عمرانيات

مدونة تهتم بقضايا العمران الإنساني بالبحث والترجمة الزائر الكريم: تفضل بزيارة مدونتي الأخرى Mnzoor.blogspot.com Alkasd.blogspot.com

الأربعاء، نوفمبر 29، 2006

المعيار الخاص لنشر البيانات

  • Alkasd my other blog
  • Special Data dissemination standard (S.D.D.S)
    المختصرات:



    المعيار الخاص لنشر البيانات ( S.D.D.S) Special data dissemination Standard
    سيشار إليه بالمعيار لدى عدم تخصيصه

    النظام العام لنشر البيانات ويشار إليه بالنظام General Data Dissemination System (G.D.D.S)
    برنامج جودة البيانات ويشار إليها بالبرنامج Data Quality Program (D.Q.P)



    المصادر:
    I.M.F. Org
    I.M.F., Special data dissemination Standard: Updated guidance.
    I.M.F., Fifth review of the fund`s Data standards
    Initiatives, June, 18, 2003







    المعيار الخاص لنشر البياناتS.D.D.S) )
    1- عام:
    مع احتدام الأزمة المكسيكية عام 1994، زاد وعي المجتمع الدولي بالدور الأساسي لشفافية البيانات فى مواجهة تحديات العولمة وأقر بأهمية هذا الدور فى خفض احتمالات اندلاع الأزمات المالية، فكانت الدعوة لنشر البيانات المالية والبيانات الاقتصادية الكلية الموثوقة فى أوانها، والدعوة لإنشاء نظام محسن للإنذار المبكر يتيح الاستجابة السريعة والمرنة للصدمات المالية، وفى هذا السياق واستجابة لتقرير مجلس صندوق النقد الدولي التنفيذي دعت قمة " هاليفاكس" (Halifax) سنة1995 لاتخاذ الخطوات التالية:-
    - وضع معالم لنشر البيانات الاقتصادية والمالية الرئيسية في أوانها.
    - وضع إجراء للتحديد العلني والمنتظم للأقطار التى تخضع لهذه المعالم.
    - الإصرار علي صياغة تقارير كاملة في أوانها عن مجموعة بيانات أعضاء المعيار وتقديم نصائح بسياسات لكل الحكومات وتوجيه رسائل صريحة للبلدان التى تتجنب القيام بأعمال ضرورية لهذا.
    وقد وافقت اللجنة المؤقتة لمجلس محافظي الصندوق علي توصية مجلسه التنفيذي باقتراب من درجتين لمعايير نشر البيانات، باعتبار التنوع في عضوية الصندوق واختلاف الحساسية لحركات سوق رأس المال الدولي فتم وضع المعيار الخاص لنشر البيانات في مارس 1996 م ثم النظام العام لنشر البيانات S.D.D.S في1997 م
    1ـ 2 الغرض من المعيار:
    تقديم إرشاد للدول في نشر البيانات الاقتصادية والمالية وإتاحتها شاملة في أوانها للعموم عبر الأبعاد الأربعة للمعيار.
    1ـ3 أهداف المعيــــار:
    إن صندوق النقد الدولي إذ يشجع استعداد الأعضاء لأن يكونوا قادرين علي النفاذ لأسواق رأس المال وضع هذا المعيار لإرشاد الأعضاء الذين يسعون أو لديهم القدرة على النفاذ لأسواق رأس المال الدولية عبر تزويدهم الجمهور بالبيانات الاقتصادية والمالية الموثوقة.
    وهناك شواهد متزايدة علي أن الالتزام بمعيار الشفافية الدولية عامة والمعيار الخاص لنشر البيانات (S.D.D.S.) علي وجه الخصوص له تأثير إيجابي على قدرة البلد للنفاذ لأسواق رأس المال الدولية كما أن الاشتراك في المعيار الخاص (S.D.D.S.) يخفض نفقة الاقتراض الدولي ويسهم إيجابياً في تصنيفها من قبل هيئات تصنيف الائتمان.
    كما أن تحسين المعيار ( S.D.D.S.) إتاحة إحصاءات شاملة وفي أوانها يسهم في اتباع سياسة اقتصادية كلية سليمة كما يتوقع أن يسهم المعيار (S.D.D.S.) في تحسين أداء السوق المالية لوظائفها.
    ومنذ بداية المعيار (S.D.D.S.) في عام 1996 كان له تأثير هام على ممارسات الأقطار الأعضاء في نشر البيانات، واستمر محفزاً لعمل الصندوق في تعزيز جودة البيانات بما أدى لقيام الصندوق بعدد من المبادرات في مجال معايير البيانات.
    1
    1ـ 4 الاشتراك في المعيار ( S.D.D.S.)
    تم فتح باب الاشتراك في المعيار( S.D.D.S.) في أبريل 1996م بمقتضي خطاب من مدير الصندوق لكل أعضائه ومحافظيه، ويمكن أن يتم اشتراك الدولة في أي وقت علي أن يتم إرسال الاشتراك كتابة إلي سكرتارية الصندوق، وتم تحديد فترة انتقالية رسمية بدأت مع فتح باب الاشتراك وانتهت في 31 ديسمبر 1998م وخلال هذة الفترة كان يمكن للعضو أن يشترك في المعيار (S.D.D.S.) حتى لو كانت ممارسا النشر عنده لا تتفق بشكل كامل مع المعيار في هذا الوقت، وأعطت هذه الفترة المشتركين وقتاً لتعديل وضبط ممارستهم في نشر البيانات وفقاً لخطة يشار إليها بالخطة الانتقالية لتتفق مع المعيار وخلال هذه الفترة درس الصندوق بشكل واف بعض الجوانب العملية الإجرائية وراجع مضمون وإجراءات المعيار بحيث يتم عمل أية تعديلات وضبط المعيار على ضوء التجربة والخبرة.
    وعلي الرغم من أن الاشتراك في المعيار (S.D.D.S.) تطوعي فإنه يحمل العضو المشترك التزاماً بمراعاة المعيار وتقديم معلومات معينة عن ممارساته في نشر البيانات الاقتصادية والمالية، فعلي المشتركين إرسال المعلومات وبثها على الموقع الخارجي للصندوق في النشرة الإلكترونية، وإنشاء موقع علي الشبكة الدولية للمعلومات ( الانترنت) يتضمن بياناته ويسمى صفحة موجز البيانات القطرية والموقع متصل بالنشرة.
    وهناك 55 اشتراك في المعيار (S.D.D.S.) وخلال المراجعة الرابعة لمبادرات الصندوق لمعايير البيانات أقر المجلس التنفيذى خطة 25 /50 لتأهيل 50 دولة اعتبرت قادرة علي الالتزام بالمعيار(S.D.D.S.) خلال (5) أعوام.
    2ـ أبعاد المعيار:( S.D.D.S.)
    يأخذ المعيار برؤية شاملة لنشر البيانات فيحدد أربعة أبعاد لنشر البيانات أساسية لشفافية أداء سياسات الاقتصاد الكلى هذه الأبعاد إجمالاً:
    *البيانات المالية و الاقتصادية:
    - (ما تغطيه هذه البيانات ـ دورية البيانات ـ التواتر الزمني للبيانات )
    وفق المكونات والعناصر المشار إليها لاحقاً بما يناسب البلد وبتحسين هذا البعد أعطى المعيار دفعة لتزايد التأكد من البيانات المنشورة وقابلية التنبؤ بإصدارها.
    *نفاذ الجمهور للبيانات
    النشر الرسمي للبيانات سمة أساسية لها كسلعة عامة والاستعداد للنفاذ للبيانات لها بشكل متساو متطلبات أساسية للجمهور ولتعزيز ذلك يوجب هذا المعيار:
    - نشر مواقيت الإصدار سلفاً
    - النشر المتزامن لكل الأطراف المهتمة
    *تكامل البيانات
    لتحقيق هدف مد العموم بالبيانات لابد للإحصاءات الرسمية أن تحوز ثقة مستخدميها، هذه الثقة في البيانات بدورها هي مسألة ثقة في موضوعية واحتراف الهيئة المنتجة للبيانات، وشفافية ممارسة الهيئة وإجراءتها عامل أساسي في إنشاء هذة الثقة من خلال عدد من العناصر.
    *جودة البيانات
    لابد أن يكون لجودة البيانات أولوية قصوي فيتم إمداد مستخدمي البيانات بمعلومات لتقويم الجودة وتحسينها فيتطلب المعيار لمساعدة مستخدمي البيانات بمعلومات لتقويم الجودة وتحسينها فيتطلب المعيار لمساعدة مستخدمي البيانات في تقويم جودة البيانات:
    ـ نشر توثيق لمنهجية البيانات والمصادر المستخدمة في أعداد البيانات.
    - نشر تفصيلات المكونات وتوفيقات البيانات مع البيانات الأخرى ذات الصلة ونشر إطار إحصائي يتيح مراجعة البيانات بعضها ببعضاً ومراجعة معقوليتها.
    2ـ 1 بعد البيانات
    2ـ 1ـ1 تغطية البيانات
    نشر بيانات مالية واقتصادية شاملة يعتمد عليها أساسي لشفافية سياسة الاقتصاد الكلى ويحدد هذا البعد ويركز علي البيانات الأكثر أهمية في تقويم السياسة والأداء فى قطاعات الاقتصاد الكلى الأربعة:
    العيني والمالي والمالية والخارجي
    فيضم 18 فئة بيانات، وإقرارا باختلاف الهياكل الاقتصادية والترتيبات المؤسسية عبر البلدان المختلفة يتسم المعيار بالمرونة، فهناك فئات محددة للنشر علي أساس" المناسبة " للبلد المعنى، وبعض فئات البيانات والمكونات يشجع المعيار نشرها ولا يلزم بنشرها.
    القطاع العينى
    الفئات الموصوفة الحسابات القومية
    بالأسعار الاسمية والحقيقية والمرتبطة

    مؤشرات الإنتاج
    مؤشر أو أكثر وفق الهيكل الاقتصادى المكونات : الناتج المحلى والإجمالى مقاساً بفئة الإنفاق أو القطاع الإنتاجى
    السلع الأولية أو الصناعية أو القطاع الانتاجى
    الفئات والعناصر المشجعة الادخار / الدخل القومى الإجمالى
    مؤشر أو مؤشرات التطلع المستقبلى كالمسوح الكيفية لقطاع الأعمال أو مسوح التوقعات .

    يقتضي المعيار نشر تفصيل مكونات الناتج القومي الإجمالي بفئة الإنفاق الرئيسي و/أو القطاع الإنتاجي وهذا التفصيل التحليلي يجب أن يكون مما يشيع استخدامه في البلد المعني و يمكن أن يكون في حده الأدنى مثلاً في حالة بلد منتج كبير للنفط يمكن نشر التمييز بين الناتج النفطي والناتج غير النفطي و يتم تطبيق هذا التحديد على خلفية البيانات بعمل قائمة بالمكونات الرئيسة التي تم نشرها.
    يقتضي المعيار نشر البيانات الفصلية لاثنين على الأقل من:
    الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية وبالأسعار الثابتة وبالأسعار المترابطة وهي محددة متضمنةً انخفاضات الأسعار أو مؤشرات الأسعار التي عادة ما تكون منتجاً في أو منتجا جانبياً في عملية إعداد الحسابات القومية.
    وإذا لم يكن الحال كذلك واستخدمت مجموعة اخرى من مؤشرات الأسعار فإن المؤشرات المختارة يجب أن تكون متوسطات مرجحة للمؤشرات المفردة فتكون معاً مؤشرات على الأثمان التي يغطيها الناتج المحلي الإجمالي.
    وإذا ماانت بينات الناتج المحلي الإجمالي تشير إلى ما هو أقل من مجمل الناتج المحلي الإجمالي كأن يستخدم الناتج الحلي الإجمالي دون أن يشمل سلعة أو قطاع اقتصادي ما على نطاق واسع في البلد فإن هذا الحذف وأي حذف آخر ذو شان يجب وصفه في (ما وراء البيانات)والتي في صورتها النموذجية تشير لأسباب هذا الحذف.
    ويجب نشر بيانات الناتج المحلي الإجمالي كمستويات وليس كتغيرات بنسب مئوية أو مؤشرات.
    يجب أن تكون المؤشرات المختارة والتي قد تكون نطاقية أو مؤشرات منتقاة من المؤشرات القطاعية و/أو السلعية مما يعد في البلد المعني مؤشراً هاماً مفيداً.
    حجم صادرات السلع أو الصادرات القطاعية يمكن اعتباره ممثلاً مقبولاً لمؤشرات الإنتاج فقط في ظروف خاصة جداً و لا يمكن أن يكون مؤشر المبيعات _من الناحية النموذجيةـ ممثلاً لمؤشر الإنتاج المحلي الإجمالي لكن مؤشر المبيعات الصناعية مقبولإذا ما كان بشكل تقليدي مفيد في تتبع النشاط الإنتاجي.
    الفئات الموصوفة سوق العمل المكونات: البطالة والتوظف والأجور .
    للبلدان المشتركة حرية تقرير تغطية مناسبة تحليلياً لفئة بيانات سوق العمل تقوم على المؤشرات الأوسع استخداماً فيها و في حين أن بيانات التوظيف والأجور/الكسب يجب نشرها (في الشكل النموذجي) كمستويات فإن نشرها في شكل مؤشرات أو تغيرات مقبول ويمكن تقديم بيانات البطالة في شكل مستويات أو نسب مئوية.
    الفئات الموصوفة مؤشرات الأسعار المكونات: أسعار المستهلك أو المنتج أو أسعار الجملة.
    بالنسبة لأسعار المستهلك يجب أن يكون المؤشر المحدد هو الأوسع استخداماً في هذا البلد، ولا ضرورة لأن تكون تغطية الدخل (التغطية الجغرافية )كاملة ولكن يجب الإشارة لذلك في (خلفية البيانات)
    يجب أن يكون الرقم القياسي لأسعار المنتج وأسعار الجملة هي الأشيع استخداماً في البلد و لا يوحدد المعيار التغطية القطاعية و لا يوجب أن يغطي المؤشر كل المعاملات في القطاع الاقتصادي المختار فالمؤشر الذي يغطي السوق المحلي مثً مقبول لكن يجب أن تتم الإشارة للتغطية في (خافية البيانات).
    ب ) القطاع المالى :
    الفئات موصوفة : عمليات القطاع العام أو الحكومة العامة



    المكونات: الدخل والإنفاق والميزان والتمويل المحلى ( البنكى وغير البنكى) والتمويل الأجنبى .

    عمليات الحكومة المركزية المكونات: حسابات الميزانية والاحتياطات والإنفاق والتمويل المحلي والأجنبي
    دين الحكومة المركزية المكونات: الدين المحلي والأجنبي وباستخدام الأرقام القياسية والمؤشرات كما هو مناسب للدولة والدين المضمون من الحكومة المركزية
    يطلب المعيار نشر تفصيل مكونات عمليات الحكومة والقطاع العامفإذا لم ينشر كل أو بعض المكونات الموصوفة لكن كان من الممكن اشتقاقها مما هو منشور فيجب أن تشير (خلفية البيانات ) كبف يمكن لمستخدمها أاشتقاق المكونات الموصوفة.
    ولاحاجة لنشر البيانات الموصوفة إذا كانت صغيرة بدرجة لا تكون معها مفيدة تحليلياً لكن خلفية البيانات يجب أن تشرح مع الوصف الكمي لماذا لم تنشر المكونات الموصوفة.
    يجب نشر التفصيل التحليلي المالي حتى لو كانت العمليات غالباً ما تنتج قيمة مضافة كلية
    يجب نشر بيانات الحكومة المركزية كبيانات فعلية أما البيانات المبنية على تقديرات وإسقاطات فلا تتوافق مع المعيار
    قد تشمل البيانات من الولايات والحكومات المحلية بعض التقديرات مثلاً قد تغطي الوحدات الرئيسية فقط أو مبنية على معالم البينات المحدثة من مسح أجري بالعينة (كما ينصح "دليل إحصاءات مالية الحكومة")
    يجب أن تشمل بيانات عمليات القطاع العام البيانات الفعلية لكل المشروعات العامة غير المالية "الهامة" كما تحددها الدولة المشتركة.
    المعاملات المالية يمكن ان تعرض حسب نمط الأداة او عملة الإصدار أو أية سمات أخرى مناسبة للتحليل حسب اختيار الدولة المشتركة.
    يجب أن تكون بيانات عمليات الحكومة العامة شاملة ويجبأن تكون التغطية المؤسسية للحكومة المركزية أشمل من تغطية عمليات الحكومة المركزية في الحالات التي تستبعد فيها هذه العمليات المؤسسات الرئيسية.
    يجب أن تشمل الحكومة العامة الولايات والحكومة المحلية حيثما أمكن تطبيق ذلك فإذا كانت حكومات الولايات تمثل نسبة كبيرة من بيقة الحكومة العامة فإن تقديم بيانات الحكومات المحلية يعد كافياً للوفاء بالعيار.
    يتطلب المعيار من الدول المشتركة التي تختار عمليات القطاع العام أن تقدم المشروعات العامة فيها البيانات المنشورة بخصوص متطلبات الاقتراض
    عمليات الحكومة المركزية يطلب المعيار نشر تفصيل مكونات عمليات الحكومة المركزية فإذا لم ينشر كل أو بعض المكونات الموصوفة لكن كان من الممكن اشتقاقها مما هو منشور فيجب أن تشير (خلفية البيانات ) كبف يمكن لمستخدمها اشتقاق المكونات الموصوفة.
    يجب نشر بيانات عمليات الحكومة المركزية كبيانات فعلية أما البيانات المبنية على فلا تتوافق مع المعيار.
    يجب أن تشير خلفية البيانات للتغطية المؤسسية لبيانات دين الحكومة المركزية و أن تذكر أي حذف منها.
    يجب أن يكون نشر بيانات الدين على أساس إجمالي
    إذا لم توجد ديون فلابد من الإشارة لهذا في خلفية البيانات والمطبوعات الدورية ذات الصلة وأن تشير خلفية البيانات لعزم المشترك على نشر بيانات الدين وفق المعيار إذا ما نشأت مستقبلاً
    يتم التفصيل التحليلي حسب آجال استحقاق الدين لكن التفصيل الفعلي هو من اختيار المشترك ولكن على الأقل لابد من التفصيل بين الدين قصير الأجل وطويل الأجل وتفصيل طريقة التسجيل (الاتحقاق الأصلي مقابل المتبقي و الملاحظ والمحسوب).
    فئات البيانات والمكونات المشجع نشرها الفوائد
    التقدير المستقبلي لخدمة الدين:
    فوائد وإهلاك الدين في الأجل المتوسط والبعيد.

    القطاع المالي
    الفئات الموصوفة الحسابات التحليلية للقطاع المصرفي
    المكونات: إجمالي النقود والائتمان المحلي من القطاع العام والخاص ومركز الائتمان الخارجي.
    الفئات الموصوفة الحسابات التحليلية للبنك المركزي



    أسعار الفائدة

    سوق الأوراق المالية العناصر: الاحتياطي النقدى والمطالبات المحلية على القطاع العام والخاص والمركز الخارجي.
    أسعار الأوراق المالية الحكومية القصيرة والطويلة الأجل
    مؤشرات سعر الأسهم كما هو مناسب
    يطلب المعيار نشر تفصيل مكونات الحسابات التحليلةللقطاع المصرفي فإذا لم ينشر كل أو بعض المكونات الموصوفة لكن كان من الممكن اشتقاقها مما هو منشور فيجب أن تشير (خلفية البيانات ) كبف يمكن لمستخدمها اشتقاق المكونات الموصوفة.
    لا يتطلب المعيار عرضا تجميعياً لحسابات البنك المركزي ولا لحسابات بقية النظام المصرفي كالمسح النقدي لكن المكونات الموصوفة لابد أن تغطي الأصول المناسبة وديون البنك المركزي والبنوك الأخرى
    يتطلب المعيار التفصيل التحليلي للقطاع العام ما بين الحكومة والقطاع العام اعتمادا على ما إذا كانت عمليات الحكومة العامة ام القطاع العام هي الإطار الأشمل المختار لفئة بيانات القطاع المالي فإذا كانت عمليات الحكومة العامة هي المفهوم المختار تجب الإشار في خلفية البيانات إلى أن بيانات المشروعات العامة غير المالية منشورة إما بشكل منفصل أو كجزء من مطالبات على القطاع الخاص.
    يجب أن تكون مطالبات البنك المركزي على البنوك ضمن الحسابات التحليلية للبنك المركزي تحت مطالبات على القطاع العام أو القطاع الخاص (الأصلح للتطبيق)
    إذا لم تكن سوق الأسهم يعتد بها فتجب الإشارة لهذا في خلفية البيانات


    القطاع الخارجي
    فئات البيانات الموصوفة ميزان المدفوعات




    الاحتياطات الدولية والسيولة من العملة الأجنبية.





    تجارة البضائع
    مركز الاستثمار الدولي


    أسعار الصرف


    الدين الخارجي


    المكونات: السلع والخدمات وصافي تدفقات الدخل وصافى التحويلات الجارية و بنود منتقاة من الحسابات الرأسمالية أو الحسابات الرأسمالية والمالية .
    المكونات: إجمالي أصول الاحتياطي الرسمي(الذهب ....الصرف الأجنبي)والأصول الأخرى من العملة الأجنبية وإهلاكات أصول العملة الأجنبية المحددة سلفاً والقصيرة الأجل والطارئة .
    الصادرات والواردات
    الاستثمار المباشر واستثمار الحافظة والمشتقات المالية والأرصدة.
    الأسعار الحالية والمستقبلية لثلاثة أو ستة أشهر كما هو مناسب.
    العناصر: دين الحكومة العامة والسلطات النقدية والقطاع المصرفي والقطاعات الأخرى مع تعديل البيانات بآجال الاستحقاق الطويلة والقصيرة على أساس الاستحقاق الأصلي

    فئات وعناصر البيانات التي يشج المعيار نشرها الاستثمار الأجنبي المباشر واستثمار الحافظة.
    الديون الخارجية الخاصة غير المضمونة من جهة عامة وجدول آجال خدمة الدين التغيرات الرئيسية في السلع على مدى زمنى ممتد
    بند إضافي :السكان
    الفئات التي يشجع نشرها التوزيعات الأساسية على سبيل المثال وفق النوع والسن.
    2-1-2 دورية البيانات
    تشير الدورية لتكرار إعداد البيانات ومع الإقرار باهمية دورية نشر البيانات فإن الأقطار التى تبدو فيها المسألة صفرية بين دورية البيانات وتحسين جودتها تكون الأولوية لجودة البيانات .
    2-1-3 تواتر نشر البيانات :
    ويشير لسرعة نشر البيانات على سبيل المثال: الوقت المار بين تاريخ مرجع ونشر البيانات وهو يعكس عدة عوامل يشمل بعضها ترتيبات مؤسسية مثل إعداد تعليق مصاحب للبيانات أو عملية الطباعة.
    ويأخذ نشر البيانات عدة أشكال من بينها ( المنشورات الرسمية – النشرات الإخبارية والتى قد تقدم موجزاً إحصائياً فقط – الدوريات كالنشرات الشهرية والمجلدات التى تصدر لمرة واحدة، الإعلان عن إتاحة البيانات لمن يطلبها ( وليس بالضرورة أن يكون ذلك بلا مقابل ) – والإلماع بشكل متزايد لقواعد البيانات الإلكترونية .
    • إعداد نسخة من المطبوعات الرسمية أو قواعد البيانات على أقراص صلبة أو شرائط تسجيل أو اسطوانات مدجمة
    • تقديم رسالة هاتفية موجزة مسجلة وخدمة الفاكس فى حالة البيانات التى يوجد مبرر لكثرة تكرارها .
    دورية وتواتر البيانات زمنياً
    القطاع العينى :
    فئات البيانات الموصوفة الدورية تواتر النشر زمنياً
    الحسابات القومية فصلية فصلي
    مؤشرات الإنتاج شهرية ستة أسابيع ويشجع نشرها كل شهر
    مؤشرات الأسعار شهرية شهري
    سوق العمل فصلية فصلي
    فئات وعناصر البيانات التي يشجع المعيار نشرها:

    مؤشرات التطلع المستقبلي شهرية أو فصلية شهري أو فصلي
    القطاع المالي:
    فئات البيانات الموصوفة الدورية تواتر النشر
    عمليات القطاع العام أو الحكومة العامة. سنوية كل فصلين.
    عمليات الحكومة المركزية شهري شهري
    فئات وعناصر البيانات التي يشج المعيار نشرها
    دين الحكومة المركزية فصلية فصلي
    القطاع المالي:
    فئات البيانات الموصوفة الدورية تواتر النشر
    الحسابات التحليلية للقطاع المصرفي شهرية شهري.
    الحسابات التحليلية للبنك المركزي شهرية ويشجع نشرها كل أسبوعين كل أسبوعين
    أسعار الفائدة يوميى النشر الرسمي غير حساس للوقت.
    سوق الأوراق المالية يومي النشر البرسمي غير حساس للوقت.
    القطاع الخارجي:
    فئات البيانات الموصوفة الدورية تواتر النشر
    ميزان المدفوعات. فصلي فصلي.
    الاحتياطات الدولية والسيولة من العملة الأجنبية شهري ويشجع أن تكون أسبوعية أسبوعي
    تجارة البضائع شهري كل 8 أسابيع ويشجع من 4-6 أسابيع
    مركز الاستثمار الدولي سنوي ويشجع أن يكون فصلياً كل 3 فصول
    أسعار الصرف يومية النشر غير حساس للوقت
    الدين الخارجي شهرية ويشجع نشرها كل أسبوعين كل أسبوعين
    فئات البيانات المشجع نشرها
    الاستثمار الأجنبي المباشر واستثمارات الحافظة فصلية فصلي
    التغيرات الرئيسية في السلع شهرية 8 أسابييع ويشجع من 4-6 أسابيع
    الديون الخارجية الخاصة فصلية فصلي
    2 – 2 نفاذ الجمهور للبيانات :
    ويقتضى النشر المسبق لتوقيتات النشر إذ أنها تلقى الضوء على سلامة إدارة عملية إعداد البيانات وشفافيتها ،وتمد مستخدمى البيانات بالمعلومات المطلوبة لتبنى اقتراب أكثر فعالية ليحصلوا على المادة الخام لعملهم، ويتحقق هذا الهدف بإصدار تقويم لعام مقبل يظهر المواعيد التى لن يتأخر عنها إصدار الإطارات والمؤشرات السنوية الدورية ويظهر مدى زمنى من 3-5 أيام لإصدار البيانات الأكثر تكراراً ويجرى تشجيع الهيئات على نشر معرفة عناوين وأسماء المسؤلين الذين يمكنهم تقديم أحدث المعلومات عن التاريخ المحتمل فيه النشر بما فى ذلك نشر البيانات غير المنتظمة أو الجديدة .
    * كما يقتضى النشر المتزامن لكل الأطراف المهتمة، ولا يقصد من الإصدار وصول الهيئات الحكومية للبيانات(بما فى ذلك الهيئات التى لم تشترك فى إنتاج البيانات) والوصول للبيانات قبل الإصدار محكوم بشروط معينة، إقراراً بقيمة البيانات وباعتبار المساواة، وقد يجرى الإصدار بتقديم موجز بيانات قبل أن تصحبه لاحقاً تفصيلات ويتحقق هذا الهدف بتحديد موقع معلن ويمكن الوصول إليه وتكون فيه البيانات متاحة للجميع على أسس واحدة بمجرد إصدارها .
    2-2-3 تكامل البيانات :
    لمساعدة مستخدمى البيانات فى تقويم تكامل البيانات المنشورة ضمن المعيار فإنه يوجب:
    • نشر الظروف والشروط التى تم وفقها إنتاج ونشر الإحصاءات الرسمية وهذه الممارسة تجد أصولها فى " الأصول الأساسية للاحصاءات الحكومية " التى تدعمها إدارة الأمم المتحدة الإحصائية، وهى إن كانت تقوم بدور غير مباشر فإنها أساسية لتعزيز الثفة فى موضوعية وحرفية الإحصاءات الرسمية. وتأخذ الظروف والشروط التى تعمل وفقها هيئات جمع البيانات أشكالاً عدة :
    قوانين الاحصاء والمواثيق وأدلة السلوك، وهذه قد لا تكون فى موضعها أو عفى عليها الزمن، لذلك تصبح أول خطوة لتحقيق الموضوعية جعلها فى موضعها، والظروف والشروط المدمجة فيها قد تشير لأمور مثل علاقة الوحدة الاحصائية بالإدارة الأكبر التى تعد جزءاً منها وبالوزارة، وكذلك السلطة القانونية المخولة جمع البيانات، ومتطلبات نشر البيانات التى جمعتها، وشروط الإشارة والإحالة للمدير أو المسؤل الاحصائى الرئيسى، والإجراءات أو العمليات الممتصلة بالموثوقية فى الإجابات الفردية.
    ويأخذ نشر هذه المعلومات أشكالاً متنوعة تشمل التقارير السنوية لمنتجى الاحصاءات والمستخلصات المنشورة فى الإصدارات الهامة المفتاحية والتصريحات بمقاطع تشير لمصداقية استمارات المسح وقد يجد المنتجون من المناسب استخدام الشعارات والشارات المميزة لتذكير مستخدمي البيانات بالشروط التي تنتج بمقتضاهاالإحصاءات التي تحمل هذا الشعار.
    ويجب أن تشير خلفية البيانات معلومات عن الوسائل التي تحقق للهيئة الإحصائية استقلاليتها مثل المعلومات عن حرية تحديد المنهجيات الإحصائية و توقيت ومحتوى النشر الإحصائي والممارسات الخاصة بموثوقية مصادر البيانات
    • تحديد النفاذ الداخلى للحكومة للبيانات :
    نظراً لاهتمام الشفافية بمسألة التأثير غير الملائم على البيانات قبل نشرها يقتضى المعيار طلب قائمة بالمناصب والأشخاص فى الحكومة من خارج الهيئة المنتجة للبيانات الذين لهم نفاذ للبيانات قبل إصدارها، ويأخذ هذا التحديد لـ "من يعرف ماذا " عدة أشكال تشمل إصدار إشعار للجمهور والتقارير السنوية لمنتجى الاحصاءات، وهذه الممارسة موجهة أساساً للمواقف التى تكون فيها البيانات حساسة للسياسات أو لأى أسباب أخرى، ويفى بهذا الغرض كحد أدنى اتباع هذه الممارسة فيما يخص بعض فئات البيانات الأكثر حساسية فقط .
    • تحديد التعليق الوزارى بمناسبة النشر الاحصائى :
    ولا يتوقع من التعليق الوزارى بالضرورة الحفاظ على نفس درجة الموضوعية والتحرر من الحكم السياسى كممارسة جيدة متوقعة من منتجى الاحصاءات الرسمية، لذلك يصبح المطلوب فقط أن يكون مصدر هذا التعليق شفافاً وواضحاً للجمهور، وقد يأخذ هذا التعليق عدة أشكال منها: التصريحات المنفصلة للوزير أو أى مسئول رسمى عن السياسة، أو أن تحتوى المادة المنشورة التعليق إلى جانب البيانات والتحليل الموضوعى.
    وتحديد المادة المنشورة باعتبارها صادرة عن الهيئة يأخذ عدة أشكال تمثل استخدام شعار المنتج للبيانات أو أية شارة أخرى وهذه الممارسة موجهة أساساً التى تكون فيها البيانات حساسة للسياسات .
    • بنود المعلومات حول المراجعة والتنقيح وبيان بالتغيرات الرئيسة فى المنهجية وتشمل المعلومات ذات الصلة بتنقيح البيانات المتضمنة فى التصريحات عن السياسة المتبعة، على سبيل المثال سياسة تنقيح البيانات الشهرية عندما يصبح المسح السنوى الأكثر شمولاً متاحاً (أو سياسة عدم المراجعة أساساً ) والبيانات عن مدى المراجعات السابقة ،و يجب أن تصدر البيانات عن السياسات والمراجعات والتنقيحات قبل نشر البيانات .
    وكذلك التغيرات فى المنهجية كالتغير فى سنة الأساس وتوسيع حجم العينة وإدخال مصادر بيانات بديلة
    وهذه الايضاحات تأخذ أشكالاً متعددة، وفى حدها الأدنى تأتي كتصريحات قصيرة فى آخر عرض للبيانات وتحديد مصدر المعلومات الإضافية كورقة بحثية متاحة أو شخص قادر على توضيح التغيرات كما يشجع المشتركين على توفير وصول أسهل للمعلومات الموضحة للمراجعات فيجب أن تذكر خلفية البيانات كيف يتم إعلام الجمهور بسياسة المراجعةوالإشارة إلى العزم (عندما لا توجد سياسة مراجعة) على تطوير سياسة مراجعة وإعلانها للجمهور.
    2-2-3 جودة المعلومات
    وتتمتع بأولوية قصوى ويجب أن يتم تقديم معلومات لمستخدمى البيانات لتقويم جودة البيانات وتحسيناتها وذلك بنشر توثيق للمنهجية والمصادر المستخدمة فى إعداد الاحصاءات، فإتاحة هذا التوثيق مفتاحي لوعى مستخدمى البيانات بنواحى قوتها وضعفها، ويأخذ التوثيق أشكالاً عديدة تشمل مذكرات موجزة مصاحبة لنشر البيانات والإصدارات المنفصلة والأوراق البحثية المتاحة لدى الطلب.
    ويجب تقديم معلومات في خلفية البيانات عن كيفية الحصول على هذه المادة أو تحدي الشخص الذ1ي يمكن الاتصال به ليجيب عن الأسئلة المتصلة بالمنهجية و/أو تقديم توثيق داخلي
    ويشجع الأعضاء على إعداد ونشر بيانات وتصريحات عن سمات الجودة الهامة، على سبيل المثال نوع الأخطاء التى قد تتعرض لها البيانات ومصادر عدم إمكانية المقارنة عبر الزمن، وإجراءات تغطية بيانات التعداد وأخطاء العينة في بيانات المسح .
    ولتعزيز وتشجيع مراجعة مستخدمى البيانات وتثبتهم منها يتم التأكيد على نشر مكونات العناصر المكونة للسلاسل التجميعية والتراكمية والنشر ضمن إطار احصائى أو نشر المقارنات مع البيانات ذات العلاقة. و يجب أن يكون تفصيل المكونات على مستوى لا يتعارض مع السمات المرغوبة الأخرى فى البيانات كموثوقية المعلومات المحددة على انفراد أو الموثوقية الإحصائية، ويتضمن الإطار الاحصائى عناصر حسابية وعلامات إحصائية كجدول الميزان ،وتشمل المقارنات والتوفيقات تلك التى تتقاطع عبر إطارات كالصادرات والواردات باعتبارها جزء من الحسابات القومية وكجزء من ميزان المدفوعات .
    • واتساقاً مع هذه الرؤية الشاملة لنشر البيانات فإن النشر نفسه يتم تعريفه بشكل واسع ليشمل النشر الالكترونى إضافة للأشكال التقليدية وهناك مجلس النشرة التى يقوم عليها الصندوق ويتوقع من المشتركين تقديم معلومات عن بياناتهم وممارسات نشرها( خلفية البيانات) لصندوق النقد الدولى لعرضها على هذه النشرة الإلكترونية، وخلفية بيانات المعيار هذه مفيدة فى ذاتها، ويسهل عرضها مراقبة ملاحظتها للمعيار بواسطة مجلس الصندوق والأسواق المالية ومستخدمى البيانات الآخرين للتأكد من شموليتها وقابليتها للمقارنة دولياً، وتقع مسؤلية دقة المعلومات( بما فى ذلك تحديثها فى أوانها) وكذلك البيانات الاقتصادية والمالية التى تنبنى عليها على عاتق الدول المشتركة ويطلب للمشتركين أن يشهدوا بدقة هذه المعلومات الخلفية المبثوثة على النشرة على أساس فصلى فى غضون 3 أيام من نهاية الفصل ، ولما كانت صفحات موجز البيانات القطرية تقوم بدور حيوى فى مراقبة مجلس الصندوق للالتزام بالمعيار فإن المجلس التنفيذى قرر فى ديسمبر 1998 جعل عمل وصلة مع هذه الصفحات إلزامياً .
    • إذا كان نشر البيانات يتم من خلال الإنترنت فقط فيجب ذكر إتاحة البيات بهذه الطريقة في مطبوعة ورقية دورية
    • نشر البيانات من خلال النظم التجارية الحاسوبية على الخط ( مثل رويترز) غير مقبول إذا لم يتم إيضاح أن هذا يجري تحت حفز ورقابة هيئة رسمية.
    • بالنسبة لأسعار الأسهم يمكن إعادة نشر البيانات من خلال رابط تشعبي من موقع رسمي لسوق الأسهم علىالانترنت وكذلك نشر البيانات الأخرى المعدة من قبل مؤسسات خاصة

فى بناء المفاهيم : مقتضيات العلم وضرورات التواصل والحوار

  • Alkasd my other blog
  • فى بناء المفاهيم :
    مقتضيات العلم وضرورات التواصل والحوار
    عملية بناء المفاهيم من أهم عمليات تأسيس المعرفة العلمية، فالمفاهيم هى اللبنات التى نبنى بها صروحنا النظرية والفكرية؛ فإن لم تستوف هذه المفاهيم شروط تحديدها وصياغتها هوت النظريات المؤسسة عليها هشيما تذروه الرياح، واذا كان لنا أن نستعير من علم الاقتصاد فإن موقع المفاهيم فى عالم الفكر أقرب ما يكون الى النقود فى النظام الاقتصادى، فالمفاهيم مستودع للقيمة ووسيط للتبادل الفكرى فإذا لم تنضبط هذه المفاهيم ساد التشوش عالم الفكر وتقطعت قنوات الاتصال، وكما تطرد العملة الرديئة العملة الجيدة، فإن المفاهيم المغشوشة قد تنازع المفاهيم السليمة فى التداول والاستعمال لتصبح المفاهيم الحضارية أحيانأ مفاهيم مخذولة بتعبير مالك بن بنى، وتظل حاملة عناصر قوتها فى انتظار من يبعثها من عالم الإمكان إلى عالم الفعل.
    ومبحث المفاهيم مبحث قديم توافرت عليه حقول معرفية عدة على رأسها الفلسفة والمنطق وعلم والنفس حتى إن البعض يشير إلى هذا المبحث باسم علم المفاهيم Concepto1ogy ومع ذلك لم يول هذا المبحث – فى حدود ما نعلم – ما يليق به من اهتمام فى الفكر العربى المعاصر، ولم تتعد الدراسات فيه تقرير أصوله النظرية دون أن تتطرق إلى عملية بناء المفاهيم كعملية حركية (دينامية ) ترتبط بحركة الأفكار والتدافع حولها ومن ثم جاء هذا الكتاب الذى بين أيدينا ليحاول أن يسد ثلمة فى هذا الباب، وأن يقدم رؤية تسعى لأن تكون متكاملة لعملية بناء المفاهيم، وأحد أوجه هذا السعى تنوع تخصصات واهتمامات أفراد الفريق البحثى الذى أعد الكتاب، وفى الوقت نفسه كان الكتاب ثمرة عملية شورى بحثية مستمرة بين الباحثين المساهمين فيه تلاقحت فيها الأفكار وتكاملت الرؤى.
    يقع الكتاب فى جزئين: يتناول الجزء الأول قضية بناء المفاهيم وأطرها النظرية والخطوات العملية لتطبيقها كما يتناول بعض المفاهيم المركزية فى هذا الإطار النظرى ويقوم بتحريرها وفق مقتضيات قيامها بوظيفتها كمفاهيم منظومة أو مفاهيم تستدعى وترتبط بشبكة من المفاهيم الفرعية التى تلقى عليها بعضا من دلالاتها ومن هذه المفاهيم المركزية: المعرفة، والعلم، والفكر، والتجديد والحضارة،أما الجزء الثانى فيعرض نماذج تطبيقية لبناء المفاهيم وفق هذا الإطار النظرى.
    ويضع د. طه العلوانى مشكلة المفاهيم فى سياقها الحضارى العام باعتبار أن حال المفاهيم تعبير عن طبيعة المرحلة الحضارية التى تمر بها الأمة حيث تظهر أعراض الانحطاط أول ما تظهر على مفاهيم الأمة فتعتريها الميوعة والغموض فتقع فى الإجمال والإبهام وتتأثر بذلك سائر العمليات المعرفية الأخرى، ومن ثم تغيب إمكانات الحوار المشترك بين عقول الأمة وتضعف قدرات التقويم والنقد ( ص 8 ) وعليه تضعف مناعة الأمة الفكرية وتصبح المفاهيم حمى مستباحًا من المفاهيم الوافدة.
    ولما كانت مشكلة المفاهيم على هذا النحو من الأهمية فقد تضافرت البحوث الستة التالية لتحديد أبعاد المشكلة والتركيز على معالجة جانب أو آخر من جوانبها فيقوم د. على جمعة فى بحثه " مدخل لقضية المفاهيم والمصطلحات" ببيان ارتباط المفاهيم بالمرجعية عمومًا وبالمرجعية الإسلامية خصوصًا من حيث رؤية الإنسان ووظيفته فى الكون وتداعيات ذلك على تحصيله للمعرفة، سواء عن طريق قراءته للواقع أو الوحى وضوابط هاتين القراءتين والجمع بينهما.
    وفى هذا السياق يعرض د. سيف الدين عبد الفتاح فى بحثه " بناء المفاهيم ضرورة منهجية" محددات العلاقة بين المفاهيم ومرجعيتها الإسلامية ويوجزها فى ثلاث محددات أولها أن العقيدة هى قاعدة بناء المفاهيم فمنها تنبثق وإليها تعود أخذا فى الاعتبار أن العقيدة تجمع الى البناء الفكرى أبعادا حركية متعددة بما يؤكد ارتباط العمل الصالح بالكلمة الطيبة. وثانى هذه المحددات أن اللغة أداة البيان فهى تعبير عن حقيقة حضارية بما يوجبه ذلك من ضرورة حفاظ الأمة على خصوصيتها المعرفية، أما المحدد الثالث فهو أن الوحى – قرآنا وسنة – هو المصدر الأساسى لبناء المفاهيم وعلى ضوء هذا الارتباط بين المفاهيم ومرجعيتها الحضارية يعود د . يوسف عبد الفتاح فى بحث " مقدمات أساسية حول عملية بناء المفاهيم " لبيان أهمية تحديد هوية المفهوم من حيث مرجعيته ومصدريته ومقاصد بنائه ومن ثم تحديد موقعة من منظومة المفاهيم الوسائل والمفاهيم المشتقة والمفاهيم الفرعية ... وبناء على هذا التحديد يمكن اتخاذ موقف من المفهوم من خلال عملية النقد والمراجعة وإعادة البناء وفق أولويات ومقاصد متعددة حسب طبيعة المفهوم.
    ويقدم الكاتب رؤية لثلاث محاولات لتبديد المفاهيم سواء بدعوى التجديد اللغوى عند حسن حنفى، أو استغلال منطقة العفو على أنها دائرة فراغ مفاهيمى تمهيدًا لإقصاء الدين ومفاهيم عن الحياة أو اختزال المفاهيم الى مؤشرات إجرائية .
    واذا كان د . على جمعة قد تطرق إلى مسألة الوضع أو عملية جعل اللفظ إزاء المعنى وأنواع الوضع ومستوياته فان بحث د. صلاح اسماعيل " توضيح المفاهيم ضرورة معرفية " يقدم تأصيلا نظريا لقضية المفاهيم فيحدد معنى المفهوم ووظائفه متوقفا عند مشكلة المعنى وما يرتبط بها من إشكالات توضيح المفاهيم وعوائق هذا التوضيح سواء بتحريف المعنى وتشوية دلالات المفهوم فى منظومته الحضارية بما يعبر عنه بالحراك المفاهيمى حيث يجرى تهميش المفاهيم المركزية وإبدال مفاهيم فرعية بها ويطرح البحث تحليل بنية المفهوم كآلية لتجلية المفهوم من خلال تحديد عناصره الأساسية والفرعية، وتمييز المعانى الجوهرية للمفهوم من معانيه الإضافية وتحديد العلاقة بين المفهوم كما هو فى الذهن وبنية المفهوم فى اللغة واللسان ومن ثم تظهر الدلالات الأصلية والمكتسبة للمفهوم وتنازع هذه الدلالات وأثرة على المفهوم.
    ويتناول بحث د. يوسف عبد الفتاح " بناء المفاهيم الإسلامية ضرورة من منهاجية " وبحث د. إبراهيم البيومى غانم "السياق التاريخى و المفاهيم " العلاقة بين الخبرة والمفهوم. والمقصود بالخبرة هنا الخبرة فى مفهومها الشامل الذى يشمل زمنيًا الخبرة التاريخية وخبرة الواقع المعاش وحضاريًا الخبرة الاسلامية والخبرة الغربية وبها المعنى ارتبطت الخبرة بعدة تحيزات أثرت على بناء المفاهيم فبالنسبة للخبرة التاريخية اتخذ التشويه المفاهيمى آليتين تتمثلان فى تحكيم المارسات التاريخية المنحرفة فى النموذج الإسلامى والاستدلال بطول أمد هذه الممارسات قياسا إلى فترة الخلافة الراشدة على فاعلية الفكرة فى الواقع (ص 92) وإسقاط الخبرة التاريخية على المفهوم مما يجعلها جزءا منه الأمر الذى يبدو بوضوح فى مفهوم البيعة ومفهوم الطاعة. أما فيما يتصل بالخبرة الغربية فإن التعامل غير القويم مع هذه الخبرة خارج إطار الحوار والاعتبار الحضارى أدى لتحكيم الخبرة الغربية بما لها من خصوصية فى المفاهيم الإسلامية، ووصل الأمر الى استخدام مفاهيم متجذرة فى الخبرة الغربية بالغة الخصوصية للدلالة على المعانى الإسلامية فى حين أدى اعتبار الواقع أساسا لبناء المفاهيم وتطويرها أو حتى اختفاءها إلى إعلاء جانب الواقع برغم ما قد يكون عليه من انحراف .
    وعليه يحاول د. ابراهيم البيومى رصد العلاقة الجدلية بين المفاهيم وسياقها التاريخى من خلال تتبع مفاهيم معينة كالعروبة والأمة والوطن والقومية محددا بعض قنوات العلاقة بين المفاهيم والسياق التاريخى كالبعثات الدراسية والنظام التعليمى والصحافة والنشر والترجمة التى يعرض لها د. أسامة القفاش فى بحث مستقبل مميزا بين الترجمة فى طور الإيناع الحضارى أو الترجمة من منطلق إعادة الانتاج فى اطار اللحظة الحضارية المحققة، والترجمة إبان المواجهة بين المسلمين وقوى البغى ( الاستعمار) موضحا كيف قام الأجداد باشتقاق اللفظ دفاعا عن الأصل وأهمية المشروع الحضارى بشكل عام لترجمات جميلة وسائغة، ثم الترجمة بعد تراكم الهزائم والتسليم بها حتى أصبحت الترجمة تعبيرا أمثل عن عقلية الوهن وذهنية التبعية وفى هذه المراحل اهتم الباحث ببيان آليات الترجمة والنقل والتعريب وكيفية انتقال الكلمات والمفاهيم عبر اللغات ومدى تأثرقيمتها الدلالية بهذا الانتقال وكيف تم البحث عن المقابل فى لغتنا وينتهى الباحث الى تأيد ما لا حظه د. نصر عارف من أن عملية الترجمة ونقل المفاهيم أفرزت عددا من الظواهر الخطرة منها:
    1- استبدال المفهوم الاسلامى بمفهوم آخر غريب فى المبنى والمعنى.
    2- تلبيس المفاهيم الاسلامية باخراجها عن معانيها واعطائها مضامين ومعان نابعة من الخبرة الاوروبية ليس لها جذور فى التراث الاسلامى.
    3- استبعاد المفاهيم الإسلامية على أساس أنها مفاهيم لا علمية برغم أنها مفاهيم محورية فى البناء المعرفى الإسلامى.
    ويعالج أ. هشام جعفر فى بحثه " بناء المفاهيم بين التقويض والتشغيل" عمليتين من أهم عمليات بناء المفاهيم وهى التفكيك بمعنى التعامل النقدى مع المفاهيم وبالأخص المفاهيم الوافدة من خلال تحديد منهج تلقيها وبيان تحيزاتها والتواصل الفعال معها، ثم يأتى منهج التقويض وهو بالأساس عملية استخلاص المفاهيم وتنقيتها مما تعرضت له من عمليات التلبيس والتشويه وطمس الدلالات ويجرى تقويض المفاهيم سواء من جهة الإطار المرجعى والمصدر المعرفى أو التقويض من جهة الدلالة أو التقويض من خلال الإسقاطات التاريخية والمعاصرة على المفاهيم ولكل جانب من هذه الجوانب آلياته الخاصة. أما فى المجال تشغيل المفاهيم فيناقش البحث محددات هذا التشغيل التى يجملها فى خمس محددات هى: الواقع بمستوياته المختلفة، والسلطة فى أوسع معانيها لتشمل السلطة السياسية والسلطة المعرفية وسلطة النص، ورؤية المفاهيم فى إطار المفاهيم الحاكمة ونوعية المفهوم بمعنى هل هو مفهوم تنظير أم مفهوم تحليل أم مفهوم تصنيف؟ وعلاقة المفهوم بالجمهور المتلقى له. ويتم هذا التشغيل من خلال العديد من الأدوات والقنوات من أهمها التعليم ومراكز لبحث العلمى والفنون والترجمة ووسائل الإعلام والاتصال وبنوك المفاهيم ودورياتها .
    وكان من الطبيعى أن يأتى مفهوم المعرفة فى مقدمة المفاهيم المحورية التى تناولها الكتاب كنماذج تطبيقية لما له من طبيعة تأسيسية بحيث تنعكس دلالاته وآثاره على مجمل منظومة المفاهيم فى المنظور المعرفى أو الباردايم الذى يقع فى إطاره. ومن ثم حدد الباحث د.صلاح اسماعيل مفهوم المعرفة لغة واصطلاحا كمقدمة لرصد دقيق وموضوعى - وإن كان موجزا - لبنية مفهوم المعرفة فى الفكرين الغربى والاسلامى من خلال قضايا من قبيل: إمكان المعرفة ومصادرها والتحليل المنطقى لها ومع أهمية البحث وما انطوى عليه من نظرة مقارنة بين المعرفة فى التصور الغربى والتصور الاسلامى فإن فائدته كانت ستكتمل لو أضيف إليه أثر مفهوم المعرفة فى بنيته الحالية على منظومة المفاهيم الأخرى وكيف يمكن أن تفيد منه في عملية اعادة بنائها.
    ويرتبط بمفهوم المعرفة مفهوم "الفكر" الذى تناوله د.على جمعة فى بحثه مبينا مفهوم الفكر عند المسلمين وبدأ به فى اللغة أولا ثم فى استعمال المسلمين له والذى جاء متفقًا مع المقصود القرآنى له ثم قارن مفهوم الفكر هذا مع معناه فى اللغات الاخرى إضافة إلى مقارنة مفهومه فيها مع مفهومه عند المسلمين وأتبع ذلك ببيان مفهوم الفكر فى حياتنا الثقافية وكيف أدى الاتصال بالحضارة الغربية وما صحبه من ترجمة الى تغير فى مدلول هذا المفهوم من جهة اتساعه في جانب وتخصيصه في جانب آخر.
    و ولكا كان مفهوم "العلم" يشكل مع مفهوم المعرفة والفكر ثلاثية المفاهيم المحورية فى عملية بناء المفاهيم فإن د.على جمعة يعرض بالطريقة نفسها مفهوم العلم عند المسلمين وعلاقته بالمعرفة مقارنا بينه وبين مفهوم العلم عند المحدثين الغربيين من خلال التعريفات المعجمية له وتتبع تطور دلالات المفهوم تاريخيا ليخلص الباحث الى تأثر أكثر مثقفينا بالمفهوم الغربى للعلم حتى إن البعض يقصر كلمة العلماء على المشتغلين بعلوم التجريب فقط وحتى أصبح الخارج عن نطاق الحس خارجا عن نطاق العلم في منظوره الإسلامى، بالإضافة إلى بيان طرق التعليم كما وردت فى الأصول المنزلة، ومن ثم أدى اختلاف مفهوم العلم ومصادره وطرقه إلى تصنيف متميز ومختلف للعلوم فى الفكر الاسلامى عنه فى الفكر الغربى.
    وعلى الرغم من أن مفهوم التجديد يعد أحد المفاهيم الكلية فى المنظومة الاسلامية فإنه كان من أكثر المفاهيم التى تنازعتها التيارات الفكرية وانعكس هذا على المفهوم ذاته من حيث معناه ودلالته، ومن هنا تاتى أهمية الدراسة التى قدمها د. سيف عبد الفتاح لهذا المفهوم حيث قام بمراجعة منظومة المفاهيم النظرية والحركية المتعلقة بالتجديد مثل الأصالة والجديد والقديم والمعاصرة والعصرية والتقليدية والتقدم والرجعية والتغريب والتقليد والاجتهاد والإصلاح والتحديث والنهضة ..............الخ وهذه المفاهيم تعبر عن أحد جوانب التجديد أو أحد أدواته أو يختلط بعضها بهذا المفهوم خاصة تلك المفاهيم النابعة من الحضارة الغربية، ثم يشرع البحث فى إعادة بناء المفهوم من خلال محاولة تحديده فى اللغة والأصول المنرلة ( القرآن والسنة ) التى تقدم رؤية متكملة لعملية التجديد لها أسسها وقواعدها المنهجية، وإدركًا لأهمية الربط بين فكرة التحديد والنسق المعرفى وما يضيفه هذا الربط من أبعاد جديدة فى التناول والتحليل تثرى الرؤية المقارنة فإن الباحث يقوم بدراسة هذه العلاقة فى الخبرتين الغربية والإسلامية ليخلص إلى أن النسق المعرفى الاسلامى بعتباره محصلة تفاعل بين كتاب الوحى وكتاب الكون كمصدرين للمعرفة أدى الى تميز مفهوم التجديد بينما عانى النسق المعرفى الغربى من أثر خبرة الصراع الحاد بين الكنيسة من جانب وسلطة المعرفة والعلم من جانب آخر .
    ويدعو د . نصر عارف فى بحثه " الحضارة " ....الثقافة ... المدينة .. دراسة لسيرة المصطلح ودلالة المفهوم " لإنهاء فوضي المفاهيم التي نعيشها، من خلال تقديم نماذج لبناء المفاهيم تخلص البناء المفاهيمى العربى المعاصر مما أصابه من تشويه وعدم تحديد وخلط للدلالات والمعانى، بما أفقد الكلمات ما هيتها ودورها كوسيلة للتواصل الفكرى والحوار، إذ لم تعد الألفاظ بإزاء معان محددة، وإنما يختلف المعني والدلالة من ذهن لأخر، فأدي ذلك الي ما نعانيه في واقعنا الثقافي من اهدار للطاقات الفكرية في تكرار مناقشة القضايا ذاتها بعض مضي عقود من الزمان علي إثارتها مثل : قضية المرأة، وأهل الذمة، والعلاقة بين الدين والسياسة، أو بين العلم والدين، أو الأصالة والمعاصرة ..الخ
    ويرصد الباحث نصر عارف واقع هذا التشوية من خلال عرضه لمفهوم الحضارة، ثم يقوم بمحاولة لتأصيل المفهوم من خلال عدد من الخطوات التي تمثل نموذجا لبناء هذه النوعية من المفاهيم داعيا الي تقديم نماذج اخري لاعادة بحث وتنقية المنظومة المفاهيمية الحالية تتنوع حسب تنوع مستويات المفاهيم ومدي ما أصابها من خلط وتشويه.
    فعلي الرغم من أهمية مفهوم الحضارة سواء من حيث محوريته في الحركة الإنسانية: توصفها وتكييفا وبيانا لمقصدها ووجهتها، أو من حيث كونه المفهوم الأساس لكثير من العلوم الاجتماعية مثل: الأنثربولوجيا وعلم الاجتماع وعلم النفس و التربية فإنه تعرض لعملية تشويه متواصلة ادت لتحولة لمجرد صفة ذات أبعاد قيمية تفتقد الماهيات والماصدقات بما اقترب به من مفاهيم مثل الحداثة والتقدم والرقي.
    وإذا كان المفهوم علي هذا النحو من الأهمية والتشويه معاً يستنهض قيام دراسة جادة تجلي غموضه وتكشف عن جوهره وتستقصي دلالاته فإن الدراسات التي تعرضت لهذا المفهوم قدمت معاني متنافرة ومتعارضة للمفهوم صانعة بذلك ركاما علميا يخفي الدلالات الحقيقية للمفهوم، فلم يرجع أي من هذه الدراسات بصورة منهجية إلي أصوله اللغوية في المعاجم العربية لتحديد دلالته إنما اعتمدت علي واحد أو اثنين من هذه المصادر الثلاثة:
    1- مفهوم الحضارة كما قدمه ابن خلدون باعتباره أول من أعطاه دلالات متكاملة كمفهوم مقابل للبداوة.
    2- مفهومculture في اللغات الأوروبية .
    3- مفهوم civilization في اللغات الأوروبية
    ومن ثم توزعت دلالات المفهوم وطمس أغلبها التي ارتبطت بأصله ومصدره بما أدى إلي تشويه المفهوم تشويها أدي إلي إخراجه عن دلالاته الأصلية وتلبيسه بدلالات أخري لا يستوعبها جذره اللغوي، ولا يتسق مع أصوله ومصادره وبصورة أصبحنا لا نجد معها تعريفا واحدا للمفهوم لدي من تناولوه .
    وفى سبيل تأصيل المفهوم قام الباحث بعدد من الخطوات :
    أولا – تأصيل مفهوم culture فى دلالته الأصلية.
    ثانيا : سيرة مفهوم culture بعد ترجمته الى اللغة العربية.
    ثالثا : الدلالة العربية لمفهوم الثقافة
    رابعا : تأصيل مفهوم civilization فى دلالته الأصلية.
    خامسا : سيرة مفهوم civilization بعد ترجمته إلى اللغة العربية .
    سادسا : الدلالة العربية لمفهوم " المدنية "
    سابعا : حول إعادة تعريف مفهوم الحضارة.
    اولا – تأصيل مفهوم culture فى دلالته الأصلية :
    يعود الكاتب بالكلمة إلى جذرها اللغوى الذى يعنى " حراثة الأرض وزراعتها " ثم يعرض لعدد من التعريفات المختلفة للمفهوم، مستخلصا من مجملها المحددات العامة والمدلولات الأساسية له والتى تعطيه ماهيته، وتحدد جوهره ، وماصدقاته ، فهذا المفهوم تشعب فى مختلف العلوم الاجتماعية ، وأصبح مكونا أساسيا لعلم الأنثربولوجيا الاجتماعية ، والذى عليه تقوم افتراضات النظرية السياسية والاجتماعية والاقتصادية الأوروبية حيث افتقد الإنسان الأوروبى – باعتماده النظرية النسبية ، ورفضه وجود الإله المسيطر – قاعدة يبدأ منها التفكير حول ذاته ، سواء كان هذا الانسان هيجل أو كيريجارد أو ماركس ، بما جعلهم جميعا يبحثون عن نقطة ثبات تقف عندها تطلعاتهم ، وتنطلق منها مقولاتهم، فوجودها فى الأنثربولوجيا التى تتخذ من مفهوم culture جوهرا أساسيا لمقولاتها وتحليلاتها، هذا وينطلق علم الأنثربولوجيا من ثلاث قواعد محورية هى :
    التطــــورية : حيث يمكن تصنيف المجتمعات طبقا لمدى اقترابها أو ابتعادها عن culture السائدة فى المجتمع الأوروبى، الذى يمثل المرحلة الراقية فى تطور المجتمعات، ومن ثم ظهرت مفاهيم مثل التحديث واللحاق بالركب ومايسمى " بالانتشار الثقافى" أى انتقال الثقافة من المجتمع الأكثر رقيا إلى المجتمعات الأدنى تطورا ، وتحت هذا المعنى ظهرت مفاهيم مثل رسالة الرجل الأبيض و" التثاقف " أو المثقافة " Acculturation ، أى التغيير الثقافى نتيجة الاتصال بين الثقافات، ويرتبط ذلك بالبغى الأوروبى
    ( الاستعمار )
    وطبقا لهذه القواعد الثلاث ، وانطلاقا منها برز مفهوم culture بنفس المعانى فى مختلف العلوم الاجتماعية، وتم تشكيل محتوياته طبقا لمعطيات الفكر الأوروبى وأيديولوجيتها ، فوجدت مفاهيم مثل Economic Culture Political culture واعتبرت قيم المجتمع الأوروبى ومعتقداته وأنماط سلوكه ومدركاته هى الأرقى دائما، أما المجتمعات الأخرى فهى تقليدية ورجعية، وإذا أرادت التقدم والتحديث فإن عليها أن تنقل نمط Culture الأوروبى وتنبذ موروثها التقليدى.
    فهذه الكلمة تعبر عن طبيعة الإنسان الأوروبى من حيث هو إنسان الارض ، وعملية الزراعة لها دورها فى نفسيته وصياغة رموزه، لذا لم يكن غريبا إذا ماتعاظم إنتاج الفكر ، وبدأ غرس القيم الجديدة ، وحصد ثمار النهضة لم يكن غريباً أن يطلق الإنسان الأوروبى لفظه Culture على هذه العملية ، كما تعبر Culture عن مجمل السياسيات التى قام بها الأوروبى تجاه المجتمعات الأخرى، فهو قد حاول أن يزرع نمطه المجتمعى والمعيشى ، تمهيدا لحصاد ثمار هذه المجتمعات من عقول نيرة، وموارد اقتصادية ، ونظم سياسية تحقق مصالحه ، ونظم اجتماعية تتخذه مثالا.
    ثانيـــــا : سيرة مفهوم Culture بعد ترجمته إلى اللغة العربية:
    وهنا يرصد الكاتب ماأحدثته حركة الترجمة من خلط وتشويه، حيث تم اختيار كلمة عربية نزعت من جذورها وسياقها، لتعبر عن ألفاظ أجنبية، أتت بكل دلالاتها وجذورها وجوانبها المنظورة وغير المنظورة، بحيث لم يعد موجودا من المفهوم العربى غير لفظه، وتم ذلك نتيجة استبعاد المصادر العربية والإسلامية من الأطر المرجعية للباحثين وقد أدى ذلك كله إلى حدوث نوع من الاضطراب فى معانى المفهوم ، فأحيانا تترجم Culture إلى ثقافة ؛ ورائد هذا الاتجاه سلامة موسى ؛ الذى اقتفى اثر المدرسة الألمانية باعتبار Culture تتعلق بالأمور الذهنية ؛ أما civilization التى أسماها حضارة فتتعلق بالأمور المادية.
    أما الاتجاه الآخر فيترجم Culture على أنها حضارة ؛ ويلاحظ أن من أخذ بهذا الاتجاه عندما يتعرض للفظ الأوروبى civilization يطلق عليه مدنية، وفى كل الأحوال فإن التعريفات المقدمة والدلالات الراسخة فى الذهن هى نفس مدلولات المفهوم الأوروبى المترجم ؛وليس الجذر العربى لهذه الألفاظ أودلالاتها فى الفكر العربى مما أدى الى ظهور الاتجاهات التى تدعو لنقل وغرس ثقافة الغرب بما يتضمن ذلك من ضرورة الانتشار الثقافى والتثاقف لأن تاريخ البشرية يسير فى خط صاعد متقدم ، متجاوزة بصفة دائمة كل قديم ، والذى يحمل دائما قيمة فجة سلبية .
    ثالثــــــا: الدلالة العربية لمفهوم الثقافة
    يقوم الباحث بتأصيل المفهوم بالرجوع إلى المعاجم والقواميس القديمة ، تفاديا للإسقاطات الغربية على اللفظ العربى ، كما استخدام فى القرنيين الأخيرين، وهو ماتفتقده معظم المعاجم والدراسات حيث تقدم المعانى المشتقة من الجذر اللغوى للمفهوم ، ثم تقفز للمعانى الأوروبية ، دون أن تعنى بتحليل الدلالات الأصلية ، وما يمكن أن يستنبط منها.
    وباستقراء الدلالات الأصلية لمفهوم الثقافة يحدد الباحث ستة أبعاد للمفهوم تدور حول:
    أنه مفهوم نابع من الذات الإنسانية، لايغرس من الخارج كما يعنى البحث والظفر بكل القيم التى تصلح - ولاتفسد – الوجود الإنسانى وتهديه، ويركز على مايحتاجه الإنسان طبقا لظروف بيئته ومجتمعه، فهو مرتبط بالنمط المجتمعى الذى يعيش الانسان فى ظله دون اللجوء لمقياس معيارى من ثقافة أخرى ، كما إنه عملية متجددة لا تنتهى بالوصول لدرجة معينة على الآخرين أن يبلغوها. إنه مفهوم لايصنع أحكاما قيمية حول نوعية الثقافة، وكل الثقافات – من منطلق مفهوم التهذيب - طبقا لقيم مجتماعاتنا وظروفها على نفس الدرجة من القيمة الإنسانية وفى النهاية هو مفهوم عام يشتمل على جميع أنواع الممارسة الإنسانية، ومختلف درجاتها ، طالما تحقق مطلق التقويم .
    رابعـــــــا: تأصيل مفهوم civilization فى دلالته الأصلية
    ويرد الباحث الكلمة إلى جذرها اللاتينى CIVITIS بمعنى مدينة ، أو CIVIS أى " ساكن المدينة " CITIZEN وهو ما يعرف به المواطن الرومانى المتعالى على البربرى ، ومع ذلك لم يستقر استعمال civilization إلا فى أواخر القرن الثامن عشر ، حيث كان يستخدم بدلا منها CIVILTY التى تعبر عن ازدراء الرجل المدنى للحضر "
    ولما كان مفهوم المدينة يمثل جوهر مفهوم civilization – فلم تزل دلالات المدينة راسخة ومحددة ولهذا المفهوم برغم أنه تطور وأخذ مدلولات أخرى إضافية- فإن الباحث يعرض لتطور المدينة فى الغرب ، خاصة فى المرحلتين الأخيرتين مرحلة " المدينة الصناعية " التى أصبحت موطن الاقتصاد الرأسمالى بكل توابعه الاقتصادية والسياسية والاجتماعية على حساب الريف ومرحلة " المتربوليتان" ففى عصر التوسع الرأسمالى والشركات عابرة القارات والمنظمات الدولية ظهر نمط " المدينة بعد الصناعية " الذى أوجد علاقات تبعية بين المركز (المدينة الأوروبية الكبرى) والهامش ومدن العالم الثالث: المركز هو القيادة والتوجيه معرفيا وعلميا وسياسيا واقتصاديا وسلوكيا، بل وقبلة عقائدية بالمعنى العام للعقيدة ومن ثم تكرر نمط أثينا المدينة المتروبول فى العصر الإغريقى.
    ثم يتساءل الكاتب عن العلاقة بين المفهوم وجذره اللغوى وحقيقة مضمونه ويعرض وصولا للإجابة عددا من التعريفات التى تبرز التداخل الكبير فى تناول الفكر الاوروبى لمفهوم civilization فهناك من رآه مقصورا على نواحى التقدم المادى فى حين يراه آخرون شاملا كل أبعاد التقدم وهناك من يرى أنها تشمل الفرد والجماعة لكن فى النهاية يبقى مفهوم civilization فى جوهره يعنى خلاصة تطور نمط الحياة الأوروبى بكل أبعاده الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والاعتقادية الخ باعتباره قمة التطور البشرى على حين ينظر للمجتمعات الاخرى وفقا لهذا التصور على أنها فى مرحلة دنيا للمدينة الحديثة الاوروبية والتى أصبحت تمثل فى أحد أبعادها صفة تعاكس صفة الدينية سواء فى القانون أواجتماع طبقا لتطور المدينة الغربية .
    خامسا سيرة مفهوم civilization بعد ترجمته الى اللغة العربية:
    انقسم الفكر العربى إلى اتجاهين فى ترجمته إلى حضارة وإن كان لكل اتجاه منهما سند لغوى عربى يستند اليه إلا إن كلا اللفظين أصبح يوضع بإزاء معانى ودلالات المفهوم الأوروبي .
    وقد ظهر الاتجاه الأول مع بداية الاتصال بالغرب؛ واستمر لفظ المدينة سائدا حتى أوائل القرن العشرين سواء باعتباره الاجتماع البشرى الذى هو أخص من العمران، أو بربطه بالمرأة وتحررها أو كوصف للدولة المسالمة أو فى سياق ترجمات كتب القانون، وووضع الظواهر المادية فى حياة المجتمع مقابل مفهوم Cultureالذى يدل على الظواهر الثقافية والمعنوية، وفى الفترة الأخيرة ساد اضطراب واضح فى استخدام لفظ المدنية ، وبدأ كل كاتب يحاول اختلاق تعريف أو ترتيب علاقات من نوع معين ، فهناك من يراها نسقا وسيطا بين الثقافات المتعددة ، وهناك من يقصرها على العلوم الطبيعية ، وهناك من يطلقها كلفظ جذاب، أو كصفة جيدة للأشياء دون فهم أبعادها.
    أما الاتجاه الآخر فهو يترجم مفهوم civilization إلي حضارة، وقد شاع منذ الثلاثينات، وبرز في كتابات د. محمد حسين هيكل الذي أعطي مفهوم الحضارة معني شموليا، فرأي أن الحضارة العالمية واحدة ، وهي القائمة في أوروبا , وعلي هذا الفهم للحضارة قامت معظم الكتابات في مصر والعالم العربي، ويلاحظ أنها تورد الأصل العربي للكلمة ثم تنتقل للمعني الأوروبي لها مباشرة ، ومن ثم كان الحديث عن عالمية العلم وعالمية المنهج ؛ إذ أن الحضارة عالمية والمدنية عالمية .
    ثم يشير الكاتب إلي اضطراب الفكر العربي عند تعامله مع مفهوم culture ،civilization فمن ترجم culture إلي ثقافة ترجم civilization إلي حضارة ومن ترجم culture إلي حضارة ترجم civilization إلى مدنية، وفي كل حالة يختلف تعريف المفهوم العربي عن الآخر.
    سادسا: الدلالة العربية لمفهوم المدنية
    يختلف الباحثون حول تحديد الجذر اللغوي لكلمة المدينة فيرجعها البعض إلى مدن بمعنى أقام في المكان ويرجعها آخرون إلى دان بمعنى خضع وأطاع وهي جذر مفهوم الدين وأياً كان مصدر الكلمة فإن الباحث يؤكد أنه
    - إذا كانت المدينة في الغرب مصدراً ومنبعاً لقيم التهذيب والنظام والإنتاج تلى ظهورها هذا النمط الحياتي الذي يعتبره الأوربيون نمطاً راقياً للحياة البشرية فإن المدينة في الخبرة الإسلامية هي نتيجة النموذج الإسلامي للحياة الإنسانية النابعة من العقيدة الإسلامية
    - كما أن المدينة الإسلامية بدأت بما انتهت إليه المدينة الغربية (مرحلة المتروبوليتان) الذي لم تشهده أوربا الحديثة إلا كمرحلة أخيرة لتطورها إبان مرحلة البغي (الاستعمار) أما الخبرة الإسلامية فقد شهدت مفهوم الحاضرة وليس فقط منذ ظهور المدينة الإسلامية.
    إذا كانت المدينة قد قادت التطور الأوربي وقدمت نسقاً يستأهل النسبة إليه باعتباره نموذجاً راقياً فإن الخبرة الإسلامية لم تكن كذلك حيث كل القيم نابعة من العقيدة المنزلة وبرغم ظهور المدينة الإسلامية على أفضل صورها منذ البعثة إلا أن مفهوم " المدنية " لم يظهر وعندما استخدم ابن خلدون لفظ الحضارة – المدنية كان يشير إلى طور غير مفضل لديه، وغير وظيفى فى حياة البشر، طور يمثل مرحلة انهيار العمران البشرى بما فيه من ترف .
    سابعا: حول تعريف مفهوم الحضارة:
    وهنا يعتمد الكاتب منهجا للتعريف يقوم على الرجوع إلى جذور المفهوم فى لغته ، وتنبع دلالته فى مصادرها الأساسية، ومحاولة تجريد تلك الدلالات من ظلال الزمان والمكان، ثم إعادة دمجها فى الواقع المعاصر، دون الافتئات على ماهية المفهوم وجوهره، بل صقله وتنقيته من الشوائب، وصولا إلى المعنى الحقيقى المجرد من خصوصيات الاستعمال التاريخى .
    ويؤكد الكاتب ان ابن خلدون لم يكن يتحدث عن مفهوم الحضارة كمفهوم كلى شامل ، يواطئ الحركة البشرية ، ويلقى عليها بصفات قيمية معينة ، انما استخدمه بصورة تتسق تماما مع بنائه الفكرى فى " المقدمة "، ومن هنا كان قصور من رجع الى استخدام ابن خلدون للمفهوم، واقتصر عليه، فكان رجوعه استظهاريا تسويقيا وليس بحثا عن حقيقة المفهوم، فابن منظور يورد سبعة استخدامات للكلمة، واحد منها فقط بمعنى الحضر بخلاف الاستخدامات الاشتقاقية.
    وانطلاقا من الجذر اللغوى " حضر " بمعنى شهد ، ومن الدلالات القرآنية لهذا المفهوم – يعرف الباحث الحضارة بأنها: الحضور والشهادة بجميع معانيها التى ينتج عنها نموذج إنسانى يستطبن قيم التوحيد والربوبية .. ومن ثم فإن دور الإنسان ورسالته هى تحقيق الخلافة عن خالق هذا الكون فى تعمير أرضه .. وكذلك إقامة علاقة مع بنى الإنسان فى كل مكان أساسها الأخوة والألفة وحب الخير، والدعوة الى سعادة الدنيا والآخرة .
    ولكن هذا يثير التساؤل حول الخبرات البشرية الأخرى خارج إطار الاسلام: هل ينطبق التعريف عليها وهى لم تؤمن بالإسلام فنخرجها عن دائرة الحضارة – كما يفعل المنظور الأوروبى؟ أم أن هذا التعريف مغلف بالخصوصية، ولايمكن تعديته إلى الخبرات الأخرى ؟ يجيب الباحث بأن المفهوم السابق يشير الى حضارة الإسلام ، أو حضور الإسلام فى الكون دون أن يعنى أنه نموذج حضور جميع الخبرات الأخرى، ومن ثم فإن مفهوم الحضارة بمعناه العام هو مطلق " الحضور ".
    ويشير مفهوم الحضارة الى مرحلة متقدمة فى تجربة أى مجتمع ، لا يقف عند مجرد الوجود، أى مجرد قيام العمران فقط، ويتطلب ذلك تحقيق خمسة أبعاد :
    1- وجود نسق عقائدى يحدد طبيعة العلاقة مع عالم الغيب .
    2- وجود بناء فكرى وسلوكى يشكل نمط القيم السائدة والأخلاقيات العامة والأعراف .
    3- وجود نمط مادى يشمل المبتكرات والآلات والمؤسسات والنظم .. وجميع الأبعاد المادية فى الحياة .
    4- تحديد نمط العلاقة مع الكون ومسخراته وقواعده، وقيم التعامل مع هذه المسخرات .
    5- تحديد نمط العلاقة مع الآخر – أى المجتمعات الأخرى – وأسس وقواعد التعامل معها، وبالتالى لايحمل مفهوم الحضارة بعدا قيميا، فقد تكون الحضارة مدمرة أو سيئة، فالحضارة لفظ محايد يختلف باختلاف نموذج الحضور ومكوناته ، كما أن المفهوم بهذا المعنى يعطى كل تجربة حضارية تميزها وخصوصياتها، ولايعطى مجالا لجعل علوم ومناهج الحضارة الغالبة علوما عالمية، تذرعا بوحدة الحضارة ووحدة الأصل الإنسانى .
    ثم يختم الباحث بطرح منهجه الذى استخدمه فى هذا البحث بأعتباره منهجا ملائما لدراسة مثل هذه المفاهيم ذات الطبيعة الخاصة، من حيث كونها لا تعبر عن حقيقة شرعية، والتي لم تكن متداولة بكثرة فى التراث العربى الإسلامى ، ويحدد معالم هذا المنهج فى الخطوات الآتية:
    - البحث عن دلالات المفهوم فى لغته الأصلية التى صك منها ، ومن ثم الوصول الى تجريد للمفهوم يعبر عن حقيقته وجوهره ، بعيدا عن التباسه بخبرات أو دلالات لحقت به فى تطوره.
    - تتبع تطور المفهوم فى بيئته الأصلية ، وكيف تم سحبه من معانيه اللغوية الى معان اصطلاحية معينة ؟ وهل هناك اتساق بين الاثنين، أم ان المفهوم تجاوز تماما الدلالات اللغوية، وحمل بدلالات أخرى ؟
    - التركيز على واقعية التوجيه واختبار مقابل عربى لهذا المفهوم ، وهل تمت ترجمة للمعانى والدلالات أم للفظ فى معناه الظاهر فقط ؟
    - تتبع تطور المفهوم فى الفكر العربى التالى لترجمته، ومدى التغيير الذى لحق باللفظ، وهل ظل اللفظ العربى محافظا على دلالات المفهوم الأجنبى، أم الدلالات الأصلية له فى اللغة العربية، أم أحدث مزيجا منها ؟
    - العودة للدلالات العربية الأصلية للمفهوم العربى، الذى وضع كمقابل للمفهوم الأجنبى وتوضح المعانى والدلالات الحقيقية له، ومقارنتها بدلالاته المعاصرة التى هى نفس دلالات المفهوم الأجنبى، وصولا الى المعانى والدلالات الأصلية للمفهوم العربى.
    ويتوافق هذا الطرح مع رؤية بقية الفريق البحثي لأهمية عملية بناء المفاهيم الاسلامية واتفاقهم على ومنطلقاتها وخطوطها العريضة برغم تنوع خلفيات الباحثين الأكاديمية، فمن حيث الاهداف حددت الأبحاث أهدافها من عملية بناء المفاهيم فى :
    _ إبراز هوية وتمايز منظومة المفاهيم الاسلامية أما من حيث المنطلقات فقد انطلقت جميعها من نظرة ترى ان المفاهيم الاسلامية تستمد من مصدر ثابت مستقل يتصف بالعموم والشمول هو الوحى قرآنا وسنة .
    _ان المفاهيم الاسلامية بارتكازها على العقيدة تشكل منظومة مفاهيم تتساند وتتكامل فهى منظومة مفاهيم حضارية متمايزة ازاء مفاهيم الحضارات الاخرى.
    _ ان المفاهيم الاسلامية على الرغم من ثباتها واستقلالها وتميزها عن الواقع إلا أنها واقعية تعتبر الواقع الذى يشكل عطاءها المستمر والمتجدد وتستجيب نظاميا وحركيا لتحدياته ؛فهذه المفاهيم ان كانت تستقل عن الواقع بناء فهى لا تستقل عنه تعاملا.
    وبالنسبة لاطار عملية بناء المفاهيم استقر الفريق البحثى على عشرة خطوات لبناء المفاهيم هى :
    1- المفهوم فى اللغة العربية .
    2- المفهوم فى اللغة والادبيات غير العربية .
    3- سيرة المفهوم تطورا وتاريخيا ومآلا.
    4- ترجمة المفهوم ونقله الى العربية متى ترجم؟ وكيف ؟,,
    5- البديل الخاص بالمفهوم فى الرؤية الاسلامية.
    6- منظومة المفاهيم المرتبطة بالمفهوم وموقع المفهوم فى خريطة المفاهيم.
    7- كيفية تشغيل المفهوم فى النسق المعرفى بالضافة الى الواقع العملى.
    8- مستويات المفهوم المتعددة وآثارها فى عملية التشغيل.
    9- خبرة بناء المفهوم.
    10-قائمة ببليوجرافية بأهم المراجع .

    عرض : عبدالله جاد محمد





    وباعتبار الطبيعة الخاصة لهذه المفاهيم الثلاثة كمافهيم لا تعبر عن حقيقة شرعية ولم تكن مستدولة بكثرة فى التراث العربى الاسلامى فان الباحث يقترح منهجا خاصا لها تتمثل خطواته فى :
    السبحث عن دلالات المفهوم فى لغتعه الاصلية التى صك منها وحمل بدلالاتها ومعاينتها ومن ثم الوصول الة تجريد للمفهوم يعبر عن حقيقته وجوهره .
    تتبع تطور المفهوم فى بيته الاصلية وكيف تم سحبه من معانيه اللغوية الى معان اصطلاحية معينة وهل ثمة اتساق بين الاثني ؟
    التركيز على واقعة الترجمة واختيار مفابل عربى لهذا المفهوم وهل تمت ترجمة المعانى والالات ام ترجمة اللقظ فى معناه الظاهر فقط ؟
    تتبع تطور المقهوم فى الفكر العربى التالى لترجمة المقهوم ومدى التغير الذى لحق به وهل كان اثرا لدلالات المفهوم الاجنبى ؟
    مقارنة الدلالات الاصلية للمفهوم العربى المقابل للمفهوم الاجنبى بالدلالات المعاصرة لهذا المفهوم تمهيدا لمحاولة اعادة تعريف المفهوم بصورة تحقق له الوضوح والتجديد فيستعيد وظيفته فى التواصل الفكرى ونقل الدلالات والمعانى .
    دعوةلبناء المفاهيم لتحقيق التواصل وتعزيز الحوار :

فيم المساواة؟

  • Alkasd my other blog
  • فيم المساواة؟
    ترجمة المؤيد بالله عبدالله جاد فودة عز نصره وتم سعده
    قدم لنا النقاش في الفلسفة الأخلاقية قائمة عريضة في الإجابة على : فيم المساواة. في هذا المقال سأركز على ثلاثة أنماط من المساواة أعني (أ) المساواة النفعية (ب) مساواة المنفعة الكلية (ج) مساواة "رولز" وسأحاج بأن ثمة قيود ترد على كل من هذه الثلاث وأنه على الرغم من إخفاقها بطرق مختلفة ومتناقضة فإنه لا يمكن بناء نظرية ملائمة ولو على ائتلاف أرضيات هذه الأنماط. وفي الختام سأسعى لتقديم صياغة بديلة للمساواة تبدو لي تستحق اهتماماً أكبر مما تلقته ولن انقطع عن عمل بعض الدعاية لها.
    السؤال المنهجي الأول هو: عندما يجري الزعم بأن مبدأ أخلاقياً معيناً له نقائصه فما عساه يكون أساس هذا الادعاء؟ يبدو هناك طريقتين مختلفتين لتأسيس مثل هذا النقد - ناهيك عن مراجعة دعواه المباشرة إلى الحدس الأخلاقي - الطريقة الأولى: هي مراجعة تضمينات المبدأ بأخذ حالات محددة تبدو فيها نتائج استخدام المبدأ بشكل شديد الوضوح، ثم اختبار هذه التضمينات في مقابل حدسنا، وسأدعو هذا النقد نقد الحالة – التضمين. الطريقة الأخرى: هي لا الانتقال من العام إلى المحدد والتعين، بل من العام إلى الأكثر عمومية. فيمكن للمرء اختبار اتساق المبدأ مع مبدأ آخر جرى الإقرار بأنه أكثر جوهرية، مثل هذه المبادئ الأولى عادة ما تصاغ على مستوى أكثر تجريداً، وغالباً ما تأخذ شكل التطابق مع بعض الإجراءات العامة. على سبيل المثال ما يمكن الافتراض بشكل معقول أنه تم اختياره بمقتضى الجهل ب "كما لو " في رؤية "رولز " عن "الوضع الأصلي" هو حالة افتراضية أصلية يقرر الناس فيها أي القواعد سيتبنون دون معرفة ما سيؤولون إليه، كما لو كانوا يستطيعون إنهاء وجود أي من أفراد المجتمع، أو ما القواعد التي ستفي بمتطلبات القابلية للتعميم عند "رتشارد هير " وتتسق مع إعطاء أوزان متساوية للمصالح المتساوية لشاغلي كل الأدوار، وسأدعو النقد القائم على هذا المدخل نقد المبدأ الأول، وكلا المدخلين يمكن استخدامهما في تقويم الدعاوى الأخلاقية لكل نمط من المساواة وسأستخدمهما حقيقة هنا.
    1- المساواة النفعية
    المساواة النفعية هي المساواة التي يمكن اشتقاقها من المفهوم النفعي للصلاح والخيرية مطبقاً على مشكلات التوزيع، وربما كانت أبسط حالة هي مشكلة التوزيع المحض: مشكلة تقسيم كعكة متجانسة بين جماعة من الأشخاص يحصل كل شخص على منفعة أكبر كلما كبر نصيبه من الكعكة ويحص على المنفعة فقط من نصيبه هذا من من الكعكة وتزداد منفعته بشكل متناقص كلما زاد قدر نصيبه من الكعكة والغرض المنفعي هو تعظيم الإجمالي الكلي للمنفعة بصرف النظر عن التوزيع إلا إن هذا يتطلب مساواة المنفعة الحدية لكل شخص والمنفعة الحدية هي المنفعة الإضافية التي يحصل عليها كل شخص من وحدة إضافية من الكعكة ووفقاً لأحد التفسيرات فإن مساواة المنفعة الحدية تتضمن المعاملة المتساوية لمصالح كل شخص.
    إن الموقف معقد شيئاً ما عندما يكون الحجم الكلي للكعكة غير مستقل عن توزيعها، إلا إنه حتى لو كان الأمر كذلك فإن تعظيم المنفعة الكلية يتطلب القيام بتحويلات (في الأنصبة) للنقطة التي تتساوى فيها مكاسب المنفعة الحدية للكاسبين مع خسارة المنفعة الحدية للخاسرين، بعد الأخذ في الاعتبار أثر هذه التحويلات على حجم وتوزيع الكعكة.
    في هذا السياق وحده أصبح هذا النمط الخاص من المساواة الذي يلح عليه النفعيون متميزاً بشكل توكيدي فزعم "رتشارد هير" أن إعطاء أوزان متساوية للمصالح المتساوية لكل الأطراف سيؤدي للنفعية، ومن ثم يفي بمتطلبات قاعدة المبدأ الأول لـ"القابلية للتعميم" وبصورة مشابهة أسقط " جون هارساني" غير النفعيين بالادعاء بأن للنفعية قدرة حصرية على تجنب "التمييز غير المنصف" بين الحاجات الإنسانية لشخص ما وتلك التي لشخص آخر.
    وفق هذا التفسير فإن الأهمية الأخلاقية للحاجات تقوم بشكل حصري على مفهوم المنفعة، وهذا أمر يمكن المنازعة فيه، وظهرت مناسبات عديدة للخلاف حوله في الماضي، ولن أتردد في منازعته في هذا السياق المحدد. إنني سأطرق هذه المسألة لاحقاً، لكنني أريد أولاً اختبار طبيعة المساوة المنفعية دون التساؤل – في هذا الأوان – حول تأسيس الأهمية الأخلاقية بشكل كامل على المنفعة، فحتى عندما تكون المنفعة هي الأساس الوحيد للأهمية فلا زال ثمة تساؤل حول ما إذا كان حجم المنفعة الحدية - بغض النظر عن المنفعة الكلية – التي تمتع بها الشخص هي مؤشر ملائم للأهمية الأخلاقية.
    يمكن بطبيعة الحال تحديد مقياس منتظم على أساس خصائص المنفعة من قبيل أن نطاق منفعة الشخص يتسق مع نطاق أي شخص آخر بالطريقة التي تقاس بها الأهمية الاجتماعية باعتبارها ببساطة منفعة حدية متساوية. و إذا أخذت مقارنة المنفعة بين الأشخاص على أنها ليس لها أي مضمون وصفي فإنه يمكن اعتبار هذا – حقيقةً – مدخلاً طبيعياً. فبصرف الاهتمام عن الكيفية التي تم التوصل بها للأهميات الاجتماعية النسبية فإن المنافع الحدية المعزوة لكل شخص تعكس – ببساطة – هذه القيم ويمكن القيام بهذا بشكل صريح بمقياس مناسب لما بين الأشخاص، أو ضمناً بجعل تعداد المنفعة يعكس اختيارات في مواقف "كما لو " غير المؤكدة والمرتبطة ب"الوضع الأصلي" تحت افتراض إضافي بتفسير الجهل كاحتمال متساو بأن يكون أي شخص في هذا الموقف. و لا محل هنا للدخول في التفاصيل الفنية لهذا النوع من الممارسة لكن جوهره يكمن في استخدام إجراءات للقياس من قبيل أن مقاييس المنفعة الحدية تم تحديدها بشكل آلي على أنها مؤشرات للأهمية الاجتماعية.
    هذا المسار للمذهب النفعي قد لا يواجه مقاومة تذكر، بيد أنه غير خلافي بالأساس لأن لا يقول إلا القليل. ثمة مشكلة تثير المنافع الوقتية والمقارنات عبر الأشخاص والتي تعد المشكلة انطلاقاً منها ذات مضمون وصفي مستقل على النحو الذي يؤكد النفعيون أنهم يقومون به وعليه قد يثور نزاع بين هذه المنافع الوصفية والمنافع المقاسة بشكل ملائم وهي منافع معيارية بالأساس، وتجبر المرء على أن يكون وفق معناها نفعياً. فيما يلي لن يكون لدي ما أضيفه عن النفعية من خلال قياس ما بين الأشخاص وسأعود لاختبار المركز النفعي التقليدي والذي يعتبر للمنافع مضموناً وصفيا قابلاً للمقارنة عبر الأشخاص. كيف يمكن مواجهة الكيفية التي يتوجب بها أن ترتبط بها الأهمية الأخلاقية بهذه الملامح الوصفية؟
    يمكن اختبار المركز من منظور المبدأ الأول وزاوية التضمينات- الحالة أيضاً. إن نقد جون رولز كمقدمة أولية لتقديم مفهومه للعدالة أخذ في الغالب شكل المبدأ الأول، فبمعنى القابلية للقبول في "الوضع الأصلي" عند رولز كانت محاجته بأنه في موقف "كما لو" كان ثمة جهل المفترض أنه في ظله سيختار الناس تعظيم مجمل المنفعة، لكن رولز ناقش أيضاً عنف المذهب النفعي إزاء مفهومنا للحرية والمساواة، وقد أعاد العديد من الردود على محاجة "رولز" التأكيد على ضرورة أن نكون نفعيين بالأخذ بمسلك القياس الذي ناقشته آنفاً، والذي أعتقد أنه غير ملائم لمواجهة نقد رولز لكنني وجدت أن إغراء "الوضع الأصلي" يمكن مقاومته لأنه من غير الواضح ما سيتم اختياره بشكل محدد في مثل هذا الموقف كما أنه من غير الواضح أن الاختيار الحصيف في ظروف عدم التأكد تحت قاعدة كما لو سيقدم أساساً مناسباً للحكم الأخلاقي فيما هو غير "أصلي" على سبيل المثال أوضاع الحياة الواقعية لكنني أعتقد أن نقد رولز المباشر حسب مفاهيم الحرية والمساواة لا زال قوياً .
    ولما كان المرء مهتماً بتوزيع المنافع فإن هذا يستتبع مباشرة أن المذهب النفعي لا يمنحنا الراحة الفكرية فأقل المكاسب في إجمالي المنفعة الكلية ستؤخذ لترجيح التفاوتات التوزيعية الصارخة هذه المشكلة يمكن تجنبها تحت افتراضات معينة أهمها الحالة التي يكون لكل فرد فيها نفس الاستخدام للمنفعة وبهذا الافتراض في نطاق مشكلة التوزيع المحض ستتطلب أفضل منفعة مساواة مطلقة للمنافع الكلية للجميع لأنه عندما تتعادل المنافع الحدية ستكون المنافع الكلية كذلك إذاك كان للمنفعة نفس العمل عند كل فرد وهذا هو – بالمصادفة- مذهب المساوة فمجرد التيجة العرضية للذيل الهامشي تهز الكلب ككل والأهم من ذلك أن هذا الافتراض سينتهك مراراً لوجود اختلافات واضحة بين البشر تمت مناقشتها بشكل جيد فيسهل أن يكون "جون " مرضياً لكن "جيرمي" لن يكون كذلك فإذا ما تم قبول أن المساواة في تونزيع المنافع الكلية لها بعض القيمة فإن الفهم النفعي للمساواة – الحدية- سيظل مداناً.
    إن الإقرار بالتنوع الجوهري للبشر له تداعياته العميقة التي تؤثر على كافة المفاهيم وليس الفهم النفعي للسلع العامة فحسب بما في ذلك مفهوم "رولز" للمساواة فلو كان البشر متطابقين لكان تطبيق المبدأ الأول للقابلية للتعميم في صورة إعطاء وزن متساو للمصالح المتساوية لكل الأطراف أبسط كثيراً فالمنافع الحدية المتساوية للجميع باعتبارها تعكس أحد تفسيرات المعاملة المتساوية للحاجات إذا ما انصهرت مع المنافع الكلية المتساوية فإنها تعكس أحد تفسيرات خدمة المصالح الكلية للجميع بشكل متساو لكن في ظل التنوع فإن المفهومين يدفعان في اتجاهات متعارضة ويصبح من غير الواضح ما إذا كان إعطاء وزن متساو للمصالح المتساوية لكل الأطراف سيتطلب منا التركيز على واحد فقط من المعلمين دون الآخر.
    ويمكن استخدام منظور تضمينات الحالة لتطوير نقد وثيق الصلة وحاولت تقديم هذا النقد في موضع آخر على سبيل المثال إذا كان الشخص (أ) المقعد يحصل على نصف المنفعة التي يحصل عليها الشخص (ب) السليم من أي مستوى معطى من الدخل فإنه في مشكلة التوزيع المحض بين (أ) و (ب) سيكف النفعيون عن إعطاء (ب) دخلاً أكبر من المقعد وستسوء حالة المقعد بمقدار الضعف لأنه يحصل على منفعة أقل من نفس مستوى الدخل وأيضاً لأنه سيحصل على دخل أقل ولابد أن يصل المذهب النفعي لهذا بفضل اهتمامه الأحادي الجانب بتعظيم إجمالي المنفعة حيث إن الكفاءة الأعلى للشخص السليم في إنتاج المنفعة ستدفع الدحل بعيداً عن المقعد الأقل كفاءة .
    ولما كان ةهذا المثال كثيراً ما تمت مناقشته فإنني سأشرح ما تم توكيده وما لم يتم أولاً لم يتم الزعم بأن أي فرد ذي منفعة كلية أقل ( على سبيل المثال المقعد) عند أس مستوى من الدخل لابد أن تكون منفعته الحدية بالصرورة أقل أيضاً. فهذا صحيح عند بعض مستويات الدخل وليس جميعها والعكس يمكن أن يكون صحيحاً إذا توزع الدخل بشكل متساو وقتها حتى المذهب النفعي سيعطي المقعد دخلاً أكبر من غير المقعد لأنه عند هذه النقطة سيكون المقعد هو المنتج الأكثر كفاءة للمنفعة لكن نقطة محاجاتي هنا هي أنه لا توجد ضمانات بأن هذا هو ما سيكون عليه الحال وبشكل أكثر تحديداً إذا كان المقعد أسوأ حالاً بمعيار المنفعة الكلية لكنه أقل كفاءة في تجويل الدخل إلى منفعة وحتى عندما يكون الدخل متساوياً فإن المذهب النفعي سيزيد المقعد سوءاً بوضع بدخل أقل على قمة أقل كفاءة في استخراج المنفعة من الدخل. إن المسألة ليست بخصوص المعوقين بشكل عام ولا بخصوص الناس ذوي المنفعة الكلية ا؟لأقل بل هي تهم الناس المضارين - بما فيهم المقعدين – بمعيار المنفعة الكلية والحدية عند مستوى معين.
    ثانياً: إن المضمون الوصفي للمنفعة أكثر أهمية في هذا السياق فإذا تم تحديد المنافع على نطاق من الوحدات لتعكس الأهمية الأخلاقية فإن الرغبة في إعطاء أولوية لدخل المقعدين ستصبح عزو منفعة حدية أعلى لدخل المقعد لكن هذا كما سبق وأن ناقشناه معنى خاص جداً للمنفعة خلو تماماً من أي مضمون وصفي فحسب الخصائص الوصفية يفترض في مثالنا أنه يمكن مساعدة المقعد بإعطائه دخلاً لكن الزيادة في منفعته نتيجة الزيادة الحدية في الدخل هي أقل – بالمعيار الوضفي المقبول – مما لو أعطيت وحدة الدخل هذه للشخص الصحيح إذا ما كان دخلهما واحداً من البداية.وختاماً فإن مشكلة النفعية في محاجة تضمينات الحالة هذه غير مستقلة عن الافتراض الضمني بأن الدعوى بدخل أكبر على أساس سوء الحالة له أولوية على النابعة من تحقيق منفعة حدية أكبر وسيخفق اي نظام يعطي وزناً لكلا الإدعاءين في مواجهة الصيغة النفعية للخير العام هذا الضيق هو ما يجعل المفهوم النفعي للمساواة مفهوماً محدوداً وحتى عندما تقبل المنفعة كأساس للأهمية الأخلاقية فإن النفعية تخفق في تحقيق ملاءمة مزاياها الإجمالية لمتطلبات المساواة ويمكن تكميل نقد المبدأ الأول باستخدام ضعف اهتمام المذهب النفعي بالمسائل التوزيعية إلا على المستوى الحدي.
    2- مساواة المنفعة الكلية
    مذهب الرفاه هو رؤية بأن صلاح حالة ما يمكن الحكم علىه بخيرية و صلاح المنافع في هذه الحالة وهو رؤية أقل في مطالبها من المذهب النفعي لأنها لا تطالب بالحكم على صلاح المنافع بكليتها أو إجمالها وبهذا المعنى تكون النفعية حالة خاصة من مذهب الرفاه ويقدم أحد أمثلته فحسب ومن أهم الميزات الأخرى لهذا المذهب أن معيار الحكم على خيرية الحالة هو مستوى منفعة أسوأ الأشخاص في هذه الحالة وهو المعيار الذي ينسب عادة لـ "جون رولز" (وهو يستخدم السلع الاجتماعية الأساسية كمؤشر للمزايا ) ويمكن للمرء أن يأخذ باستخدمات أخرى للمنافع غير مسألة الكلية والإجمالية أو العنصر الأصغر.
    المساواة النفعية هي أحد أنماط المساواة عند الرفاه وثمة انماط أخرى أبرزها مساواة المنفعة الكلية ومن المغري التفكير في هذا باعتباره مناظراً لتحول المذهب النفعي من المنفعة الحدية للمنفعة الكلية هذا التناظر أقل مما يبدو لأول وهلة فعلى حين نميل نحن الاقتصاديين للتعامل مع الحدي والكلي كما لو كانا ينتميان لنفس مستوى الخطاب فإن ثمة اختلاف هام بينهما فالحدي مفهوم لاوقائعي بالأساس فالمنفعة الحدية هي المنفعة التي كانت ستتولد لو حصل الفرد على وحدة لإضافية من الدخل . فهي على عكس ما يدعى أنه ستتم ملاحظته إذا كان الأمر مختلفاً: أي في حالة زيادة الدخل بوحدة إضافية . الكلي ليس مفهوماً لا وقائعي بشكل متأصل فتمتعه بهذا الوصف من عدمه يعتمد على ما سيتم إجماله وتجميعه وفي حالة المنافع إذا ما أخذت على أنها حقائق ملاحظة فإن المنفعة الكلية لن تكون لا وقائعية وهكذا فإن مساواة المنفعة الكلية هي مسألة تخضع للملاحظة المباشرة في حين أن المساواة النفعية ليست كذلك لأنها تتطلب افتراضات حول الأشياء الواقعة تحت ظروف افتراضية مخنلفة ويمكن تقصي هذا الاختلاف بسهولة في حقيقة أن المساواة النفعية هي بشكل جوهري نتيجة لتعظيم الإجمالي الذي هو نفسه مفهوم لاوقائعي في حين أن مساواة المنفعة الكلية هي مساواة لنطاق يمكن ملاحظته مباشرة.
    ثانياً تقدم النفعية ترتيباً كاملاً لكل توزيعات المنفعة والذي يعكس ترتيب إجمالي المنافع الفردية لكن مساواة المنفعة الكلية لا تقوم بأكثر من الإشار إلى حالة المساواة المطلقة فحسب ففي التعامل مع حالتين من التوزيع غير المتساوي لابد من قول المزيد حتى يمكن ترتيبهما ويمكن إتمام التصنيف إلى مراتب بطرق مختلفة
    أحد هذه الطرق قدمها النسخة المعجمية من قاعدة التعظيم والتي ترتبط بمبدأ رولز عن الاختلاف لكن بتفسيرها بمعنى المنفعة كمضاد للسلع الأساسية هنا يحكم على صلاح الأوضاع في حالة ما بمنفعة أسوأ الأشخاص وضعاً في هذه الحالة لكن لو كان هذا الشخص في حالتين له نفس مشتوى المنفعة فإن تترتيب الحالتين يكون وفق مستوى المنفعة لثاني شخص أسوأ وضعاً فإذا كانا متساويين فوفق مستويات منفعة ثالث شخص أسوأ وضعاً وهكذا دواليك أما لو كان التوزيعان يتوافقان في ترتيبهما من الأسوأ للأفضل فإن كلا التوزيعين جيد بنفس القدر.
    ةاتباعاً للتقاليد الوطيدة لنظرية الاختيار العقلاني سأسمي هذا leximin أو المفردة الجذرية كيف تؤدي مساواة المنفعة الكلية إلى leximin يحدث هذا عندما تفترض بعض الحقائق المسلمة و في الحقيقة فإن هذا التحليل يتوازى مع الاشتقاقات المسلمة الحديثة من مبدأ الاختلاف عند العديد من المؤلفين فلو كان هناك أربع مستويات من المنفعة (أ) و(ب) و (ج) و (د) مرتبة تنازلياً حسب مقدارها فإن المرء يمكن أن يحاج ببادي الحس بأن النقطتين المتطرفتين (أ) و (د) يمثلان تفاوتاً أكبر من النقطتين المتوسطتين (ب) و (ج) ولاحظ أن هذه مقارنة ترتيبية محضة تقوم على المرتبة فقط في حين أن قدر (أ|) و (ب) و ( ج) و (د) الدقيق لا لايدل على اختلاف في المقارنة محل النظر فإذا كان المرء مهتماً بالمساواة وحدها فيمكن المحاجة بأن (ب) و (ج) أعلى أو على الأقل ليسا أدنى من (أ) و (د) هذا المقتضة يمكن رؤيته كنسحة من تفضيل مساواة توزيعات المنفعة ويمكن تسميتها تفضيل مساواة المنفعة ويمكن أن نقرن هذا بالافتراضالبدهي ل "باتريك" الذي قدم مفهوم سيطرة توزيع للمنفعة على غيره بمعنى أن كل عنصر من عناصر التوزيع يكون في حجم العنصر المناظر في التوزيع الآخر على الأقل وفي حالة وجود شخصين يتطلب هذا أن الحالة (س) لابد أن ينظر إليها على أنها بنفس جودة وصلاح |(ص) على الأقل إما لأن كل شخص في الحالة (س) يأخذ على الأقل أكبر منفعة يأخذها في (ص) أو لأن كل شخص في الحالة (س) يأخذ على الأقل نفس القدر من المنفعة الذي يأخذه الشخص الآخر في الحالة (ص)
    بالإضافة إلى ذلك فإن أحدهما لو حصل على أية زيادة فإن الحالة (س) بطبيعة الحال ستعلن أنها أفضل وليس جيدة وحسب فإذا ما اقترن مبدأ "باتريك" بمبدأ تفضيل المنفعة الكلية فسنجد أنفسنا مدفوعين باتجاه leximin ويمكن اشتقاق leximin بشكل كامل من هذين المبدأين باقتضاء ضرورة تقديم المدخل ترتيباً كاملاً لكل الحالات المختملة دونما اهتمام لما يحدث للمنافع الفردية القابلة للمقارنة ما بين الأشخاص وهو ما يسمى بالمجال غير المقيد وضرورة أن يعتمد تصنيف أي حالتين في مراتب على معلومات المنفعة التي تحصي هاتين الحالتين فقط ويسمى هذا الاستقلال.
    وحيث ينظر إلى المتطلبات الأخرى بخلاف تفضيل المنفعة الكلية على أنها مقبولة (مثل مبدأ "باتريك سابيس" والمجال غير المقيد والاستقلالية ) وحيث أنها تستخدم على نطاق واسع في أدبيات الاختيار الاجتماعي فإنه يمكن النظر إلى leximin على أنه ملازم طبيعي لإعطاء الأولوية لبلورة مفهوم للمساواة يركز على المنفعة الكلية.
    ولكن يجب أن يكون واضحاً أن leximin يمكن انتقاده بسهولة معقولة من منظور المبدأ الأول وكذلك من منظور التضمينات- الحالة ولأن النفعية لا تولي اهتماً لقوة الزعم النابع من سوء حالة المرء فإن leximin يتجاهل المزاعم والدعاوى النابعة من كثافة احتياجات المرء فالسمة الترتيبية التي أشرنا إليها تقدم افتراضاً بدهياً لتفضيل المساواة النفعية يجعل المدخل غير حساس لقدر مكاسب وخسائر المنفعة المحتملة لكنني حاججت في نقد النفعية الذي قدمته معاملة هذه المكاسب والخسائر كأساس وحيد للحكم الأخلاقي دون الادعاء بطبيعة الحال بعدم وجود ملاءمة أخلاقية لها بشكل مطلق خذ مثلاص مقارنة (أ) و (د) في مواجهة (ب) و (ج) ودعنا نرمز ل (ب) و (ج) بـ (3) و (2) سيؤكد تفضيل المساواة النفعية على سمو (3) و (2) على _10) و (1) وأيضاً (4) و(1) ولن يميز بين الحالتين مطلقاً إن نقص الاهتمام بأسئلة "ما كم " هو ما يجعل نقد leximin سهلاً سواء بإظهار إخفاقه في التماشي مع المبدأ الأول مثل "إعطاء أوزان متساوية للمصالح المتساوية لكل الأطراف أو نقده حسب التضمينات في حالات معينة.
    وبغض النظر عن عدم الاهتمام بأسئلة "ما قدر " فإن lexmin لا اهتمام له باسئلة "كم عدد" فهو لا يهنم بعدد الناس الذين ستضار مصالحهم سعياً وراء مصالح الأسوأ حالاً لإن قاعدة وضع الأسوأ لا تهتم بما إذا كان الأمر ينافي مصالح شخص آخر أو مليون أو بلايين الأشخاص الآخرين وأحياناً يزعم أن lexmin لن يكون معياراً بهذا التطرف إذا جرى تعديله لتفادي مشكلة العدد هذه وإذا كانت مصلحة أسوأ الأشخاص وضعاً لها أولوية بشكل دقيق على وضع الأحسن حالاً لكنها ليست بالضرورة على مصالح أشخاص أكثر من الأفضل حالاً هذه الصياغة التي نسميها leximin2 تأخذ شكل تطبيق المبدأ لو كان كلا الأشخاص تتساوى أمامهم البدائل إن leximin2 كنوع من الحل الوسط سيبقى غير مهتم بأسئلة "ما قدر " فيما يتصل بمنافع الأشخاص المختلفين لكنه لن يكون كذلك فيما يتصل بأسئلة "ما عدد" التي تتامل مع عدد الناس. ستطبق الأولية على شخص واحد مقابل واحد محدد غيره فقط ومن الطريف أن مشكلة الاتساق لها دخل هنا فيمكن إثبات أنه في ظل شروط تنظيمية معطاة مثل "المجال غير المقيد " و الاستقلال يستتبع leximin2 منطقياً leximin عموماً وهذا يعني في ظل الشروط المعطاة أنه لا مجال لاستعادة الحساسية الأخلاقية لمسألة عدد الناس على كل جانب باختيار المتطلبات المحدودة ل leximin2 دون الانتهاء إلى leximin نفسه إن عدم الاهتمام بأسئلة "ما قدر " الخاصة بالمنافع توحي بعدم الاهتمام بأسئلة "ما عدد" الخاصة بعدد الناس على الجانبين.
    أخذا في الاعتبار طبيعة هذه الانتقادات للمساواة النفعية ومساواة المنفعة الكلية على التوالي فإن من الطبيعي التساؤل ألا يمكن عمل نوع من المزاوجة بينهما يقف في وجه هذه الاعتراضات وإذا كانت النفعية تهاجم لعدم اعتنائها بتفاوت توزيع المنفعة و leximin ينتقد لنقص اهتمامه بقدر مكاسب وخسائر المنفعة أو حتى بعدد الداخلين في التوزيع ألا يكون حلاً سليماً اختيار مزيج من الاثنين؟ عند هذه النقطة تصبح المسألة التي تأجلت مناقشتها طويلاً عن العلاقة بين المنفعة والجدارة الأخلاقية حاسمة

الاثنين، نوفمبر 20، 2006

من الاجتماع البشري إلى العمران الإنساني

  • Alkasd my other blog
  • من الاجتماع البشري إلى العمران الإنساني:
    أنسنة السياسة عند حنا أرنت وابن خلدون



    لا تهدف هذه السطور إلى المقارنة ولا المقاربة بين النظرية الخلدونية ومفاهيم "حنا أرنت" ليس خوفاً من عدم معاصرة ابن خلدون، وإنما إدراكاً لحقيقة أن قيمة التصور الخلدوني إنما تكمن ابتداءً في أصالته واستقلاله وتكامله . فقيمة طرحهِ ليست في اختلافه أو توافقه مع الآخر ، وإنما في تحركه كوجودٍ أصلي وفعلي يستطيع أن يقيم علاقة حوار وتعارف مع الآخر . وهذا يختلف جذريا عن الحوار المبني على ترجمة ما عند الآخر ، أو بتعبير ثانٍ "الآخر محرَّفاً" . حيث لا يمكن لمثل هذه المشاركة أن تقيم تعارفاً، وإنما تعطي - في أحسن حالاتها – تسامحاً، وهو تسامحٌ يكون ملكاً للآخر وهو يتعامل مع من يريد مشاركته عبر ترجمته .
    هذا فضلا عن أن أسلوب المقارنات الذي يبحث عن الاتحاد في الآخر وربما الفناء فيه ، أو عن نفيه وإلغائه وتغييبه، هو أسلوب قاتل للتعارف ، لأن التعارف يستلزم أولا وقبل كل شيء إيمانا بحقيقة التعلم من الآخر حتى في حالة تعليمه .
    إن أصالة ابن خلدون الذي ولد في تونس سنة 1332 للميلاد هي التي تجمعه مع حنا أرنت؛ فهما عاشا لحظة أزمة عالمية تتطلب التفكير العميق في التحول الحاصل من جرائها، فها هو ابن خلدون يقول "وإذا تبدلت الأحوال جملةً فكأنما تبدّلَ الخلقُ من أصله وتحول العالم بأسره وكأنه خلقٌ جديد ونشأةٌ مستأنفةٌ وعالَمٌ مُحدَث". ولذا تبرز مسؤوليته في إعادة كتابة التاريخ كضرورة فيقول "فاحتاج لهذا العهد من يدون أحوال الخليقة والآفاق والأجيال والعوائد والنِّحل التي تبدلت لأهلها ويقفو مسلك المسعودي لعصره".
    وهو حس الأزمة الذي عانته حنا أرنت عندما كتبت تقول "لم نكن بحاجة للشمولية لإظهار أننا تعيش في عالم مقلوب رأسا على عقب وأصبح الغباء شائعاً كأنه الحس المشترك.
    وهكذا تشابهت الخبرة الإنسانية فكان لابد من تلمس أوجه التكامل في الرؤى التي يطرحانها للخروج بالعلم والعالم من أزمته
    إن اصالة ابن خلدون المشارإليها آنفاً ترجع إلى أنه وهو يحاول أن يفهم أزمة حضارته كان مضطرا خلال عمليته التنظيرية إلى تأصيل مفاهيم جديدة تتجمع وتتكامل داخل النسق المعرفي الإسلامي، فهو لم يخرج على الدوائر العامة الكبرى للتصور الإسلامي للإنسان والحياة والكون، ولكنه - في الوقت نفسه - لم يجد نفسه مُلزما باستعمال نفس الأدوات والمصطلحات والتعابير ، ولا حتى المنهجية الفكرية التي كانت شائعة في العالم الإسلامي في عصره أو ما قبل عصره، حين رأى أن تلك المصطلحات أو المنهجية لن تمكنه من القيام بواجبه، ومن أداء دوره الخاص والمتميز. بل إن هذا الأمر بالذات هو ما مكّنهُ من تقديم عطائه المبدع بشكل جعله بحق أول من حاول بشكل متكامل إيجاد تصورٍ إسلاميٍ معرفيٍ للحضارات وللاجتماع الإنساني وحركته على وجه الإجمال .
    فلا يمكن القول مع د. محمد ربيع بأن ابن خلدون كان الواقعي/العقلاني الوحيد بالمقارنة بمن سبقه من علماء مثل الماوردي والغزالي وغيرهم أو أن منهج ابن خلدون هو مرحلة متوسطة بين المناهج المجردة وبقايا المنهج الصوري التي كانت سائدة قبله في العصور الوسطى من جانب، وبين المناهج الوضعية والمادية لكبار المفكرين الذين ظهروا في أوربا في العصر الحديث من جانب آخر.
    فابن خلدون نفسه يقر بأن "ابن طباطبا" قبله قد حوم على الغرض الذي أنشأ من أجله المقدمة دون أن يصيب الهدف، ومع ذلك استمر ابن خلدون حاد الوعي بمسؤلياته كرائد يضع لبنات علمه الجديد: علم العمران " ونحن ألهمنا الله إلى ذلك إلهاماً وأعثرنا على علم جعلنا بين نكرة وجهينة خبره فإن كنت قد استوفيت مسائله و ميزت عن سائر الصنائع أنظاره وأنحاءه فتوفيق من الله وهداية و أن فاتني شيىء في إحصائه واشتبهت بغيره فللناظر التحقق إصلاحه ولي الفضل لأني نهجت له السبيل وأوضحت له الطريق والله يهدي بنوره من يشاء".
    كان ابن خلدون شديد الذكاء والطموح والكاريزما فهو الذي خلب لب الأساطين وطلبة العلم وأثار غيرة الحُساد والواشين، كان رجلا ذكاؤه وإدراكه أكبر من أن تحيط به مؤسسة واحدة، وأكبر من يحتويه بلاط واحد، كان في نفسه متسع لما هو أكبر، فالرجل الذي لم تسعه المؤسسات، وسعه التاريخ، فانخرط يقرأ ويحلل ويفسر ويضبط ويعيد ترتيب العلاقات، يستهدف بيان وبناء (العمران) هذا الهدف الكبير الذي كان بقامة تطلعات ابن خلدون ومزاجه المنضبط.
    وليؤسس عمرانًا منضبط، تسلح بمنهجية منضبطة، فحدد هدفه، وحدد منهجه، وبين الفرق بينه وبين سابقيه، والجديد الذي سيقدمه مقارنة بهم (المراجعة النقدية للأدبيات) وبيّن موضوع العلم الذي يقدمه ومكانته وفضله، وشرح تقسيم دراسته وهدف التقسيم.
    لقد سلك ابن خلدون منهجًا جديدا، قام على استقراء الأحداث التاريخية وإعادة ترتيبها وتفسيرها بعوامل بعينها، ولربما يكون بهذا قد أحدث قطيعة معرفية (بمفهوم جاستون باشلار أو التوسير)، أو أحدث ثورة في بنية العلم (بمفهوم توماس كون) لكنه لم ينقطع عن مرجعيته الإسلامية، ولم يكن "العقلاني الوحيد" أو "أول من فسر التاريخ بالمادية الجدلية" أو "صاحب الرؤية العلمانية في تفسير التاريخ .
    ويظهر هذا من استقراء بعض المفاهيم الأساسية في المقدمة مثل:
    السياسة وهي عند ابن خلدون عملية تستهدف دائما الخير الخاص والعام، هي إصلاح بتعبير ملخص، فسواء سميت السياسة المدنية (فهي تدبير المنزل أو المدينة بما يجب بمقتضى الأخلاق والحكمة ليُحمل الجمهور على منهاج يكون فيه حفظ النوع وبقاؤه) ، وسواء فرضها العقلاء وأصحاب البصائر ، فباتت سياسة عقلية نفعها في الدنيا فقط، أو فرضها الله وشرعها، فكانت سياسة دينية أو خلافة نفعها في الدنيا والآخرة، فهي محبذة ومثمنة ومحملة بقيم الخير والإصلاح "إذ الخير هو المناسب للسياسة"، فأي غرابة أن يشتغل بالسياسة قياما على هذا المعنى رجل عُني بالعمران (أحوال الاجتماع البشري) كما لم يعن به أحد .
    ترتبط تحولات الاجتماع البشري بمفهوم القوة التي عالجها ابن خلدون من خلال منظومته المفاهيمية وبالأخص مفهوم الوازع كمفهوم أساس فهو يعني عنده أساس الالتزام الاجتماعي "ثم أن هذا الاجتماع إذا حصل للبشر كما قررناه و تم عمران العالم بهم فلا بد من وازع يدفع بعضهم عن بعض لما في طباعهم الحيوانية من العدوان والظلم فلابد للاجتماع البشري من وازع" والوازع قد يكون التغلب والرئاسة، ويتخذ التغلب في البدو شكل العصبية، فهي مفهوم أساس.
    ويجمع الوازع بين مفهومي القوة من أجل تحقيق أهداف معينة و القوة على أطراف أخرى "فاصطباغ العرب بصبغة دينية جعل الوازع لهم من أنفسهم فانصرفت النفوس إلى الحق ...وأقبلت على الله فاتحدت وجهتها فذهب التنافس وقل الخلاف وحسن التعاون والتعاضد واتسع نطاق الكلمة فعظمت الدولة" ووسيلة الوازع إما ملك أو عصبية أو نبوة.
    الوسيلة الأولى لقيام الوازع هي العصبية لقد ربط ابن خلدون بين العصبية والاجتماع، (الاجتماع والعصبية بمثابة المزاج للمتكون) وإذ كان ابن خلدون يربط العصبية بالبدو وسكناه، فذلك لأن البداوة هي صورة الاجتماع الاولى ، وهو أمر كشف عنه من قبل في تقسيم مؤلفه حين بدأ بالعمران البشري على الجملة، ثم أردفه بالعمران البدوي وذكر القبائل والامم الوحشية، ثم الدول والخلافة والملك، ثم العمران الحضري..إلخ ، وقال في تفسير ذلك "وقد قدمت العمران البدوي لأنه سابق على جميعها"
    العصبية رابطة تقوم على أصل مشترك/نسب (حقيقي أو متوهم) يشترط فيه عنصر الادراك من قبل المنتمين له (لهذا النسب) ، وعنصر اللحمة والنعرة والتناصر، والعصبية قوة تتحرك باستمرار لاكتساب مزيد من القوة والسلطة وهي تقترن بالخلال الحميدة "إن المجد له أصل ينبني عليه، وتتحقق به حقيقته وهو العصبية والعشير، وفرع يتم وجوده ويكمله وهو الخلال، وإذا كان الملك غاية العصبية فهو غاية لفروعها ومتمماتها وهي الخلال" وعندما تضعف (بالترف والظلم وذهاب الفضائل) فإنها تهيء لانتقال السلطة لعصبية أخرى. وقيم العصبية لا تقتصر على قيم التماسك الداخلي أو القيم المشتركة بين أهل العصبية، بل تمتد إلى القيم العامة مثل العدل وإكرام أهل العلم.
    والعصبية في بنائها كمفهوم ارتكزت على "صلة الرحم"، وهو مفهوم من صفته التراحم والموالاة والنصرة ، ولا يتضمن انكفاء على الداخل ولا يقوم بنائياً في مواجهة الآخر، بل إن الصلة التي تنشئها الرحم صلة ممتدة وواسعة وتجميعية وليست اقصائية بحال، ولا تحمل نظرة خاصة للذات في مقابل الآخر. وإلى جانب صلة الرحم كنسب حقيقي، قد تقوم العصبية على رباط متوهم، لكن تتحقق فيه ثمار النسب من النصرة والتلاحم، والرباط المتوهم قد يكون بولاء أو حلف أو لجوء أو التحام
    والعصبية إذ تقوم على النسب، فلابد مع النسب من ثمراته، وثمرات النسب في النعرة والنصرة، فإذا وجد النسب دون ثمراته لم توجد العصبية، وإذا وجدت ثمراته ولم يوجد النسب، وجدت العصبية، فالنسب أمر وهمي لا حقيقة له ونفعه إنما هو في الوصلة والالتحام. وهذا أمر يقتضي وضوح النسب وإدراكه.
    والنسب مفهوم منظومة، فالنسب درجات، فهناك النسب بالولادة، أو بصلة الرحم، وهناك نسب الاصطناع. أما النسب بالولادة، ففيه نسب خاص يكون بين أبناء العمومة الأقربين ونسب عام بين أبناء العشيرة، والنسب الخاص عصبيته أقوى من العام لبروز ثمرات النسب فيه بشكل أكبر، كذلك الحال بالنسبة للنسب القريب والمتواصل والبعيد. أما نسب الاصطناع فقد يكون بالولاء والحلف والاسترقاق أو بالادعاء، وأهل نسب الاصطناع عصبيتهم دون عصبية الدم في العموم ولا تكون لهم الرئاسة على عصبية الدم، وشرف أهل نسب الاصطناع يكون بالعصبية التي يلتحمون ويلتصقون بها لا من نسبهم الحقيقي، وأهل نسب الاصطناع قد يشكلون عصبية قوية حال وقوع ثمرات العصبية من النصرة والالتحام. والنسب حين يختلط بالنصرة والعصبية فهو حسب، والحسب بالنسب وحده دون العصبية ليس حسبا في الحقيقة ومدعيه هو موسوس بالحسب ليس إلا. والنسب والحسب يجري عليهما الفناء ، فتختلط الأنساب خاصة في المدن من كثرة التصاهر ومخالطة العجم، بينما تظل الأمم البدائية في القفار محتفظة بصريح النسب، ذلك لأن فرط الفقر وشظف العيش الذي يعيشونه يجعل منهم بيئة طاردة لأي غريب يريد أن يختلط بهم، فتظل أنسابهم محفوظة صريحة بين قومهم الذي اعتادوا شظف العيش في القفار وحملوا نفسهم عليه.
    وعليه يعرف ابن خلدون العصبية بـأنها " نعرة كل أحد على نسبه وعصبيته وهي مما جعله الله في قلوب عباده من الشفقة و النعرة على ذوي أرحامهم و قرباهم موجود في الطبائع البشرية وبها يكون التعاضد و التناصر و تعظم رهبة العدو لأهل العصبية."
    وهكذا أوضح ابن خلدون في البداية أهمية الوازع في الاجتماع البشري.
    - وميز بين الوازع عند أهل البدو وأهل الحضر.
    - وأوضح أن "العصبية" هي الوازع الذي تحتمي به أحياء البدو.
    - وأن العصبية هي ضرورة في كل أمر يُراد أن يحمل الناس عليه من نبوة أو إقامة ملك أو دعوة ، لأن بلوغ الغرض يتم بالقتال لما في طبائع البشر من الاستعصاء، ولا بد في القتال من العصبية.
    - أن العصبية تقوم على النسب (صلة الرحم) أو ما في معناه (مثل الولاء) وما يولده النسب من نعرة ونصرة بين أهله.
    - أن النسب المشترط للعصبية هو النسب الصريح المدرك والمتحصلة ثماره في النعرة.
    - أن النسب المختلط قد ينشيء عصبية طالما وجدت "ثمرات النسب" من النعرة والقود وحمل الديات وسائر الأحوال.
    - الرئاسة تكون لأهل النسب الخاص لأن عصبيتهم أشد من أهل النسب العام، فيكون لهم الغلب.
    وتحدث ابن خلدون في مقدمته عن العصبية وتكوين الدولة (الغاية التي تجري إليها العصبية هي الملك) ويتحدث عن العصبية والشرعية ، وعن العصبية واستقرار الدولة (الأوطان الكثيرة القبائل والعصائب قل أن تستحكم فيها دولة)، وعن الترف والظلم كعوائق لهدف العصبية في الملك، وكمقوض للملك..
    ويرى ابن خلدون أنه في الحضر يكون الوازع هو الملك ، والملك ليس إلا عصبية اكتست فوق الغلب والرئاسة صفة القهر والحكم به. فالملك إنما يحصل بالتغلب والتغلب إنما يكون بالعصبية ومع ذلك يصبح الملك وسيلة مستقلة لقيام الوازع وذلك عندما تستحكم الغلبة للدولة ويستقر في النفوس الانقياد لما استحكم لها من صبغة الغلب في العالم فيصبح هذا الانقياد بديهة مسلم بها فكأنه حصل للدولة نوع من استقرار الهيمنة." فإذا استقرت الرئاسة في أهل النصاب المخصوص بالملك في الدولة و توارثوه واحداً بعد آخر في أعقاب كثيرين و دول متعاقبة نسيت النفوس شأن الأولية و استحكمت لأهل ذلك النصاب صبغة الرئاسة و رسخ في العقائد دين الانقياد لهم و التسليم و قاتل الناس معهم على أمرهم قتالهم على العقائد الإيمانية فلم يحتاجوا حينئذ في أمرهم إلى كبير عصابة بل كأن طاعتها كتاب من الله لا يبدل و لا يعلم خلافه".
    أما النبوة أو دعوة الحق فهي أهم وسائل قيام الوازع لأنها تجعله من داخل النفس من خلال الاستدخال الطوعي للقيم والضبط الاجتماعي فهي تجمع بين مفهومي الضبط الاجتماعي الذي يحمل بعض معنى القوة وفهوم الهيمنة ويشرح ابن خلدون ذلك خلال حديثه عن العرب بقوله "... وأنهم لخلق التوحش الذي فيهم أصعب الأمم انقيادا بعضهم لبعض، والأنفة وبُعد الهمة والمنافسة في الرئاسة، فقلَّ ما تجتمع أهواؤهم. فإذا كان الدين بالنبوة أو الولاية كان الوازع لهم من أنفسهم وذهب خُلُق الكبر والمنافسة منهم، فسهُل انقيادهم واجتماعهم وذلك بما يشملهم من الدين المُذهب للغلظة والأنفة الوازع عن التحاسد والتنافس". وواضحٌ أن المسألة هنا لا تتعلق برفض الهوى ابتداءً ، وإنما بالقدرة على التحكم فيه وتوجيهه إلى الحق ، أي في وجود "الوجهة" المطلوبة .
    ولذلك يلاحظ ابن خلدون أن الدعوة الدينية تزيدُ الدولة قوة فوق قوة العصبية التي كانت لها ، والسبب في ذلك "أن الصبغة الدينية تذهب بالتنافس والتحاسد الذي في أهل العصبية وتفرِّد الوجهة إلى الحق ، فإذا حصل لهم الاستبصار في أمرهم لم يقف لهم شيء لأن الوجهة واحدة والمطلوب متساوٍ عندهم ، وهم مستميتون عليه ، وأهل الدولة التي هم طالبوها [أي الدولة التي يواجهونها] وإن كانوا أضعافهم فأغراضهم متباينة بالباطل ، وتخاذلهم لتقية الموت حاصل ، فلا يقاومونهم وإن كانوا أكثر منهم بل يغلبون عليهم ويعالجهم الفناء بما فيهم من الترف والذل".
    اما الصور التي يمكن أن تتجسد فيها القوة فقد ميز ابن خلدون بين الغلبة التي تتضمن الانقياد الطوعي والجبر المادي من ناحية وبين القهر فالجبر ضروري في أول عهد الدولة " حيث يصعب على النفوس الانقياد لها إلا بقوة قوية من لغلب للغرابة وأن الناس لم يألفوا ملكها ولا اعتادوه".
    أما القهر فمثاله غلبة أهل الأمصار على أهل البوادي والقفار حيث يضطرون إلى طاعة رئيس المصر لما يتوقعونه من فساد عمرانهم ومع استحالة حياتهم بالقفار لايجد هؤلاء ملجأ إلا طاعة المصر.
    وهناك الهيمنة المرتبطة بالدعاوى الدينية على النحو الذي سبقت الإشارة إليه.
    إن ابن خلدون يفرق بين الاجتماع البشري والعمران في معناه الخاص الذي يجعله نوعا خاصاً من الاجتماع البشري أو هو كمال الاجتماع، فالإنسان كائن اجتماعي لا تصح حياته بدون مجتمع "فالاجتماع ضروري للنوع الإنساني وإلا لم يُتخيل وجودهم وما أراد الله من اعتمار العالم بهم واستخلافه إياهم" ، كما أن الإنسان نفسه مهيأٌ خَلقيا للعيش مع الآخر ، وهو يحتاج يده "المهيأة للصنائع"4 وذلك لجعل حياته ممكنة. والملاحظ هنا أن العمران يكتسب معنا معرفيا عميقا حيث يصبح مرتبطا بغاية خلق الإنسان، وتصبح خلافة الإنسان في الأرض مسؤولية كل فرد على تحقيقها في ذاته أولا، بحيث تكون من هذا الوجه مسؤولية فردية، ثم على تحقيقها اجتماعيا داخل العمران الإنساني كمسؤولية جماعية.
    وكذلك فإن ابن خلدون يؤكد على أن الإنسان هو صاحب مصيره، وهو المسؤول عنه، على عكس الحيوانات الأخرى، وذلك "لما أراد الله من تكوين الحيوانات فيها وعمرانها بالنوع البشري الذي له الخلافة على سائرها" . وربما كان من المناسب أن نقف هنا وقفة صغيرة عند إشارة ابن خلدون للحيوانات بـ "التكوين" وإشارته المقابلة للنوع البشري بـ "العمران" ، وعلاقة تلك الإشارات بمسألة "الاختيار" و "الحرية" فيما يتعلق بالمصير البشري. فوجود الحيوانات على هذه الأرض ومصيرها فيها إنما هو وجودُ "تكوين" محدد المصير والوجهة والهدف والغاية، ولذلك تضع بعض الحيوانات بيضها في مكان ما ثم تمضي بعيدا في عمق الحياة دون عودة إلى ذلك المكان ودون قلق على مصير الذرية. بينما يبلغ الولد العشرين من العمر في التجربة البشرية وهموم مصيره ومآله ومستقبله تلاحق الأب وتؤرق الأم. لأن الأمرَ أمرُ اختيارٍ للمصير، لا يطمئن الوالدان إلا بعد استيقان صوابه ورشاده وفق مقاييسهما أياً كانت.
    أما الخلافة في كلام ابن خلدون فإنها تأخذ شكل الهيمنة، التي وإن كانت تتربع على أعلى موقعٍ في سُلَّم المخلوقات، إلا أنها هيمنةٌ مسؤولةٌ دورها الأساسي هو المحافظة على الحياة أولاً، ثم الوصول إلى أكمل صورة ممكنة لها في هذه الدنيا.
    إن ابن خلدون يؤكد على ضرورة وجود "الوجهة" كأمرٍ لابد منه لكي يوجد العمران ويتحرك ويتكامل. وكلما ارتقى الإنسان في تحديد وتمييز تلك الوجهة، بحيث تكون وجهةً إلى الحق، ازداد تكامل العمران البشري على هذه الأرض. وحيث إنه يقسم العمران ( بالمعنى العام) إلى درجات ، تبدأ بالعمران البدوي الحاجي الأولي، وتنتهي بالعمران الحضاري الكمالي التكاملي، فإن شرط التحول والانتقال من العمران البدوي إلى ما بعده إنما هو وجود تلك "الوجهة" التي تعني الغاية والهدف والطريق الذي يحرك الإنسان في هذه الحياة .
    فإذا وصل العمران مرحلة الحضارة بمعنى التفننٌ في الترف وأحكام الصنائع المستعملة يلوح خطر طغيان عالم الأشياء لأن قوة الدولة تزداد وحصول الاستيلاء يتمُّ وعِظَمَ واستفحال المُلكِ يتفاقم "فيدعو إلى الترف ويكثر الإنفاق بسببه ، فتعظم نفقات السلطان وأهل الدولة على العموم بل يتعدى ذلك إلى أهل المصر، ويدعو ذلك إلى الزيادة في أعطيات الجند وأرزاق أهل الدولة ، ثم يُعظَّم الترف فيكثر الإسراف في النفقات وينتشر ذلك في الرعية". ويبدأ الاجتماع البشري في التوجه إلى لحظات أزمةٍ خانقة، لا يحلها على الإطلاق زيادة الإنتاج، بل إن تلك الزيادة تساهم في تعفين الأجواء وتعميق الأزمة .
    إن هذه اللحظة هي لحظة الاكتمال الطاغي للعمران الناتج عن لحظة سيادة عالم الأشياء (أي المنتجات والماديات)، وذلك عبر مثلث جهنمي متناقض يتمثل في طغيان توفر الأشياء من جهة، وشدة البحث عنها من جهة أخرى، والضعف المتناهي للتحكم فيها والقدرة على وضعها موضعها من جهة ثالثة . وبدلاً من أن يمتلك الإنسان الأشياء في هذه اللحظة ، يصبح هو - عملياً - ملكاً لها ، لأن امتلاكها صار محور حياته وحركته ، وصار هو "الوجهة" و"الغاية" .
    ولذلك تصبح المفارقة في مثل هذا العالم أن موت الإنسان من الجوع - وهو ما يحصل كثيراً، وبشكلٍ يشينُ كل حضارة إنسانية معاصرة - لا يعود مرتبطا بفقدان عالم الأشياء .. وإنما من تحقق عالم الأشياء وتكدسها، وما ينتج عن ذلك التكدس من مناهج في الحياة والتفكير والتعامل بين الإنسان وأخيه الإنسان .
    وفي هذه اللحظة تستحيل "الوجهة" التي أنتجت الحضارة عبر تحرك العمران نحو تحقق عالم الأشياء ، ثم تفقد "العصبية" القدرة على توحيد الأهواء باتجاه تلك الوجهة وتبدأ هي أيضا في التلاشي ، ليكون تلاشي العصبية أخيرا مُفضياً إلى تلاشي الدولة كليا "إلى أن تضمحل كالذبال في السراج إذا فني زيته وطفيء والله مالك الملك ومدبر الأكوان لا إله إلا هو" .
    هكذا يتضح من استقراء محاولة ابن خلدون لوضع أسسس علم العمران أنها لم تكن استثناء مما يظهره تاريخ العلم من أن رؤية معينة للعلم وتصنيف العلوم ليسا إلا نتاجاً طبيعياً لظروف حضارية معينة، فثمة علاقة واضحة بين بناء العلم والبناء الاجتماعي بحيث يصبح من غير السائغ الحديث عن المنهج العلمي دون الإشارة إلى البناء الاجتماعي الذي يستخدم في إطاره، فأي منتج علمي صادق يمثل في الوقت ذاته وإلى حد كبير تصديقاً وتدعيماً للبناء الاجتماعي وينطبق هذا أيضا على التصور السائد لمفهوم العلم، فالعلم كما يعرفه "القاموس الحديث لعلم الاجتماع" هو الذي يرتكز على المنهج العلمي الذي يعرفه بدوره بأنه " عملية يتم في إطارها بناء كيان من المعرفة العلمية من خلال الملاحظة والتجريب والتعميم والتحقق هذا الكيان مبني على افتراض أن المعرفة العلمية لا يمكن قبولها على أنها صحيحة أو ذات معنى إلا إذا كان من الممكن التحقق من صدقها إمبريقياً ... ولكن على الرغم من أن المنهج العلمي يعتمد على جمع الحقائق الإمبريقية (المستمدة من المدركات الحسية) فإنه يفوق هذا إذ لابد من ترتيب هذه الحقائق بطريقة ما ليصبح لها معنى وتحليلها وإصدار التعميمات المنطلقة منها وربطها بالحقائق الأخرى من خلال إطار نظري يعمل على تقديم وسيلة لتنظيم الملاحظات الإمبريقية وتفسيرها وربطها بما توصل إليه الباحثون من قبل من نتائج.
    هذه الرؤية للعلم تتجلى في منطلقات المدرسة السلوكية في العلوم الاجتماعية كما صاغها ديفيد إيستون في أكثر صياغاتها تطوراً من ناحية تعبيرها عن صيغة منفتحة تدرك تكامل البحث النظري والإمبريقي وتفسح مكاناً لرؤية تدرك مدى وحدود القياس والارتباط بين العلم واستخدماته الاجتماعية لكنها تظل تعبر منطلقات المشروع العلمي الحداثي الذي يجمع بين الإمبريقية الإنجليزية والعقلانية الفرنسية ويعد تجريداً تنظيراً فلسفياً لمنهجية العلوم الطبيعية وتطبيقها على الظواهر الاجتماعية لعمل علاقات ارتباطية يمكن كشفها وتجريدها والاستفادة منها في التنبؤ العلمي والصناعة لكن هذه المدرسة السلوكية سرعان ما تتضح أبعادها كأيديولوجيا محافظة كما اتضح توظيف ابحاث السلوكيين لخدمة الوضع القائم وحل المشكلات الاجتماعية التي تواجهه من منظار استعادة التوازن والاستقرار ومن هنا كان اهتمام تشارلز مريام رائد "المنهج العلمي" منصباً على مسألة التخطيط السياسي Policy Science الذي لا يخدم ولا يعنى إلا بالوضع القائم.
    هذه الرؤية للعلم تستبطن رؤية معينة للعالم وترافقت مع تغيرات اجتماعية وسياسة هزت المجدتمع الأوربي منذ عصر التنوير وبداية المشروع الحداثي الذي أصل رؤية الإنسان في مواجهة الطبيعة والكون، حيث يصبح العلم أداة الإنسان للسيطرة على الطبيعة ثم على الإنسان نفسه في مرحلة لاحقة ووصولاً لهذه السيطرة كان لابد من تفتييت الإنسان - حيث لم يعد ينظر إليه كـ" ماهية خفية " بل كـ " ظاهرة - إلى مجموعة موضوعات يختص كل علم من العلوم الاجتماعية بدراسته وتحديد القوانين التي تحكمه ومن ثم غاب الإنسان عن علوم الإنسان غاب ككائن له تميزه وأصالته فأصبح ظاهرة كأي ظاهرة طبيعية لا تختلف عنه إلا في درجة تعقدها، والملفت للنظر أن التيار السلوكي كما يعبر عنه "واطسون" والتيار الماركسي يلتقيان عند هذه النقطة فرأى "ماركس" و"إنجلز" أن الإنسان ظاهرة متطورة من ظواهر الطبيعة، ولحظة من لحظات جدل الطبيعة وفي النهاية تتحول دراسة الإنسان إلى دراسة " الفيزياء الاجتماعية".
    كما غاب الإنسان في كليته وتم إخضاع الإنسان لمنطق الدراسة "العلمية" التي لا تقبل إلا الأشياء القابلة للتحديد والقياس بما أدى لتحديد أبعاد متعددة للإنسان كموضوعات للدراسة، فأصبحت العلوم الاجتماعية لا تدرس الإنسان ذاته بل مجموعة أقسام متناثرة ومنفصلة لا يمكن أن تشكل وحدة واحدة، وهكذا حدد "بول لازرسفيلد" معالم التحول إلى علم الاجتماع في الميل لدراسة الأوضاع والمشكلات الاجتماعية المتكررة ودراسة الظواهر الاجتماعية الآنية بدلاً من التاريخية.
    وعليه يمكن القول أن العلوم الاجتماعية ظهرت كمفهوم وتحددت أهدافها وتصنيفاتها كتعبير عن المشروع الحداثي فارتبطت العلوم الاجتماعية بالقوة والدولة، وأصبح دور العلماء والخبراء يشبه دور رجال الدين في المجتمعات الأوربية في العصور الوسطى في تبرير السلطة والمحافظة على واحديتها، ومن هنا كانت دعوة "فييرآبند" لفصل العلم عن الدولة.
    وتبدو هذه الرؤية لها وجاهتها بمراجعة تقلب النماذج المعرفية في علم السياسة ما بين علم الدولة وعلم السلطة ثم القوة ثم استعادة الدولة كمحور هذا العلم وهي تحولات لم تعبر عن مقتضيات تطور العلم بقدر ما عبرت عن تغير موازين القوى.
    خضع المشروع الحداثي لإعادة تقويم مستمرة مع الإحساس بزيف شعاراته التي يرفعها بإعلاء قيمة الإنسان والكرامة الإنسانية في حين أنه لم يكن إلا مشروعاً للسيطرة والهيمنة وضبط حركة الإنسان من خلال حصر قدرات الفرد الفكرية والحياتية في قنوات مضبوطة وبطرق متعددة وقولبة الرغبات الإنسانية وإخضاعها لمتطلبات الربح والسوق وخلق رغبات دائمة التغير والتحول بواسطة الدعاية والإعلان الذي اتخذ في مجتمع الوفرة شكلاً مهيمناً ومن ثم سحق الإنسان في النظم الشمولية النازية والفاشية كنتيجة طبيعية لمقولات العقلانية و الشادة.
    ومن هنا تأتي أهمية إسهام حنا أرنت الحركي و النظري حيث لم تعر النظم الشمولية وحسب بل سعت لاجتثاث بذور تكونها في الوعي والمعرفة من خلال تأكيدها طبيعة وخبرة الحياة السياسية نفسها وليس مجرد تشييد تنظير منطقي تحليلي بحت كمحور للنظرية السياسية، وهي بذلك استمرار لتراث الفهم في العلوم الإنسانية والتي تأخذ برؤية "كيرجارد" بأن البحث عن الحقيقة إنما هو عمل "تقريبي لا ينتهي" وأن الفهم التاريخي، كالفهم العقلاني، أمرٌ حدسي في الأساس. فكما أن الحُجَج المنطقية أو الاستطرادية إنما هي مجرد وسائل مؤدية إلى حدس عقلاني، كذلك فإن الأدلة والبراهين إنما هي مجرد وسائل مؤدية إلى حدس تاريخي. ففي الفهم العقلاني، لدى الوصول إلى الحدس، تبدو الأسباب والحجج طرائق وأساليب يمكن إبدالها لبلوغ هذا الحدس. وحين لا يتم بلوغه تبقى هذه الأسباب والحجج مجرد معالم تشير إلى حدس يستحيل (على الأقل موقتاً) بلوغه.
    فعلى خلاف العلم التجريبي الذي يحاول أن يفصل الموضوع عن الذات العارفة ويدرس الظواهر من حيث اقترانها بأسباب حدوثها، ويخلص إلى تحديد العلاقة المبنية على أساس العلة والمعلول، ويستمد شرعية نتائجه غالبا من التجربة والاختبار فإن"كيرجارد" و "هيدجر" يدرسان الظواهر كما هي عليه في الزمان والمكان دون فصل الذات عن الموضوع أو إقصاء الأحوال الشعورية النفسية عن موضوع المعرفة .حيث يجري وصف الظاهرة وصفا مستقلا عن الوسائط المادية التجريبية ،اعتماداً على تحليل الظاهرة تحليلا عقليا، مبنيا علي القصدية في الشعور، مرتكزا علي التتالي في عملية التحليل، ومتحددا بدور الشعور المحض أو الخالص [PHINOMINOLOGI DE LESPRIT ].
    فالفهم كهدف للعلم كما ترى "أرنت" يقف في مواجهة النمط العلمي للفكر السياسي الذي ساد في عصرنا فالسياسة عند أرنت "واحدة من المجالات الهامة للوجود الإنساني من خلاله وفيه نعطي لغربتنا الوجودية وغربة الآخرين الذين يشتركون معنا فيها معنى "ومن ثم تقدم "أرنت دعوة لحس متميز بالسياسة في مقابل اختزالها لمجرد منهج تكنوقراطي
    وإذا كان الفهم عند "أرنت" يعني نشاطاً ينطوي على التغير الدائم والتنوع لا نهاية له يتم من خلاله التوفيق بين الذوات الإنسانية والواقع بمعنى أن تجد لها بيتا في هذا العالم إذا كان الأمر كذلك فإن فهم الشمولية لا يعني استعداداً للتصالح ولا الصفح بل نوع من فهم الذات فالشمولية وإن اتسمت بأصالة مرعبة كتدمير غير مسبوق لكل التقاليد فإنها لم تنزل من القمر بل نشأت عن عناصر تمت بلورتها في العالم غير الشمولي ومن هنا لابد لمحاربة الشمولية من الفهم فقد نعرف لكن لا نفهم ما نحاربه وقد نعرف لكن لانفهم ما نحارب من أجله.
    إن الفهم يسبق ويتبع المعرفة فالفهم أساس لأي معرفة وفي الوقت نفسه فإن الفهم الحق لابد أن يتجاوز مجرد المعرفة ليجعل للمعرفة معنى وهو ما يقصر عنه مفهوم العلم الجامد والتحليل السياسي السياسي لن يثبت أو ينفي ماً يمكن اعتباره كطبيعة أو جوهر للحكومات الاستبدادية أو الطغيانية أو الجمهورية فهذه الطبيعة الخاصة يأخذها الفهم الأولي كمعطى يؤسس عليها العلم نفسه في حين إن الفهم الحق يرجع دوماً إلى الأحكام والتحيزات التي تلحق وترشد البحث العلمي وكل ما يمكن أن يؤديه العلم أن ينور - لا أن يثبت أو ينفي - الفهم الأولي الذي انطلق منه فإذا افتقد العالم هذا الدليل وتصرف كخبير فني محتقراً الفهم العامي الذي انطلق منه فسرعان ما يفتقد الخيط الناظم الذي يرشده في متاهة نتئج بحثه
    إن الأزمة العالمية لاترتبط بالشمولية وحدها بل بالموقف الحديث الذي نحتاج فيه لتجاوز الفهم الأولي والمدخل العلمي الصارم معاً حيث فقدنا أدوات الفهم ومن ثم اتسمنا بالغباء بالمعنى الذي وصفه كانت فبحثنا عن المعنى يحثه ويحبطه في وقت واحد فقداننا قدرتنا على توليد المعنى.
    إن جوهر الأزمة الحضارية هو تزايد غياب المعنى مترافقاً مع فقدان الحس المشترك منذ بداية القرن العشرين في غباء متزايد فكما تقول أرنت " لا نعلم حضارة قبلنا يكيف الناس فيها احتياجاتهم للسلع والأشياء كما تنشر الإعلانات ولم نعرف في أي قرن مضى أن العلاج الناجع يرتبط بالدفع السخي لمن يقوم بالعلاج" إن هذا التدهور الخاصة انسحب على كل مجالات الحياة العادية، وترى "أرنت" أنه من منظور الحس المشترك لم نكن بحاجة للشمولية لإظهار أننا نعيش في عالم مقلوب رأساً على عقب وأصبح الغباء شائعاً كأنه الحس المشترك وترى "أرنت" أن ذلك ليس هذا مجرد عرض للمجتمع الجماهيري بل ما جرى هو انتشار نزعة المنطق الشكلاني الذي ينطوي على التحول الشمولي لتحريف الفكرة إلى مقدمة منطقية أو جملة واضحة بذاتها يمكن استدلال كل شئ منها في اتساق منطقي داخلي يفصل الصحة عن الملاءمة فيصبح مثلاً 2+2= 4 أمر هي صحيح بالنسبة للرب والعبد معاً بغض النظر عن الشرط الوجودي والاجتماعي.
    إن الأنظمة الشمولية أياً كان أمد سلطانها، والقادة الشموليين، طالما بقوا على قيد الحياة، فإنهم يحتاجون للسلطة وإن هؤلاء "يبسطون سلطتهم مستندين إلى الجماهير" حتى النهاية. وهكذا بلغ هتلر السلطة بصورة شرعية ووفق قاعدة الأغلبية الحاكمة، وما كان له ولستالين أن يستمسكا بزمام سلطتهما على شعوب عريضة بأسرها، وأن يصمدا في وجه أزمات داخلية وخارجية عديدة، لو لم يكونا حائزين على رضا الجماهير وثقتها.
    غالباً ما تسعى الحركات الشمولية إلى تنظيم الجماهير وتفلح في ذلك لكن كيف ظهرت هذه الجماهير وكيف أصبحت كذلك ؟
    إن عبارة "الجماهير" تنطبق على الناس، الذين عجزوا، لسبب أعدادهم المحضة، أو لسبب اللامبالاة، أم للسببين المذكورين معاً عن الانخراط في أي من التنظيمات القائمة على الصالح المشترك ـ أكانت أحزابا سياسية، أم مجالس بلدية، أو تنظيمات مهنية أو نقابية. توجد الجماهير، وجوداً بالقوة، في كل البلدان، وتشكل غالبية الشرائح العريضة من الناس الحياديين، واللامبالين سياسياً، والذين نادراً ما يصوتون ولا ينتسبون إلى أي حزب.
    ولئن صح أن الحريات الديمقراطية قامت على أساس من المساواة بين جميع المواطنين أمام القانون، إلا أنها لا تكسب معناها ووظيفتها العضوية إلا حالما ينتمي المواطنون إلى جماعات تمثلهم، أو تشكل في ذاتها هرمية اجتماعية وسياسية
    لكن اللامبالاة إزاء الشؤون العامة، والحياد في المجال السياسي، ليسا شرطين كافيين لنمو الحركات التوتاليتارية فقد كان انهيار منظومة الطبقات، مؤاتياً لانطلاقة النازية لقد كان من شأن انهيار نظام الطبقات أن أفضى بصورة آلية إلى انهيار نظام الأحزاب نفسه، ولما كانت هذه الأحزاب قائمة على المصالح، لم يسعها أن تمثل مصالح طبقة من الطبقات
    وسط هذا المناخ، وخلال انهيار مجتمع الطبقات، أخذت تتنامى نفسية "رجل الجمهور" الأوروبي. ولئن أصاب نفس المصير جمهوراً من الأفراد، في تماثلية رتيبة ومجردة، فإن ذلك لم يحل دون أن يطلق هؤلاء على أنفسهم أوصاف الفشل الفردي، كما لم يحل دون إطلاق أحكام الظلم المخصوص على العالم. مع ذلك، فإن هذه المرارة الشخصية ما كانت لتشكل رابطاً مشتركاً بين أعداد الناس، رغم حدوثها في حالاتٍ فردية كثيرة ومعزولة: ورغم ميل هذه المرارة إلى محو الاختلافات الفردية، لم تقم على أية مصلحة مشتركة، أكانت اقتصادية، أم اجتماعية، أو سياسية. وبالتالي، فإن الانطواء على النفس بات متلازماً مع إضعافٍ إرادي في غريزة البقاء. وقد تجلى ذلك في عدم المبالاة، بمعنى ألا يكون للمرء قيمة في نظر نفسه، وفي الشعور بإمكان أن يكون المرء مضحى به، على أن هذين لم يكونا تعبيراً عن مثالية فردية، إنما دلا على ظاهرة جماهيرية.
    ومن ناحية أخرى لطالما كانت الحركات الشمولية أحوج إلى ظروفٍ خاصة تكون فيها الجماهير مفتتة ومشظاة، لذلك تتشكل الحركات الشمولية من تنظيماتٍ جماهيرية تضم إليها أفراداً مبعثرين ومعزولين فكان على الشمولية التخلص نهائياً من حيادية لعبة الشطرنج"، أي أن تتخلص من أي نشاطٍ ذي وجود مستقل. أما الذين ما برحوا يهوون "لعبة الشطرنج لذاتها"، والذين قارنهم مصفوهم مع "محبي الفن للفن" مقارنة محقةً، فلا يعدون كونهم عناصر لا تزال تبدي مقاومة إزاء مجتمع قائم على الجماهير، والذي يشكل تجانسه التام أحد شروط الشمولية الأساسية.
    إن تفسير الشمولية على هذا النحو عنى لأرنت الاهتمام بالبعد الحضاري وبعد الهوية بعد إخفاق المشروع التحديثي لاستعادة الحس المشترك الذي يفترض وجود عالم مشترك يمكن أن نعيش فيه معاً نظراً لامتلاكنا حساً واحدا.