربط الفرد بغيره بشكل يؤدي إلى تماسك الجماعة واستمراريتها .
    ركيزة الولاء الموجه : تشير إلى ارتباط الفرد بقيم الجماعة ومبادئها .
    والمقومات الأساسية لمفهوم الولاء تتمحور حول :
    قبول أهداف وقيم المنظمة .
    المساهمة بصورة إيجابية لتحقيق أهداف المنظمة .
    توفر مستوى عالي من الولاء للتنظيم .
    الرغبة الشديدة في البقاء والاستمرار في التنظيم القائم .
    الإخلاص والرغبة في تقييم التنظيم بصورة إيجابية .
    وتشمل أبعاد جودة بيئة العمل التي تؤدي إلى تقوية الولاء التنظيمي :
    السياسات : ضرورة العمل على تبني سياسات داخلية تساعد على إشباع حاجات الأفراد العاملين في التنظيم وتحقيق التوازن مما يولد شعور بالرضا والاطمئنان والانتماء ثم الولاء التنظيمي فإشباع حاجات العاملين والنظر إليهم كأعضاء في بيئة عمل واحدة تحاول ترسيخ معايير أداء متميز لأفرادها وتعمل على توفير درجة كبيرة من الاحترام المتبادل وإعطائهم دوراً كبيراً بالمشاركة في اتخاذ القرارات وبالتالي يترتب عليه زيادة قوة تماسك المنظمة .
    العمل على تنمية مشاركة الأفراد العاملين : المشاركة هي الاشتراك الفعلي والعقلي للفرد في موقف جماعي يشجعه على المشاركة والمساهمة لتحقيق الأهداف الجماعية ويشترك في المسؤولية عن تحقيق تلك الأهداف .
    تطبيق أنظمة مناسبة من الحوافز : يتطلب المناخ الجيد توفير حوافز معنوية ومادية مناسبة تؤدي إلى زيادة الرضا وبالتالي زيادة الولاء وارتفاع معدلات الإنتاج وتقليل التكاليف .
    العمل على الاهتمام بنمط القيادة : الإدارة الناجحة هي تلك الإدارة القادرة على كسب التأييد الجماعي لإنجاز الأعمال من خلال تنمية مهارات الأفراد الإدارية بإستخدام أنظمة الحوافز ، وقد عرفها البعض بأنها ذلك النشاط الذي يمارسه شخص القائد للتأثير في سلوك الآخرين لإجبارهم على التعاون وتحقيق الأهداف ، وأيضاً هي ذلك الفن في القدرة على التأثير على الأشخاص وتوجيههم بطريق تؤدي إلى الحصول على رضاهم وولائهم وتعاونهم للوصول إلى الأهداف .
    إن الأفراد الذين تتوافر لديهم درجات عالية من الولاء يمتازون بالأداء الوظيفي الجيد الناتج عن حب الأفراد وحماسهم للعمل ، واتجههم للإبداع سواء بتقديم منتج جديد على شكل سلعة أو خدمة أو التجديد في عملية إنتاج السلعة أو الخدمة وتوزيعها .
    ثقافة الجودة في الحضارة الإسلامية
    وقد أخذت هذه الثقافة تجلياتها الملموسة – إضافة إلى القيم والمؤسسات الاجتماعية التي سبقت الإشارة إليها من خلال دور الأصناف او اهل الحرف والطوائف الذين كانوا يشكلون الإطار المؤسسي للنظام الإنتاجي في الحضارة الإسلامية.
    فقد نشأت الأصناف نتيجة ظواهر التوحد والتشارك والتعاون على مستوى اهل الحرفة لدرجة السكن المشترك والخضوع لشيخ الطائفة أو الحرفة وانفرادهم بسوق مشترك وعدم اختلاطهم بغيرهم
    وقد طورت الأصناف سياسات للجودة من خلال تحديد مجموعة من الآداب والأخلاق تجمع بين أهلاقيات افسلام العامة وأخلاقيات خاصة بالمهنة إضافة إلى وجود كبير لكل مهنة بقوم بامتحان الممارسين لها ولم يكن بمقدور الصيادلة مثلاً أن يزاولوا عملهم غلا بعد اجتيازهم امتحاناً خاصا فقد كان اهتمام الأصناف الأساسي إتقان العمل وتطوير الصنف (النشاط الإنتاجي) فمن خلال التطور الداخلي للأصناف تحددت وظائف الصنف المتصلة بالصنعة و بالأعضاء
    فبالنسبة للصنعة كان من الواجب إتقان الصنعة والعمل على تطورها وتجويدها وابتكار الطرق الواجب اتباعها في أعمال تلك الصنعة وتحديد ما يجوز و ما لا يجوز وقد وجهت الأصناف اهتمامها إلى ذلك فكان إتقان الصنعة بالنسبة إلى الخبازين يعني رقة الرقاقة وإنضاجها ووجدت تعليمات لأوزان كل نوع من الدقيق وما يحتاجه من الماء.
    كما وجهت الدولة عنايتها للمواد الخام لمراقبة الكميات الواردة منها ومعرفة شروط خزنها واشترط في المواد الولية أن تكون جديدة ونقية وفي البداية كانت وظيفة المحتسب تطغى على وظيفة شيخ الصنف حيث كان يقوم بالرقابة على السلامة والصحة المهنية ومع تعقد الأعمال وتوسع المجالات وضع أهل الأصناف بأنفسهم القواعد التي تكفل سلامة الأداء على أن يتولى المحتسب مراقبة تطبيقها بواسطة قيادات الأصناف الفنية والإدارية
    ولما كانت الأصناف شريحة من المجتمع المسلم فقد ترجمت اخلاق الإسلام وإطاره الحضاري في تعاملها من حبث تحري الأخلاق الضرورية لأصحاب الحرف وكانت هناك رقابة ذاتية من قيادة الأصناف ممثلة في الشيخ او النقيب وكان هناك نظام معمول به ومسموح به من ولي الأمر لمعاقبة المنحرفين مهنياً حتى ؟أنه كانت تعقد حفلات "للشد" لقبول التوبة وكان تكوين النقبات يقوم على وجود شيخ هو رئيسها ويشرف على شئون طائفته ويجيز المبتدئين منهم إلى رتبة صانع ويرفع الصانع إلى درجة الاستاذ أو الأسطى بعد اجتيازه الاختبارات المقررة وكانت تنظيمات الصناع ترعى أفرادها وتحمي مطالبهم وتراقب المنتجات منعاً للغش في الصنعة بل وتطرد صاحب الإنتاج الردئ بشكل مؤقت من النقابة عقوبة له
    وكان نظام الترقي في الحرفة يقوم على نظام التمرين الفني الذي يجعل العامل يلم بكل دقائق الحرفة وأسرار المهنة بما يضمن جودة الإنتاج ومواكبة التطور في المهنة وضمان الحصول على مستويات عالية من الجودة




















    خامساًً: دور القيادة في إدارة الجودة الشاملة
    يعتمد نجاح عملية إدارة الجودة الشاملة بدرجة كبيرة على التزام كامل من الإدارة وتوفير النوع المناسب من القيادة. ويجب أن تخضع عملية اختيار قادة إدارة الجودة الشاملة بشكل خاص لمقاييس دقيقة بالنسبة لنوعيات القيادة.
    ويجب أن تُناط قيادة عملية تنفيذ الجودة بشخص واعٍ تماماً بالجودة الشاملة، فيفهم أن الجودة تشمل كافة الأنشطة والمهام. أي أن الشخص الذي سيقود الجودة يجب أن تتوفر لديه الشخصية المؤثرة والنشاط والرؤية الواضحة لعملية تحقيق الجودة، فبدون إعطاء مثال من خلال المثابرة والتصميم للحصول على الأشياء الصحيحة من البداية لا يستطيع قائد الجودة أن يوجد في الموظفين الإحساس المناسب بالجودة .
    وتحتاج قيادة برنامج الجودة أيضاً للسمات العامة التي ترتبط بالقيادة، مثل: الخبرة والمنافسة والاستقامة والثبات على المبدأ والثقة العالية .وبشكل أساس فإن الجودة جزء من مكونات القيادة الناجحة أي أن القيادة وإدارة الجودة مفهومان مترابطان لا يمكن فصلهما عن بعض. ولا يمكن اعتبار عملية الجودة أنشطة منعزلة عن باقي أعمال المؤسسة بل تشكِّل جزءاً من مكونات القيادة الناجحة
    إن قدرة القيادة لتحقيق الجودة الشاملة تشمل عدداً من الصفات والخصائص يشير إليه الحديث النبوي "إن خير مَن استأجرت القوي الأمين" ومنها:
    (أ) القدرة على التحليل: ومصدر هذه القوة هو القدرة على جمع أكثر وأجود ما يمكن من المعلومات والقدرة على تحليلها واستعمالها لاتخاذ القرارات، وكلما ارتفعت جودة وكمية وحسن استعمال هذه المعلومات الكمية والنوعية الداخلية والخارجية قلت نسبة الخطأ (التي لا يمكن إلغاؤها؛ إذ الكمال لله وحده)، وقلّت بذلك نسبة عدم التأكد (ولا وجود لمستقبل في حالة تأكّد تام ولو كان على المدى القصير؛ إذ لا يعلم الغيب إلا الله) وقلّت بالتالي نسبة المخاطرة. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا)[الحجرات: من الآية6]. قال تعالى: (قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) [النمل:27]. ).
    (ب) القدرة على الابتكار والتغيير : الانتقال من مستوى جودة إلى مستوى أعلى منه يتطلب إبداعاً. "إن الإبداع يُعدّ من أبرز أسباب عطاء وتمايز مجمل الحضارات قديمها وحديثها، وبقدر حجم ودرجة الإبداع والاهتمام به في الأمة يكون بمستوى تلك الأمة وتطورها وقدرتها على المنافسة والتفوق
    (جـ) بُعد النظر: من المهام الأساسية لكل قائد هو النظر للمستقبل والتنبؤ و التخطيط على المدى القصير والطويل يستعد لتنمية نظامه مستبقاً الأحداث، مدبراً لإجراءات وسياسات وإستراتيجيات جديدة؛ لتفادي العثرات والصعوبات. يقول "بيتر بلوك"Beater Block عن الرؤية أنها " تعبيرنا العميق عما نريده. إنها المستقبل الذي نفضله، الحالة التي نتمناها، الحالة المثالية، تعبير عن التفاؤل. إنها تعبر عن الجانب الروحي والمثالي للطبيعة البشرية. إنها حلم يكون في ساعات يقظتنا، يعبر عن كيف نريد من حياتنا أن تكون".
    (قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ) يوسف:47
    "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً.. واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا"
    (د) - حسن اختيار وتشريك الطاقات البشرية: لا يمكن للقائد أن يقوم بمهامه منفردا؛ فهو بحاجة إلى مجموعة تساعده يتعامل معها ويتعاون". نؤكد على التركيز على فرق العمل في المؤسسات، فنحن نعتقد أن الفرق هي حجارة البناء الأساسية في المؤسسات، وعندما تعمل الفرق بشكل صحيح يعمل الأفراد والمؤسسة بشكل صحيح أيضا "ولا يكفي حسن الاختيار ، فلا بد مع ذلك من تحفيزهم مادياً ومعنوياً، وأن يعترف لهم بقدراتهم . وأن " يحسن استعمالهم" بتشريكهم التشريك الحقيقي حسب مستواهم وإمكانياتهم في عملية اتخاذ القرار .. وإلا فحسن الاختيار وحده يؤدي إلى الإحباط ... والإحباط يؤدي إلى السلوك السلبي والهدام .. وللقائد أن يغرس فيهم حب الانتماء .. والالتزام .. والاستعداد على الإنجاز .. ويكون ذلك بوضعهم في المكان المناسب.. وفي الوقت المناسب.. وحتى يمكن الوصول إلى أداء ناجح أي فعّال وذي كفاءة وجدوى ... وهذا يؤدي حتماً إلى الاقتراب من أقصى مفعول التوافق الذي تتمناه كل مجموعة والذي يؤدي إلى نتيجة (2+2 لا 6 أو 7) بل أكثر ما يمكن من (4) .. "على المدير أن يضفي على قدراته الإدارية مزيداً من القيادة الوجدانية. وعلى القائد أن يعادل قدراته القيادية بمزيد من الإدارة العقلانية
    (هـ) الإشعاع: وإذا تحلّى القائد بكل الصفات الآنف ذكرها أصبح قادراً على التأثير على غيره، ويكون مثلاً يقتدي به في تحقيق مفاهيم ومتطلبات الجودة الشاملة من خلال التأثير الإيجابي في الآخرين
    ثالثاً: الاعتراف الرسمي: قد يخاف الرئيس من " المرؤوس القائد" فيعطيه المسؤولية رسمياً بدون منحه للسلطة الكافية للقيام بمهام تحقيق الجودة الشاملة، وبالتالي يصبح القائد مكتوف الأيدي يرجع في كل صغيرة وكبيرة إلى مصدر السلطة فيُبتلى بالإحباط. أو يمنحه السلطة الكافية، ويحرمه من الإمكانيات المادية والبشرية لإنجاز ما هو منوط به من تكليفات. قائد الجودة الشاملة لابد أن يملك كل المقومات والصلاحيات والإمكانيات المادية وغير المادية لتحقيقها في جميع جوانب المؤسسة.
    إقرار المرؤسين : القائد لا يمكن أن يمارس مهامه إلا إذا كانت المجموعة التي سيرأسها واعية وشاعرة بقدراته وإمكانياته في تحقيق الجودة الشاملة، ومعترفة له وقابلة المسؤولية التي سيتحملها والسلطة الأدبية التي يكسبها من خلال صفاته وخصائصه أولاً، والسلطة الرسمية التي سيفوضها له أصحابها
    وإذا توفرت القدرة والرغبة والاعتراف القاعدي بدون أن تفوض له السلطة فيبقى القائد قائداً يمارس "مهمته" بصفة غير رسمية بإشعاعه ومساعدته للبشر ونصحه وتوجيهه، الشيء الذي لا يمكن لأحد أن ينفك عنه. ومن كلف رسمياً وفوضت له السلطة، وسلط على المجموعة دون أن تقبله هذه أو دون أن تتوفر فيه القدرة والصفات والخصائص الأساسية للقيادة، فسيكون مديراً، ويبقى مديراً لا قائداً؛ إذ لن يُسمع له ولن يُقتدى به كمثال، ولن يقدر على تحفيز الطاقات إلى العمل الإيجابي البناء.
    الخطوات الأربع لدور القائد في إدارة الجودة الشاملة:
    الخطوة الأولى: يقوم القائد بنشر فكرة عامة عن الجودة حيث يهدف إلى تعريف مفهوم المؤسسة للجودة، وما هي المواصفات والمقاييس التي تريدها.
    الخطوة الثانية: يقوم القائد بتخطيط الجودة الإستراتيجية، وهذا يتطلب تحديد المجالات المختلفة للعمليات والنظم التي تحتاج للتحسين (مثل نظم المعلومات وتحليلها، التخطيط الإستراتيجي، تنمية الموظفين، العمليات التجارية أو الصناعية، نتائج المشروعات وإرضاء العملاء، الهيكلة، الاتصال.. وغيرها.
    الخطوة الثالثة: متابعة برامج التعليم والتدريب لكل شخص في الشركة بداية من الإدارة العليا وحتى جميع الموظفين.
    الخطوة الرابعة: الإشراف على برامج التحسين المستمر للعمليات والنظم ومتابعتها بنفسه وتنشيطها من وقت لآخر.
    دور القائد في التطوير الإستراتيجي للجودة:
    تتطلب قيادة برنامج إدارة الجودة الشاملة تحديد رؤية معينة يستطيع كل فرد أن يفهمها، وكذلك وضع أهداف فرعية يتوقع من الموظفين تحقيقها واقعياً. ويجب وضع الأهداف ضمن إطار عمل لجدول زمني محدَّد والذي يُشكِّل جزءاً من الخطة الإستراتيجية.
    ويمكن تسهيل متابعة التقدم في تحسين الجودة باختيار عدد محدَّد من المؤشرات الأساسية. ويجب على قائد الجودة التأكد من وجود إجراءات واضحة وثابتة لمراقبة هذه المؤشرات.
    ومن المهم استغلال التغذية العكسية في إجراءات الرقابة بشكل مناسب وإعلام الموظفين بالنتائج حتى تصبح عملية تحسين الجودة حقيقية بالنسبة لهم .
    ويجب عرض النشاطات للموظفين في خطوات متسلسلة مدروسة، وأن يكون عدد هذه النشاطات المعروضة محدوداً ووصفها وعرضها بوضوح مع شرح كل نشاط نوعي بطريقة مختصرة وبمصطلحات عملية .
    دور القائد في المحافظة على رضا العملاء كأحد أبرز متطلبات الجودة:
    يتضمن التركيز على العملاء الاستماع إلى توقعاتهم، ويجب على موظفي المواجهة المحافظة على حوار حول الجودة مع العملاء الذين يقدمون لهم خدماتهم. ومن المهم رؤية شكاوى الزبائن من عدة زوايا مختلفة.. والمشكلة أنه قد لا يتوفر لدى جميع الموظفين الحافز للاستماع والفهم والتصرف تجاه شكاوى معينة .
    وفي هذه الحالة يكون دور قائد الجودة دعم الموظفين وإيجاد الطرق المناسبة لمكافأة الأفعال التي تحسِّن الجودة والتأكيد الدائم على أهمية الاستماع للعملاء وإدراك حاجاتهم ورغباتهم.


    سادساًً : من برامج الجودة الشاملة ( فرق العمل)
    تقوم اإدارة الجودة الشاملة على الاهتمام بالعنصر البشري والتركيز على تنمية نظم الحوافز المادية والمعنوية لخلق بيئة ومناخ ملائم للإبداع والتطوير سعياً لتحقيق رضى العملاء والمستهلكين من أفراد، ومجتمعات ومن هنا نجد جابلونسكي يعرف إدارة الجودة الشاملة على أنها" استخدام فرق العمل في شكل تعاوني لأداء الأعمال بتحريك المواهب والقدرات الكامنة لكافة العاملين في المنظمة لتحسين الإنتاجية والجودة بشكل مستمر " ويعتبر اليابانيون من أوائل من طبق إدارة الجودة الشاملة، وحلقات الجودة، وفرق العمل وذلك بتأثير جهود د. أدوارد ديمنج.
    وفريق العمل هو مجموعة من الأفراد يعملون مع بعضهم لأجل تحقيق أهداف محددة ومشتركة ، والبعض يعرف الفريق على انه " مجموعة من الأفراد يتميزون بوجود مهارات متكاملة فيما بينهم ، وأفراد الفريق يجمعهم أهداف مشتركة وغرض واحد ، بالإضافة الى وجود مدخل مشترك للعمل فيما بينهم ".
    ففرق العمل هي "جماعات يتم إنشاؤها داخل الهيكل التنظيمي لتحقيق هدف أو مهمة محددة تتطلب التنسيق والتفاعل والتكامل بين أعضاء الفريق ، ويعتبر أعضاء الفريق مسئولين عن تحقيق هذة الأهداف ، كما أن هناك قدركبير من التمكين للفريق في إتخاذ القرارت " ، والفريق في النهاية هو وسيلة لتمكين الأفراد من العمل الجماعي المنسجم كوحدة متجانسة .
    تمر عملية بناء الفريق بعدة مراحل، يحدث فيها النمو والنضج وصولاً إلى مرحلة التكامل، وتخفق العديد من المنظمات في الإستفادة من هذه المنهجية لعدم إلمام القادة والمدراء بالطرق والأسس التي يتم بها بناء فرق العمل الفعالة ، وكيف يمكن لهم كقادة ومدراء أن يكونوا بناة فرق فعالة تتحقق من خلالها أهداف المنظمة وتشبع حاجات الأفراد وصولاً الى مرحلة الإندماج والتكامل
    يؤدي العمل بأسلوب الفريق تحقيق التعاون بين أعضاء المجموعة وهذه هي الفائدة الأساسية، حيث يرغب الأعضاء في العمل معاً، ومساندة بعضهم البعض لأنهم يتوحدون في فريق ويريدون له النجاح مما يقلل من المنافسة الفردية. كما يتيح أسلوب إدارة وبناء فرق العمل بفعالية فرص تبادل المعلومات المطلوبة بحرية وبطريقة انسيابية حيث تتدفق المعلومات بسهولة من أسفل إلى أعلى (من الأعضاء إلى الإدارة)، ومن أعلى إلى أسفل (من الإدارة إلى الأعضاء)، لأن الأفراد يدركون عند العمل بفرق فعّالة أهمية تبادل المعلومات المطلوبة والمشاركة بفعالية في تحقيق أهداف الفريق والمنظمة.
    خلق بيئة عالية التحفيز، ومناخ مناسب للعمل يقلل من شعور العاملين بالوحدة ويزيد من إحساسهم بالهوية المشتركة.
    إشعار العاملين بالفخر بأدائهم الجماعي لتقليل حالات الغياب والإهمال والكسل.
    الحد من الصراعات.
    الإحساس المشترك بالمسؤولية تجاه المهام المطلوب إنجازها، مما يؤدي إلى التركيز على الأهداف.
    تشجيع المبادرات، وتقديم الاقتراحات، مما يؤدي إلى تحفيز القدرات الإبداعية والمواهب الذاتية لدى الأفراد.
    استجابة أسرع للمتغيرات البيئة.
    تقليل الاعتماد على الوصف الوظيفي.
    التفويض الفعال من قبل المدراء.
    توقع المشكلات قبل حدوثها، وتقديم حلول لها.
    زيادة فعالية الاتصالات بين الأعضاء ومما يؤدي إلى تحسين وتنمية مهارات الاتصال لدى الأفراد.
    تتميز فرق العمل الفعّالة بالعديد من الصفات التي تميزها عن غيرها من فرق العمل الغير فعاله، فالعلاقات تتميز بالثقة والاحترام والتعاون، والخلاف يعتبر طبيعياً ويتركز حول الموضوعات وليس الأشخاص، كما أن المعلومات تتدفق بحرية في كافة أرجاء المنظمة ويشترك فيها كافة أعضاء الفريق، وتمتاز بالوضوح والدقة، وكذلك تختفي مظاهر التأكيد على النفوذ وتكون القرارات مستندة إلى معلومات، وبالإجماع، ويلتزم بها الجميع والسلطة تتوقف على الكفاءة ويشترك فيها الجميع ولا تخضع لقوانين تبادل المنفعة ولا تحجب عن العضو، أو تمنح له بعد مفاوضات كثيره، وتكون منتقاه.
    على عكس التصور الشائع من أن عملية بناء فريق العمل عبارة عن تجميع عدد من الناس، وجعلهم يعملون مع بعضهم البعض، تمر عملية بناء الفريق بعدة مراحل، يحدث فيها النمو والنضج وصولاً إلى مرحلة التكامل، لذلك هي تتطور عبر مراحل تأخذ فترة من الزمن وهذه المراحل:
    1- التشكيل:
    ويسود هذه المرحلة الارتباك، لأن الأفراد يكونون في مواقف جديدة غير مألوفة لهم، وتتصف العلاقات بالرسمية وينصب اهتمام الأفراد على أنفسهم، ويسعون لتلبية حاجات الأمان لديهم، كما ويظهر التذمر من العمل مع الفريق، والدخول في مناقشات غير مثمرة.
    مرحلة التشكيل مرحلة مهمة وتتطلب من قائد الفريق (باني الفريق) العمل على التأكيد على السلوكيات التي تحقق النجاح وعدم النظر للأمور بمنظور شخصي نظراً لحقيقه الاختلافات البشرية الفردية.
    2- مرحلة العصف (الصراع):
    يغلب على الأفراد في هذه المرحلة الشعور بالاختلاف في الآراء ووجهات النظر، ويقوم السلوك على الجدل والتنافس والصراع، وكذلك الدفاع عن وجهات النظر الشخصية، ومن مظاهر هذه المرحلة ظهور جماعات عمل فرعية، وعدم الإحساس بالهدف من الدور المطلوب القيام به، وقد يلجأ البعض إلى عدم تشجيع أفكار القائد والسعي إلى تفويض سلطته.
    من هنا ينصح القائد أو باني الفريق بالعمل على تكوين رؤية مشتركة والحرص على خلق بيئة عمل إيجابية تتحدد من خلالها معالم الأهداف والأدوار المطلوبة القيام بها.
    3- مرحلة التعاون:
    يبدأ الأفراد الاستجابة للبيئة التي أوجدها باني الفريق، وتظهر علامات قبول الانضمام إلى الفريق لتحقيق الأهداف ويظهر الالتزام والعزم على المشاركة بكل قوة، لذلك فإن سلوك الأعضاء في هذه المرحلة يتجه نحو تسوية الخلافات والصراعات والبدء ببناء علاقات شخصية، وتعتمد في هذه المرحلة المعايير والقيم التنظيمية للفريق.
    4- مرحلة الأداء:
    يبدأ التزام الأفراد بمعايير وقيم الفريق وتتسم المرحلة بالجدية والحيوية، والرضا عن النفس، والثقة بالآخرين.
    مما تقدم يتضح أن عملية بناء وتطوير الفريق تم بمراحل متعددة من النضج والنمو، وكذلك من حيث التكوين ولا تحدث عمليات البناء تلقائياً، وبالتالي يلزم الفهم التام، والالتزام بالتدرج العملي السليم، وإتقان العديد من المهارات اللازمة لهذه العملية ويمكن إيضاح المنهجية الصحيحة لبناء فريق العمل على النحو التالي:
    تحديد الحاجة للفريق.
    تعيين قائد للفريق.
    توضيح المهمة، والتوقعات.
    تشكيل الفريق.
    المشاركة في صياغة الرؤية والأهداف.
    تصميم خطوات العمل ووضع معايير الأداء.
    توزيع المهام وتحديد الأدوار.
    المحافظة على الأداء الفعّال.
    فرق دوائر الجودة:
    ويطلق عليها أيضاً مسمى دوائر مراقبة الجودة (Quality circle) وهي عبارة عن مجموعة من العاملين تشكل من الوحدة الإنتاجية أو الوظيفية نفسها بناءً على موافقة الإدارة، ويكون العمل فيها تطوعياً وليس لها سلطة، ويجتمع أعضاء هذه الفرق بشكل منتظم ودوري لمناقشة المشكلات ووضع الحلول الخاصة بقضايا الجودة والإنتاج التي تؤثر على عملهم، ومن ثم يقومون بتقديم التوصيات المطلوبة لتحسين جودة المنتج أو الخدمة المقدمة.
    وقد نشأت هذه الجماعات في اليابان حيث يجتمع كل من المشرفين والعاملين معاً لتحليل المشكلات ووضع الحلول وأدت هذه الفرق دوراً مهماً في خلق القدرة التنافسية للشركات اليابانية مما ساهم في انتشار استخدام هذا النوع من فرق العمل بين الشركات الصناعية في أنحاء العالم.
    وتضــم فرق العمل الأنشطة التالية :
    الإعداد والتخطيط للجودة .
    قياس وتحليل الجودة .
    تحسين وتطوير الجودة .
    ضبط ومراقبة الجودة .












    المراجع :
    الكتب
    1- أحمد سيد مصطفى ، محمد مصيلحي الأنصاري، برنامج إدارة الجودة الشاملة وتطبيقاتها في المجال التربوي23- 26/6/2002م الدوحة
    2- أنمار الكيلاني. التخطيط للتغيير نحو إدارة الجودة الشاملة في مجال الإدارة التعليمية . بحث منشور في مؤتمر نحو تعليم عربي متميز لمواجهة تحديات متجددة . (12-13 مايو1998 )
    3- أحمد الريسوني ، مدخل إلى مقاصد الشريعة ، ( الرباط : المكتبة السلفية ،1996)
    أمين النبوي الشال.إدارة الجودة الشاملة : مدخل لفعالية إدارة التغيير التربوي على المستوى المدرسي بجمهورية مصر العربية .أعمال مؤتمر إرادة التغيير في التربية و إدارته في الوطن العربي .(21-23 يناير1995 )، القاهرة
    4- بدوي محمود الشيخ، الجودة الشاملة في العمل الإسلامي، (القاهرة: دار الفكر العربي، 2000) .
    5- تونسيند، باتريك وجيبهارت. جون. كيف تحقق الجودة؟، (الرياض: المؤتمن للتجارة، ، 1998)
    6- ريشارد باسكال ، فن الإدارة اليابانية، ترجمة محمد حسن يسن،( الرياض : معهد الإدارة، 1993)
    7- حامد عبدالله السقاف ، قياس الجودة في الشركات الخدمية ،( الرياض: مكتبة المجتمع ، 2001)
    8- حسن الطيب، إشكالية الإصلاح و التطوير الإداري .الكويت : دار السلاسل، 1989).
    9- خضير كاظم حمود ، إدارة الجودة الشاملة (عمان:دار المسيرة للنشر،2000) .
    10- رياض رشاد البنا ،الجودة الشاملة مفهومها وأسلوب إرسائها ، بحث مقدم إلى المؤتمر السنوي الواحد والعشرون للتعليم الإعدادي الرياض: 24 -25 يناير 2007م
    11- صالح ناصر العليمات ، إدارة الجودة الشاملة في المؤسسات التربوية ، (القاهرة : دار الشروق، 2004)
    12- المنظمة العربية للتنمية الإدارية ، موسوعة الإدارة العربية الإسلامية ، المجلد الثاني، ( القاهرة : المنظمة العربية للتنمية الإدارية، 2004 )
    13 عادل الشبراوى الدليل العلمى لتطبيق ادارة الجودة الشاملة، (القاهرة:الشركة العربية للاعلام العلمى،1995)
    14- عبدالرضا علي حسين وآخرون. مقترح الخطوط العريضة لمنظومة مركز الجودة، وزارة التربية والتعليم، البحرين، مارس 2006.
    15- علي جمعة محمد، المصطلح الأصولي ومشكلة المفاهيم، (القاهرة : المعهد العالمي للفكر الإسلامي 1996) .
    16 - فيليب أتكنسون، جوزيف جابلونسكى , جون مارش , عبد الفتاح السيد النعمانى ( مترجم) ، إدارة الجودة : التقدم و الحكمة و فلسفة ديمنج (القاهرة . الجمعية المصرية لنشر المعرفة و الثقافة،1998)
    17 - فيليب أتكنسون , جوزيف جابلونسكى , جون مارش , عبد الفتاح السيد النعمانى ( مترجم ) , إدارة الجودة الشاملة 0 (مركز الخبرات المهنية للإدارة، الجيزة: 1996)
    18 - مارش، جرن. أدوات الجودة الشاملة من الألف إلى الياء. جـ3 تعريب عبدالفتاح السيد، ( الجيزة: مركز الخبرات المهنية المهنية للإدارة "بميك" ، 1996).
    19- محمد مهنا العسلي ، الإدارة في الإسلام ، (جدة : الدار السعودية للنشر والتوزيع، 1985)
    20 محمد عقلة الإبراهيم ، حوافز العمل بين الإسلام والنظم الوضعية،( عمان: 1988)
    21 - مركز التميز للمنظمات غير الحكومية ، الدليل الإرشادي لبناء فرق العمل ، الأدلة التدريبية ، العدد 17 أكتوبر 2002.
    22- يوسف القرضاوي، العبادة في الإسلام (بيروت: مؤسسة الرسالة ، 1970)
    23 - الفخر الرازي، التفسير الكبير، (القاهرة : دار الغد العربي، 1993).
    24 المارودي، أدب الدين والدنيا،(بيروت: دار إقرأ، 1986 )
    الدوريات
    1- إبراهيم حسن إبراهيم، الرقابة الإحصائية على الجودة وفلسفة ديمنج في الإدارة ، مجلة التعاون الصناعي أكتوبر 1993
    2- حامد أحمد رمضان ، القيادة الإدارية :اتجاه إسلامي، مجلة الدرسات التجارية الإسلامية ، مركز صالح كامل للأبحاث التجارية ، العدد الأول ، السنة الأولى ، يناير1984.
    3- حسين شحاتة ، المنهج الإسلامي للأمن والتنمية ، مجلة الاقتصاد الإسلامي ، العدد106 ،1992
    4- سوسن سالم الشيخ، ابعاد الثقافة التنظيمية في ماليزيا في ضوء الثقافة التنظيمية الإسلامية، المجلة العلمية لكلية التجارة فرع البنات بجامعة الأزهر ، العدد الثامن عشر ، يونيو1996.
    5- سوسن سالم الشيخ، الضوابط السلوكية للتنظيم الإسلامي، المجلة العلمية لكلية التجارة جامعة الأزهر،العدد الحادي عشر ، يناير 1994
    6- سوسن سالم الشيخ ، أبعاد الثقافة التنظيمية في الفقه الإداري الإسلامي ، المجلة العلمية لكلية التجارة فرع جامعة الأزهر للبنات ، العدد الثاني عشر ، يناير 1995
    الرسائل العلمية
    1- حمد بن فرحان الشاوي ، الثقافة التنظيمية وعلاقتها بالانتماء التنظيمي، رسالة ماجستير مقدمة إلى جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، الرياض، 2005
    2- عبدالمجيد حسن آل الشيخ ، إدارة الجودة الشاملة وإمكانية تطبيقها في إدارة جوازات منطقة الرياض من وجهة نظر الضباط العاملين بها ، رسالة ماجستير مقدمة لأكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية ،2004
    3- علي بن عبدالله المهيدب، إدارة الجودة الشاملة وإمكانية تطبيقها في الأجهزة الأمنية،رسالة ماجستير مقدمة إلى جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، 2005
    الشبكة الدولية للمعلومات
    عباس محجوب، إتقان العمل ثمرة الإحسان، موقع مفكرة الإسلام على الإنترنت.
    References
    1- Kirkman, A. Beyond self- management: antecedent & consequences of Team empowerment Academy of Management journal. Vol. 42 N1 P.58
    2- A KHALIQ AHMAD ISLAMIC ETHICS IN THE CHANGING ENVIRONMENT FOR MANAGERS, Malaysian Management Review,Vol 8 , January 1996,